من الآية 30 الى الآية 35
الآيــات
{وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِّثْلَ يَوْمِ الأحْزَابِ* مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعِبَادِ* وَيا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ* وَلَقَدْ جَآءكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَآءكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ* الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِى آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ آمَنُواْ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُـلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ} (30ـ35).
* * *
معاني المفردات
{دَأْبِ}: عادة.
{يَوْمَ التَّنَادِ}: المقصود يوم القيامة.
{عَاصِمٍ}: مانع.
{صَرْحاً}: الصرح: البناء الظاهر.
{الأسباب}: السبب: كل ما يتوصل به إلى شيء يبعد عنك.
{تَبَابٍ}: هلاك وخسار.
* * *
مؤمن آل فرعون يخوّف قومه ويذكّرهم مصير الأمم السّالفة
.. ووقف مؤمن آل فرعون مجدَّداً أمام الناس ليردّ على فرعون بأسلوب جديد، يطرح فيه قضية موقفهم من موسى ليخوِّفهم من المصير المظلم الذي قد يستقبلهم كما استقبل غيرهم من الأمم التي وقفت الموقف نفسه، فحاربت أنبياءها واضطهدتهم من دون أن تعطيهم حرية التعبير عما يحملونه من فكر وما يدعون إليه من رسالة.
{وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِّثْلَ يَوْمِ الأحْزَابِ} من الأمم التي سبقتكم وتكتلت أحزاباً للكفر، وجماعاتٍ للضلال، وتمرّدت على الله وواجهت رسله، وحاربت رسالاته، {مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ} هؤلاء الذين عذّبهم الله في الدنيا قبل الآخرة، بعد أن أقام عليهم الحجة، {وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعِبَادِ} بل العباد هُمُ الذين يظلمون أنفسهم بالكفر بالله والتمرد على رسله.
{وَيا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ} وهو يوم القيامة الذي ينادي فيه الظالمون بعضهم بعضاً أو ينادون بالويل والثبور على ما اعتادوا به في الدنيا، أو يراد به الإشارة إلى المناداة التي تقع بين أصحاب الجنة وأصحاب النار على ما ذكره الله تعالى في سورة الأعراف. {يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ} في حالة فرارٍ وهزيمة خائفةٍ مرعبةٍ {مَا لَكُمْ مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ} يعصمكم من عذاب الله، {وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ} يتركه لنفسه ويهمله فلا يفيض عليه من لطفه ورحمته، {فما له من هاد} لأنّ للهدى أسبابه التي خلقها الله وطوعها لإرادة العبد واختياره، فإذا رفضها واستكبر عليها، وسلبه الله رعايته، فلا يملك أحد أن يحقق له الهداية.
{وَلَقَدْ جَآءكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ} في ما كان يثيره أمامكم من فكر توحيديٍّ يهديكم إلى معرفة الله، ومن روح مسلمة تسلم كل حياتها لله في إسلام القلب واللسان والحركة {فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَآءكُمْ بِهِ} فلم تؤمنوا به، ولم تصدقوه، بل واجهتم دعوته بعلامات الاستفهام الهادفة إلى التحدي وإثارة الجدال العقيم، لا الوصول إلى معرفة الحقيقة.. {حَتَّى إِذَا هَلَكَ} وانتقل إلى جوار ربّه {قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولاً} في إعلانٍ لانتهاء عهد الرسل، لأن ذلك لن يكلفكم شيئاً في الالتزام، باعتبار أن الإيمان بالرسل شيء يتصل بالماضي، في الوقت الذي تؤكدون فيه حرية الانتماء في المستقبل، حيث لا موقع للرسالات {كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ} ممن لا ينفتح على حدود الله، ولا يقف عند ضوابط المعرفة، ولا يبني قناعاته الفكرية على قاعدة اليقين ليلتزم به.
ولعلّ هذه الآية هي المناسبة الوحيدة التي تحدَّث فيها القرآن عن شخصية يوسف الرسالية، ومعاناته مع قومه، نتيجة تمردهم عليه وشكهم في رسوليته في حركة الدعوة في حياته.. فقد كان القرآن يتحدّث عنه بصفته الحاكم الإداري الذي يملك السلطة على مقدرات مصر المالية.
* * *
مقت الله للجدال العابث اللاّهي
{الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ} فهم لا يجادلون استناداً إلى حجةٍ أو برهان، بل من موقع العبث واللهو والعناد {كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ آمَنُواْ} لأن مثل هذا الموقف الجامد المتعنّت أمام كل دلائل الحقيقة، لا يستحق إلا أشد البغض والاحتقار والعذاب {كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ} فلا يفقهون شيئاً مما يسمعون ولا يفهمون حقيقة في ما يفكرون، لأن قلوبهم قد أغلقت على الجهل الذي يعيش في عمق شخصياتهم.. نتيجة ما عاشته من كبرياء وما تحركت به من جبروت..
تفسير القرآن