تفسير القرآن
غافر / من الآية 56 إلى الآية 63

 من الآية 56 الى الآية 63
 

الآيــات

{إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ* لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ* وَمَا يَسْتَوِي الأعمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَلاَ الْمُسيءُ قَلِيلاً مَّا تَتَذَكَّرُونَ* إِنَّ السَّاعَةَ لآتيةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ* وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ* اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللّيلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِراً إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ* ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لاَّ إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّي تُؤْفَكُونَ* كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُواْ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} (56ـ63).

* * *

معاني المفردات

{بِغَيْرِ سُلْطَانٍ}: بغير حجة ودليل.

{دَخِرِينَ}: صاغرين، ذليلين.

{مُبْصِراً}: مضيئاً تبصرون فيه.

{تُؤْفَكُونَ}: تصرفون.

* * *

قاعدة جدال المشركين في آيات الله

لماذا يجادل هؤلاء الذين يواجهون الرسالات في آيات الله؟ وما هي خلفيّاتهم النفسية؟ وكيف يعالج القرآن الموقف من خلال منطقهم؟ هذه الآيات تحدّد ذلك كله..

{إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ} فهم لا يملكون حجّةً من علمٍ على ما يلتزمونه من نهجٍ في العبادة، أو على ما يعارضونه من خط الرسالة والدعوة، ولم ينطلقوا من موقع شبهةٍ في الفكر أو خطأ في الحساب، فكيف اتخذوا ذلك الموقف؟.. إن الناس يتخذون الموقف، عادةً، من خلال التصورات المضطربة في تفكيرهم، في ما يتيقنون به، أو في ما يظنون، {إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ} فهم ينطلقون من عقدة استكبارٍ تمنعهم من الخضوع للحق الذي يهدد امتيازاتهم الطبقية، أو طموحاتهم الذاتية، أو من اتّباع الرسول الذي لا يحتل موقعاً متقدماً على المستوى المالي أو الاجتماعي في السلَّم الطبقي للمجتمع، وبذلك كان هدف جدالهم الوصول إلى تعقيد الموقف منه، وإثارة الشكوك حوله لإبعاد الناس عنه، بوسائل تخاطب انفعالات الناس وعاطفتهم، ولإسقاطه في ساحة الصراع.. كما يفعل كثير من المترفين المتكبرين المتجبرين عندما يثيرون المعارك الكلامية أمام دعوات التغيير والإِصلاح، ليشغلوا الدعاة إليها بالقضايا الجانبية التي تبتعد بالموقف عن القضايا الأصليّة، ولكن الله يؤكد أنهم لن يصلوا إلى ما يريدون، لأن الكبر ليس حالة فكرٍ، بل هو حالة انفعالٍ لا تلبث أن تتبخر أمام الحقيقة الحاسمة التي تفرض نفسها بالأدلّة القاطعة الواضحة، وهكذا يتحركون في نهجٍ استكباريٍّ نحو هدفٍ {مَّا هُم بِبَالِغِيهِ} فإن الله يُبطل كل كيدهم ومكرهم، ويوجّه النبي إلى الاستعاذة بالله من كل ذلك. {فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} الذي يسمع ما يتحدثون به من نجاوى الشرّ، ويبصر حركة تنفيذ مخططاتهم العدوانية.

* * *

خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس

{لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ} فالناس يمثلون إحدى ظواهر هذا الكون الكبير، المتمثل بالسماوات التي تضمّ ملايين الكواكب وملايين الظواهر داخل كل كوكبٍ في ما يعجز الفكر عن الوصول إليه فضلاً عن أسراره، والمتمثل بالأرض التي تضمّ مختلف الظواهر في طبيعتها وفي القوى المودعة في أعماقها، وفي الموجودات المتحركة في داخلها، مما لا يدركه العقل ولا يستوعبه الحسّ، فلا يصل إلا إلى القليل منه.. فإذا كان الله قد خلق السماوات والأرض، فهل يعجزه خلق الإنسان من جديد، وإعادته إلى الحياة بعد الموت، إنها الحقيقة التي يهتدي إليها الناس بتفكيرهم المستقيم الذي يقودهم إلى الإيمان، {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} لأنهم لا يريدون الأخذ بأسباب العلم ليدركوا الحقيقة من خلال ذلك.

* * *

لا سواء بين الإيمان والكفر

{وَمَا يَسْتَوِي الأعمَى وَالْبَصِيرُ} لأن العمى يمثل انغلاق الحسّ عن الحياة من حوله، بينما يمثل البصر انفتاح الحسّ على المرئيات كلها، وإذا كنا نعرف أن العمى في الحسّ قد يوحي بالعمى في العقل، كما أن البصر الحسيّ يوحي بالبصر المعنوي.. فإن من الممكن أن نحرك هذين النموذجين في الإنسان المنفتح بالعلم على الواقع والفكر، في مقابل الإنسان المنغلق بالجهل عن حقائق الحياة وأسرار الإيمان، لنعرف بالبداهة أنهما لا يستويان.

{وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ} الذين يمثلون عنصر الخير والصلاح والتقوى، الذي يبني للحياة قوّتها، وللإِنسان روحيته وفاعليته في حركة الحقيقة، {وَلاَ الْمُسِيءُ} الذي يسيء إلى نفسه بالكفر والمعصية، وإلى الحياة بالانحراف والضلال، وإلى الناس من حوله بالتعقيد والظلم والطغيان. {قَلِيلاً مَّا تَتَذَكَّرُونَ}َ عندما لا تفرّقون بين هؤلاء لأنكم غارقون في انجذابكم إلى ظواهر الأشياء، ما يجعلكم غافلين عن بواطنها وحقائقها، ولكن هذه الغفلة لن تستمر أمام المصير الحاسم الذي تتكشف فيه كل غوامض الأمور. {إِنَّ السَّاعَةَ لآتيةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا} وسيقف الجميع غداً في ساحاتها أمام الله الواحد، {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ} لأنهم لا يريدون أن يفكروا بالقضايا في خط اليقين.

* * *

ادعوني أستجب لكم

{وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} فالدعاء يمثل في عمقه عبادة، ويتضمن في معناه خضوعاً وشعوراً بالفقر المطلق والحاجة الكبيرة إلى الله، ما يجعل الداعي مشدوداً إلى الله بالحب والإيمان والإخلاص من موقع الطهارة الروحية والانفتاح الفعلي على الله، ولهذا كانت الاستجابة أمراً طبيعياً في ما يرحم الله به عباده، وفي ما يتقبله من عبادتهم الخالصة الخاشعة، وهذا هو الخط المستمر الذي يصل الله بعباده ويؤكد وعي الإنسان معنى ألوهية الله وعلاقتها بعبوديته، في إحساسٍ بالفقر المطلق، أمام الغنى المطلق، حيث يرتبط العبد بربه من خلال ارتباط وجوده وكل حاجاته به. وبذلك يؤمّن الله للعباد حاجاتهم من خلال ما يقدّره لهم في تكوين الوجود، ومن خلال الدعاء في ما قدّره لهم في إرادته.

.. وإذا كان الدعاء هو مظهر العبادة، فإن الذين يمتنعون عنه يمثلون النموذج الذي يستكبر عن عبادة الله، وقد حدثنا الله عما ينتظرهم {إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنّم داخرين} أذلّة، لأن الاستكبار لا بد من أن يقابله الإذلال والسقوط والاحتقار.

الله الخالق المنعم

{الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه} في تخطيطه العملي لحركة الإنسان في الوجود، حيث يحتاج إلى السكينة التي تريح الأعصاب، والهدوء الذي تسكن معه المشاعر وترتاح فيه الأفكار، مما يتناسب مع أجواء الظلام التي تثير في الجسد النعاس والخدر والسكون {والنهار مبصراً} حيث يفتح به عيون الناس على كل حاجاتهم من خلال النور الذي تتفاعل فيه الشمس مع البصر ليستطيعوا الحصول على ما يريدون في معاشهم، {إن الله لذو فضلٍ على الناس} في ما أنعم الله به عليهم من مفردات الوجود ومن طبيعة الحركة في داخلها، ما يوحي للناس بالشكر لله على هذه النعم {ولكن أكثر الناس لا يشكرون} لأنهم فقدوا الإحساس بالنعم النحيطة بهم، لاعتيادهم على لك الأشياء التي تحرّكت في الكون منذ أن تحركت الحياة فيه.

{ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} فلا شريك في خلقه، لأن كل من عداه هو مخلوقٌ له {لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} فلا يستحق العبادة غيره {فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} أي كيف تنصرفون عن طاعته إلى طاعة غيره، وعن عبادته إلى عبادة سواه؟!

{كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُواْ بِآياتِ اللَّهِ يَجحدون} لأن غفلتهم عن الله المتمثلة في جحودهم وعدم إيمانهم يدفعهم إلى الاستغراق في مخلوقاته بدلاً منه، والانصراف عنه إلى غيره.