تفسير القرآن
غافر / من الآية 56 إلى الآية 63

الآيات 56-63
 

الآيــات

{اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَاراً وَالسَّمَآءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِّنَ الطَّيِّباتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ* هُوَ الْحَيُّ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ* قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءنِي الْبَيِّنَاتُ مِن رَّبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ* هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتبْلُغُواْ أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُواْ شُيُوخاً وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّى مِن قَبْلُ وَلِتَبْلُغُواْ أَجَلاً مُّسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ* هُوَ الَّذِي يُحْييِ وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فيَكُونُ} (64ـ68).

* * *

معاني المفردات

{قَرَاراً}: مستقراً.

{فَتَبَارَكَ}: تقدس وتعالى.

{عَلَقَةٍ}: العلقة: قطعة من الدم.

* * *

عقيدة الوحدانية في القرآن

حديث القرآن عن الله، حديثٌ متنوّعٌ في أسلوبه ومفرداته، غايته جعل العقيدة في وعي الإنسان متنوعةً على الكون الممتدّ الذي يستوعب قضاياه في حاجاته الوجوديّة، وفي حركته الروحية، لئلا تبقى معادلةً تجريديّةً في الفكر، بل تصبح إلى جانب ذلك، حركةً منفتحةً على الحياة، تتحرك مع الإنسان فتتحرك معها كل آفاق الحياة المحيطة به، والمتصلة بوجوده، وتغدو طعامه وشرابه الذي يتناوله في كل يوم، من خلال ما يعيشه في كل لحظةٍ.. وبذلك تكون علاقة الإنسان بالله جزءاً من تكوينه الذاتي الذي لا ينفصل عنه، في أي من الأوضاع الطارئة في حياته.

{اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ قَرَاراً} تستقرون فيه ويؤمن استقرار حياتكم بطريقةٍ مريحةٍ متوازنةٍ، {وَالسَّمَآءَ بِنَاءً} تستظلون فيه {وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ} في ما يوحي به ذلك من جمال المنظر، ودقّة الأجهزة، وتنوّع المهمات التي تؤديها، ما يجعل الإنسان عنصراً فاعلاً قادراً على إدارة شؤون الكون كله في النطاق الذي أعدّه الله له.

{وَرَزَقَكُمْ مِّنَ الطَّيِّبَاتِ} التي تستلذونها وتستمتعون بها، وتستطيبونها، وتحصلون على القوّة الجسدية التي تؤمن استمرار حياتكم. {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ} الذي يربّيكم ويدبر أموركم، ويحيطكم برعايته، ويتعهدكم باللطف والرحمة والخير العميم، {فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} وتقدّس وتعالى في ربوبيته المطلقة التي تشمل العوالم كلها بالرعآية والتدبير، في نظام الوجود وحركته، {هُوَ الْحَيُّ} الذي لا يقترب الموت منه، مما يعطي الحياة معنىً مطلقاً في ذاته لم يسبقه عدمٌ ولا يقترب منه العدم {لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} وحده المستحق للعبادة، من خلال المضمون الإلهيّ المتمثل في ذاته في علِّيَّته للوجود كلّه، وفي هيمنته على الأمر كله، وفي تدبيره للحياة كلها، فكيف يتوجه الناس إلى غيره في حاجاتهم وفي قضاياهم ومشاكلهم.. وكل ما سواه محتاجٌ إليه في تدبير حاجاته وفي حل قضاياه ومشاكله، كما هم مشدودون إليه {فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} ليكون الاتجاه إليه ـ وحده ـ بالدعاء الذي هو مظهر الشعور بالحاجة والإحساس بالانتماء إليه وإلى نهجه في الفكر والحركة والحياة، والإِخلاص له في ذلك كله. وهو معنى العبادة الخالصة.

{الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} وهي الكلمة التي تعبر عن الجوّ الروحي الذي يعيشه المؤمن في تطلّعه إلى قدرة الله وتدبيره ولطفه ورحمته، وكل صفاته، فلا يملك إلا أن يذكره بالحمد المطلق الذي يستوعب كل مفردات الحمد، ويتصوره في ربوبيته المطلقة التي تشمل العالمين جميعاً من موقع خلقها لهم جميعاً.

* * *

إسلام الأمور لربِّ العالمين

{قُلْ إِنِّ نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَآءَني الْبَيِّنَاتُ مِن رَّبِّي} قلها لهم بكل وضوحٍ وصراحةٍ، لتكون الكلمة الحاسمة، فقد أنزل الله عليَّ البراهين اليقينيَّة الواضحة التي تضع كل هذه الآلهة المزعومة في موقعها الطبيعي من حيث هي مخلوقةٌ لله بمادتها وصورتها، أو مخلوقةٌ له بمادتها ومصنوعةٌ للناس بصورتها، فلا تملك أيّ معنى من معاني الألوهية، ولا تتضمّن أيّ سرٍّ من أسرار القدرة، فلا يمكن أن أعبدها، لأن العقل نهى عن ذلك، كما أن الله الذي أكّد ألوهيته بهدايته لي ينهاني عن عبادة هؤلاء.

{وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} في إسلام العقل والروح والجسد، فلا فكر لي أمام وحيه، ولا كلمة لي أمام إرادته، ولا انتماء لي وراء الانتماء إليه، فله كل شيء من كل كياني، وليس لي عليه أيّ شيء.

***

تجلي القدرة الإلهية في رحلة الخلق

{هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُواْ شُيُوخاً} هذه الرحلة المتحركة المتطورة للحياة الكامنة في التراب في خلق آدم، أو في موقع القابلية الوجودية الحيّة المودعة في حبّاته التي تتحول إلى نباتٍ فغذاءٍ فنطفةٍ تختزن الحياة في ذراتها ثم تنمو في العلقة.. ثم تمرّ في تطوّرٍ حي.. لتتحول إلى طفلٍ يتكامل في الرحم ثم يخرج إلى الحياة لتستمر عملية النموّ التي تصل إلى قوّة الشباب وريعانه، ثم تبدأ في التنازل لتصل إلى مرحلة الشيخوخة بما تمثله من ضعف في كل طاقات الجسد.

{وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّى مِن قَبْلُ} أي قبل أن يكمل هذه المراحل {وَلِتَبْلُغُواْ أَجَلاً مُّسَمًّى} وهو الأمد المحدد الذي قدّره الله وجعله حتميّاً لنهاية كل الناس.

{وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} فتدركون، بالعقل، حقائق الأشياء وتتحركون، من خلال ذلك، في الاتجاه الصحيح الذي ينفتح على الله وعلى رسله.

* * *

إرادة الإله المطلقة..

{هُوَ الَّذِي يُحْييِ وَيُمِيتُ} فهو الذي يخلق أسباب الحياة التي حركت الكون كله، وهو الذي أودع في الحيّ سرّ الموت، وجعل عمقه الداخلي محكوماً لعوامل الموت في كل أجهزة الجسم الحيّ..

{فَإِذَا قَضَى أَمْراً} وأراده وحتمه، فإنه لا يحتاج إلى أيّ جهدٍ أو عناء لإيجاده، بل تكفي إرادته لتحقيق وجوده.

{فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فيَكُونُ} وهي الكلمة التي تعني الحسم. وتفرض الوجود.