تفسير القرآن
غافر / من الآية 69 إلى الآية 78

 من الآية 69 الى الآية 78

الآيــات

{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ* الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ* إِذِ الأغلالُ فِي أَعْناقِهِمْ والسّلاسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ* ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ* مِن دُونِ اللَّهِ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا بَل لَّمْ نَكُنْ نَّدْعُواْ مِن قَبْلُ شَيْئاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ* ذَلِكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ ادْخُلُواْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ* فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ* وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآية إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَآءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ} (69ـ78).

* * *

معاني المفردات

{يُسْحَبُونَ}: يجرون.

{الْحَمِيمِ}: الماء الحار.

{يُسْجَرُونَ}: يحرقون.

{تَمْرَحُونَ}: المرح؛ شدة الفرح والتوسع به.

* * *

المجادلون بغير الحق واللعب على المشاعر

.. ويعود الحديث إلى المجادلين في آيات الله، المتعنِّتين في كلامهم، الجامدين في عقولهم، المتمرّدين في مواقفهم، المنحرفين في طريقهم، لأن مشكلتهم هي أنهم يقفون حاجزاً بين الرسالة وبين الناس الآخرين، فيكذبونها من دون حق، ويدفعون الآخرين إلى التكذيب بها من دون أساس، باعتماد أساليب الترغيب والترهيب، واللعب على المشاعر، والالتفاف على العواطف والغرائز، وينطلق الحديث عن الأجيال الماضية التي عاشت انحراف هؤلاء وشاركتهم فيه، وعن الأنبياء الماضين الذين عاشوا هذه الصدمة في حركة رسالتهم، وعن النبي محمد(ص) وما كان يعيشه من ذلك، وكيف أراد الله للرسل جميعاً، وللرسول بالخصوص، أن يصبروا، وينتظروا النصر في نهايات الأمور، إذا هاجمتهم المشاكل في بداياتها، وعن مصير هؤلاء في الآخرة في جهنم حيث يذوقون العذاب والذلّ والاحتقار.

{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ} فيخوضون الأحاديث الخالية من مضمونٍ فكريٍّ، والتي تنكر التوحيد والبعث وكثيراً من حقائق الشريعة والإيمان بغير علم، {أَنَّى يُصْرَفُونَ} عن الحق، ويبتعدون عن دلائله وبراهينه، فلا يدرسونها من موقع الفكر الباحث عن الحقيقة، بل يتحركون فيها من موقع الجدل العقيم الباحث عن أسس المكابرة.

{الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِالْكِتَابِ} الذي أنزلناه عليك ليكون هدىً للناس، ونوراً للحقيقة، {وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا} من الكتب المنزلة الماضية، كالتوراة والإِنجيل، {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} عندما يقفون بين يدي الله، ويواجهون الحقيقة الحاسمة، أمام المصير المحتوم، {إِذِ الأغلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ} في ما يمثله ذلك من ذلّ وألمٍ لهؤلاء المترفين المستكبرين، {والسَّلاسلُ} الممتدة {يُسْحَبُونَ} بواسطتها {فِي الْحَمِيمِ} الذي يغلي ويغلي فيشربه أهل النار ويحرق داخلهم، {ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ} فيكونون وقوداً للنار يحترقون بها.. وهكذا يواجهون السقوط والإِذلال والاحتراق من دون ناصرٍ ينصرهم أو مخلِّص يخلّصهم. ثم ينطلق السؤال الذي يفرض نفسه في موقف تعريةٍ لنهجهم كله.

* * *

أين شركاؤكم من دون الله

{ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ مِن دُونِ اللَّهِ} ليأتوا إليكم ولينصروكم من الله إن كانوا في مواقع الآلهة، كما كنتم تزعمون؟ فمن الطبيعي أن تنصر الآلهة عبَّادها، إذا كانت تملك قوّةً مستقلّةً، أو تشفع لها إذا كانت تملك موقعاً مميزاً يسمح لها بالشفاعة عند الله.

{قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا} فقد ضاعت آثارهم، فلا نراهم أمامنا، {بَل لَّمْ نَكُنْ نَّدْعُواْ مِن قَبْلُ شَيْئاً} فقد تبخّروا وتحوّلوا إلى لا شيء، لقد كانوا أوهاماً تسيطر على أفكارنا، لا حقيقةً متجذرة في عقولنا، فليس لهم الآن أيّ وجودٍ في الواقع.

{كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ} في ما ينتهي إليه أمرهم الذي اختاروه، مما يفرض ضلالهم، نتيجة العلاقة التكوينية بين الأسباب والمسبّبات، وعلاقة المواقف بالنتائج، فإن الابتعاد عن حركة العقل في العقيدة، والاستسلام للجهل، يفرضان ضياع الموقف وخطّ السير.

* * *

فرحهم بالباطل

{ذَلِكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ} فقد كنتم مستغرقين في الأجواء التي تسجنكم في داخل الغفلة، فتبعدكم عن الإحساس بالواقع، وتدخلكم في أوهام الفرح اللاّهي الذي يوهمكم أن الأرض مهتزةٌ بالأنغام والألحان المثيرة للسرور والبهجة، نتيجة مواقفكم التي توحي إليكم بالانتصار والغلبة والسلطة المطلقة، في ما يخدع به بعضكم بعضاً، من كلمات المدح والثناء، ومواقف الاستكبار والاستعلاء..

وهذه هي مشكلتكم ومشكلة كثير من الناس الذين غلب الشيطان على عقولهم وزيّن لهم سوء أعمالهم، وحرّك في داخلهم الأوهام، ففرحوا بالباطل الذي أعطوه عنوان الحق، واستسلموا لفرح الدنيا، ونسوا فرح الآخرة، بينما كان باستطاعتهم في ساحة الرسالة الحصول على الفرح كله في عمق الفكرة، وامتداد الحقيقة، ولذائذ الروح، فإن الله لم يمنع الإنسان من الفرح، ولكنه أراد منه أن يبحث عنه في نهايات الأمور لا في بداياتها، وفي عمق المواقف لا في ظواهرها، وأن يعيشه من خلال عمل الخير وروح الصلاح وانفتاح العقل والقلب على الله.

وقد جاء في مجمع البيان، «قيّد الفرح وأطلق المرح، لأن الفرح قد يكون بحق فيحمد عليه وقد يكون بالباطل فيذم عليه، والمرح لا يكون إلاّ باطلا»[1].

* * *

بئس مثوى المتكبرين

{ادْخُلُواْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ} الذين يحسبون أن استكبارهم، في ما يختزنونه من مشاعر داخل نفوسهم، وما يتحركون فيه من مظاهر أمام الناس، يمكن أن يمنحهم حجماً حقيقيّاً في مستوى ما يريدونه، أو ما يعاملهم الناس به، فيحقق لهم امتيازات تتيح لهم النجاة في الآخرة، والسعادة في الحياة.. ولكنهم كانوا يعيشون في وهم كبير، وغفلة مطبقة، ذلك أن حجمهم الاجتماعي الفخم لم يكن ناشئاً من ضخامةٍ حقيقيةٍ في الذات، بل من انتفاخٍ طارىءٍ فيها مصدره وهم العظمة الذاتية، وضعف الآخرين من حولهم. لذا فإنهم يرجعون في الدار الآخرة إلى حجمهم الطبيعي الذي يساوي أعمالهم، حيث تصبح الأعمال عنوان المصير وحركته ونتائجه، ليشعروا بأنهم كانوا صغاراً في حياتهم، لأنهم ارتبطوا بالأشياء الصغيرة في اهتماماتهم ومشاريعهم وعلاقاتهم، وعاشوا عزة الظلم ولم يعيشوا عزة العدل، وتحركوا مع قوّة الباطل التي لا تحمل في داخلها شيئاً، وتركوا قوة الحق التي تحمل في مضمونها كل شيء.. وهذه هي العاقبة السيّئة التي ينتهي إليها استكبارهم العدواني على الضعفاء من عباد الله.

* * *

مواجهة الكفر والعصيان بالصبر

{فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ} فإن الموقف الرساليّ يفرض المعاناة الروحية والجسدية، وتحمّل الكثير من المشاكل والآلام، ولكنها معاناة تتصل ببدايات الحركة، ولا تبقى إلى نهاياتها، لذا فإن الصبر، وهو مظهر قوّة وعنوان صمود، سوف يؤكد المفاهيم الإيمانية في وعي المؤمنين والكافرين، لأن الشكوك تعمّق الفكرة في قلق المعرفة، تماماً كما تعمّقها حالة اليقين، ولأن علامات الاستفهام التي تبحث عن جواب، سوف تصل إلى الإيمان على المدى الطويل.

.. وإذا كان هؤلاء يستمرون في تمرّدهم فإنهم سيلاقون الله، ليلقوا جزاء أعمالهم في الآخرة إذا لم يلاقوا الجزاء في الدنيا.

{فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ} من بلاء الدنيا وعذابها، { أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} بالموت فلم تبصر ذلك في حياتك، {فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} ليواجهوا النتائج القاسية لما هم فيه من كفر وعصيان.

وتلك هي القضية التي لا بد أن يعيها العاملون الرساليون في حركتهم الرسالية إزاء ما يواجهونه من حالات التمرّد والجحود والكفران.. وما يعيشونه من ضغوطٍ صعبة، وتحدياتٍ شديدة، ذلك أن التغيير يحتاج إلى الكثير من الجهد والألم والتضحية والمعاناة.

* * *

الرسل وخط الرسالات

{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ} في حديث الأنبياء الذين عاشوا في وعي الناس، وتعمّقوا في حياتهم، وكان لهم تأثير كبيرٌ في حركة التاريخ من أصحاب الرسالات الكبيرة والصغيرة، فانظر إلى تجربتهم الحيّة ومعناها الرسالي، وتابع خط السير الذي تحركوا فيه، وادرس النتائج الإيجابية التي حصلوا عليها وحصلت عليها الرسالة من خلالهم.

{وَمِنْهُمْ مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ} من أولئك الذين أرسلهم الله إلى أممٍ لم تصلنا أخبارها، أو لم تكن في مستوى حضاري يصل بها إلى بلاد الحضارات، ولكنهم ـ بالرغم من ذلك ـ يلتقون معك، ومع سائر الأنبياء، بالفكر التوحيدي، والنهج العادل، والخط المستقيم، والدعوة للتقوى التي فيها صلاح أمر الإنسان والحياة من حوله، في كل مجالاتها العامة والخاصة، كما يلتقون معك، في ما تلقاه من معاناةٍ في سبيل الرسالة، التي هي حركةٌ في مواجهة التيار الكافر والضال، في مجتمع الكافرين والضالين، وكما جئت بالمعجزة بأمر الله، وتحركت بإذنه، فإنهم جاءوا بالآيات بأمر الله وتحركوا بإذنه.

{وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآية إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ} لأنه لا يملك القدرة الذاتية على تغيير المألوف من أسباب الأشياء، لما تمثله المعجزة من خرقً للعادة، بل يملكون قدرةً محدودة طارئةً محكومةً لمقتضيات الحكمة الإلهية التي يحدد الله على أساسها المصلحة في إيجادها فينزلها بحسابٍ، ويمنعها بحساب.

{فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ} بالعذاب {قُضِيَ بِالْحَقِّ} في ما يفرضه من نتائج سلبيةٍ على مصير الكافرين، ونتائج إيجابيةٍ على مصير المؤمنين، {وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ} لأن الباطل لا ينتهي إلا إلى الضياع والعذاب الدائم.

ـــــــــــــــــ

(1) الطبرسي، أبو علي، الفضل بن الحسن، مجمع البيان في تفسير القرآن، دار المعرفة، بيروت ـ لبنان، ط:1، 1406هـ ـ 1986م، ج:8، ص:828.