من الآية 79 الى الآية 85
الآيــات
{اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأنْعَامَ لِتَرْكَبُواْ مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ* وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُواْ عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ* وَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَأَيَّ آياتِ اللَّهِ تُنكِرُونَ* أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُواْ أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَاراً فِي الأَرْضِ فَمَآ أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ* فَلَمَّا جَآءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُمْ مِّنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئونَ* فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُواْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ* فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكافِرُونَ} (79ـ85).
* * *
معاني المفردات
{الْفُلْكِ}: السفن.
{وَحَاقَ بِهِم}: نزل بهم.
* * *
آيات الله وأفضاله على خلقه
وتنتهي السورة بهذا الفصل الذي يوجه مجتمع الدعوة، وغيره من المجتمعات، إلى ما أنعم الله به على الناس من الأنعام التي يستفيدون منها للأكل والشرب والركوب ونحو ذلك، ومن السفن التي يسَّر الله لهم استعمالها في البحر ليركبوا فيها، وهو أمر يدفعهم إلى التأمُّل في تلك النعم، كما يثير فيهم التفكير في آيات الله، ويقودهم إلى متابعة تجارب الأمم التي سبقتهم ممن ساروا في مسيرتهم، ليكون هذا الحديث كله، منطلق يقظةٍ، ودعوة تفكير، وحركة فكرٍ يريد أن يبلغ الهدى من أقرب طريق.
{اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأنعامَ} من الإبل والبقر والغنم، {لِتَرْكَبُواْ مِنْهَا} و«من» هنا للتبعيض، أي لتركبوا بعضها مما يستعمل للركوب {وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} حيث تنتفعون من لحمها، {وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ} بما تنتفعون من ألبانها وأصوافها وأوبارها وأشعارها وجلودها، {وَلِتَبْلُغُواْ عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ} من أغراض التنقل من مكان إلى آخر ونحوه، {وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ} في ما أعدّه الله لكم من وسائل ركوب البحر، حسب القوانين التي أودعها فيه وفي حركة السفن فيه.
{وَيُرِيكُمْ آياتِهِ} في السماء والأرض، مما يفرض نفسه على العقل في دلالته على توحيد الله وعظمته، {فَأَيَّ آياِت اللَّهِ تُنكِرُونَ} وهي ماثلةٌ أمامكم عِياناً، فكيف تنكرون الله الذي تدل عليه.
* * *
هزء الكفار يرتد عليهم
{أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُواْ أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً} إذ كانوا يشعرون بأن قوّتهم تؤكد ذواتهم، وتبرّر لهم تمرّدهم وعصيانهم، أو تجعلهم يشعرون بالأمن في كل ما يقومون به من أعمال سيئة، أو يقومون به من مشاريع ظالمةٍ في حق أنفسهم وفي حق الآخرين.
{وآثَاراً فِي الأرْضِ} في ما عمّروا من قصور، وشيّدوا من قلاع، وخلّفوا من علم، وأحرزوا من فتوحات، وحقّقوا من أرباح وانتصارات، وغير ذلك من الآثار التي يتركها الإنسان لمن بعده أو يقوم بها في حياته كدلالةٍ على عظمته وقوّته، إذ كانوا يفكرون بأن تحقيق كل تلك الإنجازات يمنحهم الامتياز الكبير الذي يعطيهم الدرجة الرفيعة عند الناس، أو المستوى الكبير في الحياة، بما يبرر لهم الشعور بالكبرياء والجبروت،{فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} من ذلك كله.
{فَلَمَّا جَآءَتهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ} رفضوا الرسالة ولم ينفتحوا على البينات، وواجهوا الدعوة بطريقةٍ غير مسؤولةٍ، واستخدموا أساليب السخرية والاستهزاء.. واستسلموا للجوّ الفرح اللاّهي العابث.
{فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُمْ مِّنَ الْعِلْمِ} الذي اكتسبوه من تجاربهم، ومن الخبرة العملية التي أوجدت لديهم انتفاخاً ذاتياً في الشخصية، بحيث ابتعدوا عن الموضوعية في تقويم الأمور ومحاكمة الأفكار في جوٍّ من الطغيان العلمي، فإن للعلم طغاته، ويتجلى في ما يتبناه هؤلاء من نظرةٍ فوقيةٍ إلى الآخرين، بحيث لا يعترفون لغيرهم بأي موقعٍ علميّ، بل يواجهونه بالهزء والسخرية، فكان جزاؤهم على ذلك الأسلوب الساخر بالرسالة، وبالإِنذار لعذاب الله وبالمعاد، أن حمّلهم الله مسؤولية ذلك، {وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئونَ} من عذاب الله في الدنيا.
* * *
مصير منكري آيـات الله
{فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا} المتمثل بالعذاب الذي حلّ بهم، {قَالُواْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} فقد وضحت لنا الحقيقة الإيمانية بكل قوّتها، بعد أن شاهدنا العذاب الدال على غيب الله في الكون.
{فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا} لأن المهلة قد انتهت بنزول العذاب، ولأن الله يريد لهم أن يختاروا الإيمان من موقع القناعة المستندة إلى أسس الحقيقة، لا إلى الضغط النفسي الناتج عن العذاب.
{سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ} مما أجراه الله في تقديره وتخطيطه في مسألة حدود التوبة، أن لا تقبل التوبة بعد نزول العذاب، {وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ} لأنهم لم يتعلقوا من رحمة الله بشيء ولا خسارة أعظم وأشد من خسارة الإنسان لرحمة الله سبحانه.
تفسير القرآن