تفسير القرآن
الشورى / من الآية 1 إلى الآية 6

 من الآية 1 الى الآية 6

الآيــات

{حم* عسق* كَذَلِكَ يُوحِى إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ* لَهُ مَا فِي السَّمواتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ العَظِيمُ* تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الأَرْضِ أَلاَ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ* وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ} (1ـ6).

* * *

معاني المفردات

{يَتَفَطَّرْنَ}: التفطر: التشقّق.

* * *

الحروف المقطعة

{حم* عسق} من الحروف المقطّعة التي تقدم الحديث عنها في أوائل سورة البقرة.. ونضيف هنا إلى الاحتمالات المذكورة احتمالاً آخر، وهو ما ذكره في تفسير الميزان، قال: «والذي لا ينبغي أن يغفل عنه أن هذه الحروف تكررت في سور شتّى وهي تسع وعشرون سورة افتتح بعضها بحرفٍ واحد وهي: «ص» و «ق»، و «ن»، وبعضها بحرفين وهي: سورة طه، وطس، ويس، وحم، وبعضها بثلاثة أحرف كما في سورتي «الم»، و «الر»، و«طسم»، وبعضها بأربعة أحرف، كما في سورتي «المص»، و «المر»، وبعضها بخمسة أحرف، كما في سورتي «كهيعص» و«حمعسق».

وتختلف هذه الحروف أيضاً من حيث إن بعضها لم يقع إلا في موضع واحد مثل «ن»، وبعضها واقعةٌ في مفتتح عدة من السور مثل «الم»، و «الر»، و «طس»، و «حم».

ثم إنّك إن تدبرت بعض التدبر في هذه السور التي تشترك في الحروف المفتتح بها مثل الميمات والراءات والطواسين والحواميم، وجدت في السور المشتركة في الحروف من تشابه المضامين وتناسب السياقات ما ليس بينها وبين غيرها من السور.

ويؤكد ذلك ما في مفتتح أغلبها من تقارب الألفاظ كما في مفتتح الحواميم من قوله: {تَنـزيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} أو ما هو في معناه، وما في مفتتح الراءات من قوله:{تِلْكَ آياتُ الْكِتَابِ} أو ما هو في معناه، ونظير ذلك واقعٌ في مفتتح الطواسين، وما في مفتتح الميمات من نفي الريب عن الكتاب أو ما هو في معناه.

ويمكن أن يحدس من ذلك أن بين هذه الحروف المقطعة وبين مضامين السور المفتتحة بها ارتباطاً خاصاً، ويؤيّد ذلك ما نجد أن سورة الأعراف المصدرة بـ «المص» في مضمونها، كأنها جامعةٌ بين مضامين الميمات و«ص»، وكذا سورة الرعد المصدرة بـ«المر» في مضمونها كأنها جامعةٌ بين مضامين الميمات والراءات.

ويستفاد من ذلك أن هذه الحروف رموزٌ بين الله سبحانه وبين رسوله خفيةً عنا لا سبيل لأفهامنا العادية إليها إلا بمقدار أن نستشعر أن بينها وبين المضامين المودعة في السور ارتباطاً خاصاً.

ولعل المتدبر، لو تدبر في مشتركات هذه الحروف وقايس مضامين السور التي وقعت فيها بعضها إلى بعض، تبين له الأمر أزيد من ذلك.

ولعل هنا ما روته أهل السنة عن علي(ع) ـ على ما في المجمع ـ أن لكل كتاب صفوةً، وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي»[1].

ولعلنا نلاحظ أن هذا الوجه ـ مع طرافته ـ لم يستطع أن يعطي معنى لهذه الحروف، يدخل في التصور التفصيلي للذهن، كما أننا قد نجد مضامين السور المشتملة على بعض هذه الحروف المشتركة في سور أخرى لم تبدأ بهذه الحروف، أمّا الحديث عن الرمز الذي يختفي في داخل هذه الحروف، في ما يمثله من معنى بين الله وبين رسوله، مما لا تصل أفهامنا إليه، فقد لا نستطيع التسليم به، لأن القرآن ليس رسالةً خاصةً من الله إلى رسوله، ليشتمل على الرموز الخفية التي يفهمها المرسل إليه دون الناس، كما يحدث في الرسائل الخاصة، بل هو كتاب هدى للناس كافة، فلا بد من أن يكون الرمز الذي يشتمل عليه، مما يتصل مضمونه بجميع الناس. والله العالم.

* * *

الوحي الإلهي الغيبي للأنبياء البشر

{كَذَلِكَ يُوحِى إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} فالله هو المصدر الذي ينتهي الوحي إليه، سواء تعلق الأمر بك أو بالنبيين من قبلك.. فمن آمن بنزول الوحي بهذه الطريقة الغيبية، على الرسل السابقين، فلا بد من أن يؤمن بنزول الوحي عليك، لأن العمق الغيبيّ في الوحي واحد في الجميع. وبهذا تطال «كاف التشبيه» طبيعة الوحي، لا تفاصيله، كما ذهب إليه بعض المفسرين الذين قالوا: إن الآية تتحدث عن مضمون السورة التفصيلي الذي يتفق برأيهم مع المضامين التي أوحى الله بها إلى الأنبياء من قبله، ولكن الأقرب هو ما ذكرناه، لأن المسألة التي كانت محل بحث في ذلك الظرف، هي إمكانية الإيمان بنزول الوحي على نبيٍّ بشري، لأن الوحي الإلهي الغيـبي بنظرهم يتصل بالشخصيات الغيبية كالملائكة.

{لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} فهو المحيط بالكون كله، العالم بكلّ خفاياه، القويّ الذي لا يغلب، الحكيم الذي لا يعبث ولا يخطىء.

{وَهُوَ الْعَلِيُّ العَظِيمُ} الذي لا يدانيه أحدٌ في علوّه ولا يقاربه أحدٌ في عظمته، وفي ضوء هذا، فإن الله الذي يملك الأمر كله، ويشرف على كل دقائقه وتفاصيله، ويعرف كل خباياه وخفاياه، هو الذي يدير حياة الإنسان عبر الرسول والرسالة، وهو الذي يختار رسله من بين عباده، سواء كانوا من رجال الغيب أو من رجال الشهود، لأن الغيب والحس يختلفان بالنسبة للناس الذين يعيشون عالم الحس ولا يستطيعون النفاذ إلى عالم الغيب، أو الاتصال به ذاتياً، ولكن الله قادر على أن يربط الغيب بمواقع الشهود، فيصطفي رسله من الناس، ويمنحهم القدرة على الاتصال بالغيب المنفتح على الوحي، انطلاقاً من قوته وحكمته، وعلوّه وعظمته، وملكه للكون كله.

* * *

تفطّر السماوات والتسبيح لله

{تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ} من خشية الله والإِحساس بعظمته التي لا يستقيم أمامها شيء.. وقيل: إن المراد تفطرهما من شرك المشركين من أهل الأرض وقولهم: {اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً} [مريم:88] وقد قال الله تعالى فيه: {تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ} [مريم:90].

وقيل: إن «الذي يهدي إليه السياق ـ والكلام مسرود لبيان حقيقة الوحي وغايته وآثاره ـ أن يكون المراد من تفطّر السماوات من فوقهن تفطرها بسبب الوحي النازل من عند الله العلي العظيم، المارّ بهن سماءً سماءً حتى ينزل على الأرض، فإنَّ مبدأ الوحي هو الله سبحانه، والسماوات طرائق إلى الأرض، قال تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَآئِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ} [المؤمنون:17].

والوجه في تقييد {يَتَفَطَّرْنَ} بقوله: {مِن فَوْقِهِنَّ} ظاهر، فإن الوحي ينزل عليهن من فوقهن، من عند من له العلوّ المطلق والعظمة المطلقة، فلو تفطّرن كان ذلك من فوقهن.

على ما فيه من إعظام أمر الوحي وإعلائه، فإنه كلام العلي العظيم، فلكونه كلام ذي العظمة المطلقة، تكاد السموات يتفطرن بنزوله، ولكونه كلاماً نازلاً من عند ذي العلوّ المطلق يتفطرن من فوقهن لو تفطرن»[2].

ولكننا نلاحظ أن السياق جارٍ في الحديث عن جوانب عظمة الله، ويوحي بانفعال الكون بتلك العظمة، فهذه المخلوقات الكونية الضخمة التي توحي بالرفعة والعلو والعظمة لا تملك إلا أن تهتز أمام علوّه وعظمته، ما يجعل هذا الاحتمال أقرب إلى السياق، فإن الحديث عن الوحي لم يتحرك في التفاصيل، بل تحرك من خلال كونه دليلاً على الله وعلى الرابطة التي تربط عباده به، ولعل الفقرة التالية تؤكد ذلك، وهي قوله تعالى: {وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الأَرْضِ} فإن الحديث عن تسبيح الملائكة بحمد ربهم وتنزيههم إياه عما لا يليق بجلاله وكماله من صفات، يوحي بأن اتّجاه الحديث هو الله في مواقع عظمته، فكأن السموات تسبّح الله وتختزن الإحساس بعظمته في تسبيحها حتى تكاد تنفطر من خلال ذلك.. كما أن الملائكة يمارسون هذا التسبيح، ويطلّون على الأرض ليشاهدوا المخلوقات الحية العاقلة التي قد تخطىء في تصورها لله وتنحرف في طاعتها له، ولكنها تظل منفتحةً عليه في عمق المعرفة وروحية الإيمان، فيستغفرون لها ويطلبون من الله أن يغفر لها خطاياها، ويهيىء لها سبيل الهداية الذي يجعلها سائرةً في خط طاعته ورضاه.

وقد حاول صاحب الميزان أن يفسر سؤالهم الله الغفران لأهل الأرض، أن يحقق لهم سبب حصول المغفرة، «وهو سلوك سبيل العبودية بالاهتداء بهداية الله سبحانه، فسؤالهم المغفرة لهم مرجعه إلى سؤال أن يشرّع لهم ديناً يغفر لمن تديَّن به منهم، فالمعنى: والملائكة يسألون الله سبحانه أن يشرّع لمن في الأرض من طريق الوحي ديناً يدينون به فيغفر لهم بذلك»[3].

ويستشهد ـ على هذا القول ـ بتعلق الاستغفار بمن في الأرض بقوله: «إذ لا معنى لطلب المغفرة منهم لمطلق أهل الأرض حتى لمن قال: {اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا} [البقرة:116] وقد حكى الله تعالى عنهم: {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ}[غافر:7] الآية»[4]:

ونلاحظ على ذلك، أن الظاهر من الاستغفار معنى يتصل بالواقع العملي للإنسان بشكل مباشر، وما أخطأ فيه من التزام أوامر الله ونواهيه، لتكون المغفرة أساساً لإيجاد الجو الذي يقود الإنسان نحو الهداية، وذلك بإغلاقها ملف الماضي والابتداء بسلوك جديد.. أما الحديث عن اختصاص الاستغفار بالذين آمنوا، فهذا أمرٌ يستفاد من دليلٍ آخر، لا من الآية الكريمة، ولعل الآية المذكورة في سورة المؤمن تؤكد أن المراد بالاستغفار هو غفران الذنوب التي اقترفها المؤمنون التائبون، وذلك هو قوله تعالى: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَاتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ* رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتي وَعَدْتَّهُمْ وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَآئِهِمْ وَأَزْواَجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ*وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [غافر:7 ـ9].

وربما كانت الآية الأخيرة واضحةً في الدلالة على ما ذكرنا من طلب وقايتهم السيئات التي قاموا بها ثم تابوا منها، بوقايتهم من نتائجها السلبية في عذاب جهنم، والله العالم.

* * *

الله هو الغفور الرحيم

{أَلاَ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} الذي يستجيب للتائبين فيغفر لهم ويرحمهم برحمته في نعيم الآخرة، كما يغفر للمؤمنين الذين عاشوا روح الإيمان ولم يوفقوا للتوبة، ولكنهم كانوا يعيشون جوهر التوبة في روحيتهم التي لم تبتعد عن الله في العمق وإن ابتعدت عن بعض حدوده في الشكل، كما نلاحظه في بعض الناس الذين يريدون أن يتوبوا، ولكنهم يسوِّفون التوبة استعجالاً للأخذ بأسباب الشهوات، وهكذا كان الحديث عن الله العزيز الحكيم الذي له ملك السماوات والأرض العلي العظيم، ليتولى الناس الله وحده في حياتهم، باعتباره ـ وحده ـ صاحب الولاية على الكون، فهو المهيمن على الكون كله، وعلى الأمر كله.. ولكن هناك بعض الناس الذين لا ينفتحون على ولاية الله في أمورهم، بل يرتبطون بولاية بعض المخلوقين انشداداً إلى العظمة الطارئة التي يملكها هؤلاء من دون التفات إلى أن كل ما لديهم من الله الذي خلقهم وأعطاهم من نعمه كل ما يستعينون به على امتداد الحياة في وجودهم.. وقد أراد الله للرسول أن لا يتعقَّد من ذلك فيُذهب نفسه حسراتٍ عليهم، بل يترك أمرهم لله، لأن الله هو الذي يتولّى شؤونهم، لأن دور النبي ـ معهم ـ هو دور الداعية وليس دوره دور الوكيل عن الناس.

* * *

الله حفيظ على أعمال الكافرين

{وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِياءَ} فقد اتخذوا منهم شركاء لله، في الربوبية وفي العبادة والطاعة، لجأوا إليهم في كل حاجاتهم وأمورهم حتى خيّل إليهم أنهم يملكون الولاية والنصرة، بشكلٍ مستقلٍ، لمن ينتمي إليهم ويتولاهم.

{اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ} يحفظ أعمالهم ويحصيها، ويتولى نتائجها السلبية مع ما يؤاخذهم به من عذاب يوم القيامة، وليس للنبي شيءٌ من أمر ذلك.

{وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ} فلم يفوّض الله أمرهم إليك ولم يحمّلك مسؤولية الدعوة والهداية بالتذكير والإنذار والتبشير.

ــــــــــــــــــــ

(1) تفسير الميزان، ج:18، ص:8ـ9.

(2) تفسير الميزان، ج:18، ص:10.

(3) (م.س)، ج:18، ص:11.

(4) (م.ن)، ج:18، ص:11.