من الآية 7 الى الآية 12
الآيــات
{وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لاَ رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ* وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلكِن يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِّن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ* أَمِ اتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْييِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ* وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ* فَاطِرُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ الأَنْعَامِ أَزْوجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ* لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ} (7ـ12).
* * *
معاني المفردات
{أُنِيبُ}: أرجع.
{فَاطِرُ}: خالق ومبدع.
{يَذْرَؤُكُمْ}: يخلقكم.
{مَقَالِيدُ}: مفاتيح.
{وَيَقْدِرُ}: يضيّق.
* * *
عروبة القرآن ومهد الدعوة
{وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً} بلغته وأسلوبه {لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى} وهي مكة {وَمَنْ حَوْلَهَا} من أهل الجزيرة العربية، والغآية من عروبة القرآن، هي أن يفهم هؤلاء الدعوة لاستعمالها لغتهم التي يعرفونها ويملكون أسرارها وعناصر ثقافتها، ولعل التركيز على هذه المنطقة باعتبارها الساحة التي تنطلق فيها الدعوة وتتحرك منها الحركة الإسلامية.. لأن من الضروري لكل دعوة أن تكون لها نقطة انطلاق وقاعدة حركةٍ، وكان من الطبيعي للنبي العربي أن تكون قاعدته المنطقة العربية، وأن يجعل انتماؤه إلى قريش ومكة موقع دعوته الجغرافية مكة، والبشرية قريش. ولهذا قال الله له: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ} [الشعراء:214] فليس من المعقول أن يترك النبي أهله وعشيرته وبلده، ليتجه ـ في البداية ـ إلى إنذار قوم آخرين، لأن هؤلاء الناس سوف يسألونه لماذا لم تبادر إلى إنذار قومك ودعوتهم قبل أن تنذرنا، وقد يتساءلون عما إذا كانت هناك نقاط ضعفٍ في شخصيته، يعلمها قومه فيه، أو نقاط خللٍ في دعوته لا تخفى على قومه.. فهرب منهم إلى قومٍ آخرين.
ولهذا كانت الانطلاقة الأولى في مكة، لتكون قاعدة الدعوة، باعتبارها مركزاً يجتذب ما حوله من القرى، فهي عاصمة المنطقة من الناحية الدينية والتجارية والثقافية، ما يجعلها النقطة المركزية التي يلتقي فيها الجميع، ويتناقل أخبارها كل ما حولها نظراً للأهمية الكبرى التي يضفيها الموقع على تلك الأخبار. لذا فإن الصراع الذي دار بين النبي وبين قريش في مكة أحاط الدعوة بقدرٍ كبير من الاهتمام لاقته من شعب المنطقة، نظراً لملاحقة الناس لكل تفاصيل صراع الدعوة مع خصومها، ثم في الحروب التي أعقبت تلك المرحلة بين المسلمين وبين قريش..
* * *
عروبة القرآن وانتماؤه العام
نستطيع أن نفهم عروبة القرآن في لغته، وعروبة الدعوة في موقعها الجغرافي، وفي مواقعها الإنسانية، من خلال عروبة النبي(ص) التي قضت حكمة الله إرساله من هذه الأمة، وإليها، فقد اقتضت حكمة الله أن تكون هذه الأمة بالذات قاعدة انطلاق الدعوة في فهمها للرسالة، بلغتها، التي نزل القرآن بها، وفي وعيها لروحيتها والتزامها بها، وحملها الدعوة إليها، وانتمائها الرسالي إليها الذي جعلها تنفتح إنسانياً على الساحة العالمية التي تتحرك فيها الرسالة كدعوةٍ للاهتداء بهدى الله في قرآنه وشريعته.
ولكن ذلك ـ مهما بلغ من الأهمية ـ لا يتضمن إقراراً بالتفوق العربي، أو أن الحاكم المسلم يجب أن يكون عربياً، أو الوصول إلى درجة التطرف التي وصل إليها البعض، وهي القول إن الإسلام دينٌ عربيٌ، بالمعنى الفكري والروحي للكلمة.
فقد استطاع الإسلام من خلال القرآن والسنّة أن يعرّب المسلمين من غير العرب الذين أَخَذوا بأسباب الثقافة العربية، حتى تفوّقوا على كثيرٍ من العرب في ذلك، كما أن الإسلام استطاع أن يعطي العرب البعد الإنساني الذي يحمله في مضمونه الفكري والروحي، بحيث جعل العروبة خصوصيةً إنسانيةً تتفاعل مع الخصوصيات الإنسانية الأخرى في الدائرة الإسلامية، لتكون معنًى في الإنسان لا معنًى في القومية الضيّقة.. ومن خلال ذلك، نشعر بالحاجة إلى أن يعيش العرب الإسلام كرسالةٍ عالميةٍ تتغذى من طاقة الوعي المنفتح على كل أسرار اللغة، لتنفتح على كل أسرار الشريعة والمنهج والخطوط الفكرية في الإسلام، وليعطوا الإسلام من جهدهم في الحاضر والمستقبل كما أعطوه في الماضي، وليكون العنصر الأساس في شخصيتهم الإنسانية، ليمتدوا به إلى العالم بدلاً من أن يحبسوه في دائرتهم الخاصة أو يهربوا منه إلى دائرةٍ أخرى لا يشكل الإسلام عنصراً أصيلاً فيها.
{وَتُنذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لاَ رَيْبَ فِيهِ} فتعرِّفهم يوم القيامة، وتحدثهم عن النتائج الحاسمة التي تتوزع بين النتائج الإيجابية والسلبية التي تشكل ثمرة أعمال الناس: {فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ} وهم المؤمنون المتّقون الذين أخلصوا لله الإيمان والطاعة، {وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ} وهم الكافرون المتمردون الذين أنكروا الله، أو أنكروا توحيده، أو تمردوا على طاعته وكذبوا رسله.
* * *
لو شاء الله لجعلهم أمة واحدة
{وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} وذلك بأن يجعل الهداية جزءاً من التكوين الذاتي لشخصيتهم، فيبدعها فيهم كما أبدع أعضاءهم، وهو القادر على ذلك، ولكن الله أراد لهم أن يتحركوا في خط الهداية من موقع الاختيار الذي تشكله القناعة ويؤكده الالتزام، ليكون مصيرهم محكوماً للإرادة والاختيار في الالتزام بالنهج الذي يحدّد نوعيته في الآخرة، {وَلَكِن يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ} وهم الذين اختاروا ولآية الله وارتبطوا به ورجعوا إليه عبر الإيمان به، فأعطاهم الله ولايته التي ينصرهم من خلالها، وينشر عليهم ظلال رحمته، ويرعاهم بعين لطفه وعنايته.
{وَالظَّالِمُونَ} الذين ظلموا أنفسهم بالكفر أو الشرك، أو التمرد على الله ومحاربة رسله ورسالته، {مَا لَهُمْ مِّن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} لأن الذين جعلوهم أولياء لهم من دون الله، وانتصروا بهم في الدنيا، وأُمّلوا أن ينصروهم في الآخرة، لا يملكون لهم شيئاً، لأنهم لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضرّاً، فكيف يملكونه لغيرهم، وما قيمة قوَّتهم أمام قوة الله حتى ينصروهم من الله؟! ولذلك يدخلون النار من دون أن يخلّصهم أحدٌ منها، بينما يدخل المؤمنون الجنة بإيمانهم وعملهم الصالح.
* * *
ما المراد بجعلهم أمّة واحدة؟
وقد ذكر في الميزان «أن المراد بجعلهم أمة واحدة هو التسوية بينهم بإدخال الجميع في الجنة وإدخال الجميع في السعير، أي أنه تعالى ليس بملزمٍ بإدخال السعداء في الجنة والأشقياء في النار، فلو لم يشأ لم يفعل، ولكنه شاء أن يفرّق بين الفريقين. وجرت سنته على ذلك ووعد بذلك، وهو لا يخلف الميعاد»[1]، وقد اعترض على ذلك صاحب الكشاف الذي فسّر الآية بما فسرناها به. «بأن الآيات ـ كما عرفت ـ مسوقةٌ لتعريف الوحي من حيث غايته، وأنَّ تفرق الناس في يوم الجمع فريقين، سبب يستدعي وجود النبوة والإنذار من طريق الوحي وقوله: {وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} مسوقٌ لبيان أنه تعالى ليس بمجبرٍ على ذلك ولا ملزم به، بل له أن لا يفعل، وهذا المعنى يتم بمجرد أن يجعلهم متفرقين فريقين بل أمّةً واحدةً كيفما كانوا، وأمّا كونهم فرقة واحدةً مؤمنةً بالخصوص فلا مقتضى له هناك»[2].
ونحن نلاحظ على ذلك، أن ظاهر الآيات هو تأكيد جانب الاختيار الذي أراد للناس أن يواجهوا به مسألة الإنذار الذي يتضمّنه الوحي النازل من الله، ليختاروا مصيرهم باختيارهم الطريق الذي يؤدي بهم إلى الجنة، أو الطريق الذي يؤدي بهم إلى النار.. وبذلك كان قوله: {وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} تأكيداً لهذه النقطة، وبياناً لقدرة الله على أن يخلقهم مؤمنين ليكونوا أمة واحدةً في خط الإيمان، بحيث تلتقي إرادته التكوينية في إيمانهم، بإرادته التشريعية في ذلك، ولكن الله لم يشأ ذلك بل ترك لهم حرية الاختيار.. وأمّا اختصاص الفرقة بالمؤمنين فمن خلال أن الله لا يمكن أن يجعل الكفر حالةً تكوينيةً في الكافر، لأن ذلك لا ينسجم مع حكمته التي تقتضي أن يكون الخلق على أساس الحق، كما لا ينسجم مع عدله إذا كان يريد أن يدخلهم النار.
وأمّا ما ذكره من «أنه تعالى ليس بملزمٍ بإدخال السعداء في الجنة والأشقياء في النار، فلو لم يشأ لم يفعل لكنه شاء أن يفرق بين الفريقين»، فنلاحظ عليه، أن هذه المسألة ليست مطروحةً كمشكلةٍ فكرية، فلم يقل أحد بأن الله ملزمٌ بذلك، بل المطروح في مسألة الإيمان والكفر هو جانب الجبر والاختيار، الذي أخذ مكاناً واسعاً في القرآن باعتباره المظهر الحي للعدالة الإلهية في مسألة تقديره للمصير، والله العالم.
وقد نقل في الميزان عن بعضهم: «إن الأنسب للسياق هو اتحادهم في الكفر بأن يراد جعلهم أمّةً واحدةً كافرةً كما في قوله:{كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ}[البقرة:213] فالمعنى: ولو شاء الله لجعلهم أمّةً واحدةً متفقة على الكفر بأن لا يرسل إليهم رسولاً ينذرهم، فيبقوا على ما هم عليه من الكفر»[3].
ونلاحظ على ذلك أن هذا مخالف للسياق على ضوء ما ذكرناه، مع أنه لا يناسب الجعل الذي يعنى الإيجاد الذي يتصل بالجانب الإيجابي في تكوين الكفر في وجودهم، لا بالجانب السلبي في عدم تدخله بإيجاد الأسباب التي قد تؤدي إلى إيمانهم، والله العالم.
* * *
الله هو الوليّ
{أَمِ اتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ} أي كيف يتخذون لأنفسهم أولياء من دون الله يعبدونهم ويتوجهون إليهم بحاجاتهم، ويطيعونهم في معصية الله، لينصروهم في المواقف التي تحتاج إلى النصرة؟! وكيف يفكرون بهذه الطريقة في مسألة الولاية التي تحتاج في مضمونها إلى أن يملك الولي القدرة المطلقة التي يتمكن بها من أن يتصرف في القضايا كما يشاء من دون أن يمنعه مانع.. ليشعر الذين يتولّونه بالاطمئنان إليه في كل ما يعتمدون عليه فيه، وليس هناك من يملك ذلك غير الله.
{فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ} أمّا هؤلاء فهم مخلوقون لله مربوبون له، خاضعون بمنطق حاجاتهم له، فإذا أراد العاقل أن يتخذ ولياً فليتخذ الولي الذي يرجع إليه في الأمور كلها.
{وَهُوَ يُحْيي الْمَوْتَى} ويبعثهم إليه، ويجمعهم عنده، ليجزي المؤمنين الجنة بما عملوا ويجزي الكافرين النار بكفرهم، فهو الذي يملك أمر القيامة كله.
{وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ} لأن القدرة كلها بيده، فلا يقدر أحد من مخلوقاته على شيء إلا بما منحه الله من القدرة.
* * *
الله مرجع الإنسان الدائم
{وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} فهو الذي يملك الحكم الذي يفصل بين الناس، فهو مبدع الحق، ومشرّعه، ومحرك الوجود على أساسه، والمهيمن على الوجود، والمرجع الأول والأخير فيه.. وفي ضوء ذلك، قد نستوحي كيف ينبغي لنا أن نرجع إلى قوله عندما تختلف أقوالنا وآراؤنا، وأن نرجع إلى نهجه في التشريع والحياة عندما يختلف الناس في شرائعهم وتقاليدهم وعاداتهم، وأن ننهي حوارنا مع الآخرين بعد استنفاد كل وسائل الإقناع بإرجاع الأمر إلى الله الذي يحكم بيننا وبينهم يوم القيامة. فهذا هو خط الإيمان الذي يتحرك منه المؤمن مع الله في كل أموره وقضاياه، ويكون الله كل شيء في حياته، منه البدآية وإليه النهاية، ومن خلاله يتحدد خط السير، فليس هناك إلاّ الله في الفكر والمنهج والحركة والاتجاه والانتماء والعلاقات.
{ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي} الذي يربّي الكون والحياة والإنسان، بما يدبره في نظامه الكوني والتشريعي، من موقع امتلاكه للأمر كله، الذي لا يملكه معه أحد، ولا يملك أحدٌ شيئاً إلا من خلال ما ملكه.. ولذلك، فهو الذي ينفتح الإنسان عليه انفتاحاً كلياً من دون تحفظٍ، ثقةً برحمته وحكمته ولطفه وعنايته وتدبيره.
{عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} وبما أن الله يملك القدرة كلها، فلن يخاف من يتوكل عليه أية مشكلةٍ في الطريق، وأية مفاجأةٍ صعبةٍ قد تربك واقعه ومصيره ويتحرك نحو أهدافه بقوّة الروح، وصلابة الإرادة، وبالثقة بالله، بعد أن يكون قد أحكم أمره في ما يملكه من أسباب الحركة وحكمة التخطيط. وإذا كان الله هو الذي يحكم بين عباده، ويقرّر مصيرهم، فلن يخاف من يرجع إليه، على قاعدة الإيمان به والاستقامة في طريقه، لأن ذلك سوف يجعله موضعاً لرحمة الله ورضوانه.
* * *
الله فاطر السماوات والأرض
{فَاطِرُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} فهو الذي أبدع خلقها بقدرته، وهو الذي يديرها ويدبرها بإرادته وحكمته، ويقدّر لها امتداد وجودها عبر التفاعل الزوجي الذي يحقق استمرار الوجود {جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً} فكثركم بذلك وتحرك الوجود الإنساني من خلاله، {وَمِنَ الأنْعَامِ أَزْواجاً} فامتد وجودها في الحياة بذلك لينتفع الناس بها.
{يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ} ذكر صاحب الكشاف أن الخطاب في «يذرؤكم» للإنسان وللأنعام بتغليب جانب العقلاء على غيرهم[4] {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} فهو المتفرد في ألوهيته بكل صفاته، لا يشاركه أحدٌ في أي شيءٍ، لأنه المطلق في كل شيء، وغيره محدودٌ في وجوده، بالحدود التي وضعها الله لذاك الوجود.. وهذا ما يفرض أن تكون الولآية له، لا لغيره.
{وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} الذي يستمع لحاجات خلقه التي يدعونه إلى تلبيتها، كما يبصر كل أوضاعهم وأعمالهم في ما يأخذون به أو في ما يدعونه، ويطّلع على خفاياهم ليرعاهم بلطفه في بعض أمورهم التي يحتاجون فيها إلى رعايته، وليحاسبهم على بعض أعمالهم، التي ينحرفون بها عن خط الله.
{لَهُ مَقالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} فبيده مفاتيحها، بما تشتمل عليه من خزائن رزقه، {يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ} فيوسّع له من الرزق، ويمدّ له فيه، ويؤمن له ما يحتاجه من الضرورات، إلى رفاهيّة العيش بما يرفع مستوى حياته، {وَيَقْدِرُ} فيضيّق عليه، {إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} هو الذي يعرف مصالح العباد، ويطّلع على حاجاتهم، فقد تكون مصلحة البعض أن يوسّع عليهم، وتكون مصلحة البعض الآخر أن يضيّق عليهم، فمسألة البسط والتقدير تتصل بنظام الحياة المتقن، الذي يقيم قواعدها على أسسٍ متينةٍ ثابتةٍ، قوامها الحكمة في التخطيط والتدبير.
ـــــــــــــــــــ
(1) تفسير الميزان، ج:18، ص:20.
(2) م.ن)، ج:18، ص:20ـ21.
(3) تفسير الميزان، ج:18، ص:21.
(4) انظر: الكشاف، ج:3، ص:462.
تفسير القرآن