من الآية 13 الى الآية 16
الآيــات
{شَرَعَ لَكُم مِّنَ الِدِينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُواْ الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ* وَمَا تَفَرَّقُواْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بِيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُواْ الْكِتابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ* فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأِعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ* وَالَّذِينَ يُحَآجُّونَ فِي اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا اسَتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} (13ـ16).
* * *
معاني المفردات
{شَرَعَ}: بيّن ووضح.
{يَجْتَبِي}: يصطفي.
{دَاحِضَةٌ}: زائلة وباطلة.
* * *
الدين منطلق وحدة
في هذه الآيات حديثٌ عن وحدة أصول الرسالات ومفاهيمها العامة التي تبقى ثابتةً من دون خَلَلٍ أو اهتزاز، وإن اختلفت حركة جزئياتها ومصاديقها التطبيقية، في ما يمكن أن يتغير من خصوصيات الشرائع ومفردات الأحكام، فإن ذلك التغير يمثل تغيراً في التطبيق لا في النظرية، وفي الآيات أيضاً حديثٌ عن أسباب اختلاف الناس في أديانهم ـ مع وحدة الدين الحق ـ، فلم يكن التفرق ناشئاً من حالة جهلٍ، بل عن عقدة بغيٍ وأنانيةٍ دفعتهم إلى إنكار الحق الواضح والانحراف عن الصراط المستقيم، بهدف الحصول على امتيازاتٍ ذاتيةٍ أو الحفاظ على ما لديهم من امتيازات، وإسقاط لدعاة الحق، خوفاً من علوّ شأنهم، وارتفاع درجتهم في الأمة بحيث يسيطرون على الواقع كله.
{شَرَعَ لَكُم مِّنَ الِدِينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً} من توحيد الله في العقيدة والعبادة، والسير على خط تقواه في كل مجالات العمل، {وَالَّذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ} من ذلك ومن تفاصيل الأحكام التي تتحرك مفرداتها في خط التوحيد، بما يمثله التوحيد من موقفٍ وحركةٍ، إلى جانب الفكر الذي يعيش في الذهن.
{وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى} وهم الذين يمثلون ـ إلى جانب نوح ـ النبوّة العامة التي تتحرك في دائرتهم كل النبوّات الخاصة، وهي تشتمل المبادىء العامة في العقيدة، والأخلاق وفي مقدمتها الوصايا العشر، والخطوط المتحركة على صعيد الشريعة، في ما تفرضه حاجة الزمن في مرحلةٍ معينةٍ مما قد تتجاوزها مرحلةٌ أخرى.. ولم تكن تلك الوصايا فكراً يراد له أن يعيش في الذهن؛ بل كان موقفاً وحركةً في خط الثبات والاستقامة والوحدة، فقد أنزل الله الدين على خلقه ليكون منطلق وحدةٍ، وحركة استقامةٍ.. فلا بد من إقامته وتحويله إلى خطٍّ للسير، ومنهجٍ للعمل، وعنوان للشخصية، وهذا ما عبرت عنه الفقرة التالية، التي جاءت بمثابة التفسير للوصايا الإلهية للأنبياء، ولتلخيص الإرادة الإِلهية التي تؤكد المعنى الحركي في داخلها.
{أَنْ أَقِيمُواْ الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ} وذلك بالالتزام به، والانتماء له، والسير على منهجه، وتحويله إلى سلوكٍ عمليٍّ في الحياة، والوقوف عند ثوابته وجعلها منطلق وحدةٍ وملتقى موقف، لتصل الناس في كل مرحلةٍ من مراحل النبوّات بخط النبوّة التي سبقتهم، وينفتحوا على ما يأتي بعدهم من نبوّات، إذا كانوا يحملون بعض الفكرة عنها، فلا يتجمد الإبراهيميّون أمام الموسويين، ولا يتجمد الموسويون أمام العيسويين، ولا العيسويون أمام المسلمين، لأن كل نبيّ يطرح مبادىء العقيدة والأخلاق العامة نفسها التي طرحها النبي الذي سبقه أو يليه، بحيث لا يترك مجالاً للتضاد في الانتماء إلى النبوات كي لا يتفرق المؤمنون بالله في أديانهم، لأن الله قد وضع لطريق الإنسانية مراحل عدة، لتكون كل رسالةٍ فيها خطوةً متقدمةً على الطريق ما يجعل كل نبيٍّ يكمل ما بدأه النبي السابق.
* * *
الله يصطفي أنبياءه
{كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ} من الإيمان بتوحيد الله ورسوله ورسالته، وما تشتمل عليه من التزاماتٍ أخلاقيةٍ في أنفسهم وأموالهم وعلاقاتهم، ولكن ما قيمة هذا الموقف المتشنّج المعقّد من الأنبياء، فلن يستطيع المشركون ـ مهما بلغوا من القوّة ـ أن يوقفوا خط الرسالات، فإذا كان هؤلاء قد كفروا بها، فإن هناك كثيراً ممن انفتحوا على الله وعلى رسله، كما أن لا قيمة لاستغرابهم لأن يكون النبيّ منهم، في الوقت الذي لم يكن في الموقع الكبير الذي يتناسب مع مركزهم.. لأن الله هو الذي يصطفي رسله ويجتبي أنبياءه، عبر مقاييس تختلف عن مقاييسهم، فإذا كانوا يعتبرون المال والقوّة والمركز الاجتماعي ونحوها من الأسس التي يرتكز عليها الموقع النبوي، إذا أمكن للبشر أن يكونوا أنبياء، فإن الله يعتبر العقل والروحية والخلق العظيم والكفاءة الرسالية في إبلاغ الدعوة والثبات في مواقع الاهتزاز ونحو ذلك مما يؤهل الإنسان لاحتلال موقعٍ متقدمٍ يلتقي فيه هي المقياس الذي يرفع من مقام الإنسان لديه ويعلي من درجته.
{اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ} فهو الذي يصطفي من عباده مَنْ يتميزون بالمواصفات التي تؤهلهم لاحتلال الموقع الرسالي، فهو «أعلم حيث يجعل رسالته».. وهناك وجهٌ آخر لتفسير هذه الفقرة، وهو ما ذكره في تفسير الميزان من أن المقصود أن «الله يجمع ويجتلب إلى دين التوحيد ـ وهو ما تدعوهم إليه ـ من يشاء من عباده»[1]. ولكن هذا التفسير يجعل كلمة {وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ} بمثابة التوضيح للأولى، بينما تكون الفقرتان مختلفتين على التفسير الأول، ليكون قوله تعالى: {وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ} بمثابة إشارة إلى هؤلاء الذين يرجعون إلى الله ويخلصون له من موقع الإيمان العميق، فيهديهم الله إليه ويوفقهم إلى ذلك، والله العالم.
* * *
بين العلم والأنانية
{وَمَا تَفَرَّقُواْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ} فلم ينفتحوا على العلم من القاعدة الأخلاقية التي تمتد في شخصية العالم وتمنحه روحية التواضع لله، والخضوع للحق، والانفتاح على الحوار الفكري الذي يقود إلى النتائج الحاسمة في قضايا العقيدة والحياة، بل استغرقوا في الجانب الذاتي من العلم، الذي يوحي بالأنانية، ويقود إلى الشعور المَرضي بضخامة الشخصية، التي تدفعه إلى طلب مركزٍ اجتماعيٍّ يرفعه إلى مقام الزعامة والرئاسة.. وعلى ضوء ذلك، تتحرك حساباته على أساس الربح والخسارة في الجانب المادي، وتنطلق العلاقات في هذا الخط، وترتكز المواقف على هذا الأساس.. وهذا ما يدفعهم إلى ظلم بعضهم بعضاً وظلم الآخرين، كما يقودهم إلى الحسد والتنافس على المراكز والمواقع والتأكيد المبالغ فيه على خصوصيات الذات الفكرية التي تشكل حاجزاً منفصلاً غرضه الفصل بين الناس حماية لمصالح البعض ومواقعهم. وهذا هو الأساس الذاتي في الخلافات المعقدة في المواقع الفكرية والاجتماعية والسياسية.. وهو أمرٌ قد لا يمثل خطورةً كبيرةً في غير الجانب العقيدي في المسألة الدينية، لأن الفصل في القضايا المادية، أو في مستوى الأمور الذاتية في أكثر من صعيد، أمّا المسألة الدينية، فإن الخطورة فيها تشتد حتى تصل إلى درجة الإشراف على الهلكة في علاقة الناس بالله وبالحياة كلها، فإن الانحراف في هذا المجال يؤدي إلى الهلاك على مستوى المصير.. فإن الله قد يغفر للناس بعض صغائر الذنوب وكبائرها، ولكنه لن يغفر لهم أن يشركوا به، أو بعض الذنوب الكبيرة التي تطال خطورة نتائجها الحياة كلها..
{وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى} في ما أراد للناس من أن يأخذوا الفرصة للتوبة وللرجوع إليه، فقدّر لهم أن يعيشوا أمداً معيناً من دون أن ينزل عليهم العذاب ليهلكهم {لَّقُضِيَ بِيْنَهُمْ} بإنزال العذاب في الدنيا قبل الآخرة فيهلكهم جميعاً، وهو أمر ميّز به الله أمّة محمد(ص) على الأمم السابقة التي أنزل عليها العذاب.
* * *
الوراثة الدينية المتعصّبة
{وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُواْ الْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ} ممن جاءوا بعد هؤلاء الذين أوتوا العلم، فلم يكن لديهم أيّ معرفة يستطيعون بها الحصول على وضوح الرؤية الفكرية في هذه المسألة، بل انطلقوا في مواقفهم من حالةٍ وراثيةٍ يقلّد فيها الآخرون الأولين على أساس النسب أو البيئة، أو الموقع الديني، {لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ} والريبة فيه هي نتيجة ما يحملونه عنه من تصور، أو نتيجة الخلفيات الذاتية المعقدة التي تكمن وراء ذلك، لأنهم لا ينطلقون، في موقفهم من الرسالة الجديدة والوحي الجديد، الذي جاء مصدِّقاً لما معهم، من قاعدةٍ فكرية للرفض، بل من عصبيةٍ دينيّة، لا تحمل من الدين معناه وروحيته وحيويته، بل تحمل منه الانفعالات التي توحي لهم بأن الدين يقف عندهم ليكون خاتمةً لكل وحيٍ ورسالةٍ، فلا يسمحون لوضوح الرؤية بأن ينفذ إلى تصوراتهم من خلال الحجج التي يقدمها الكتاب الجديد والرسول الجديد.
* * *
ادعُ واستقم كما أمرت
{فَلِذَلِكَ} أي لأن الله شرع لكم هذا الدين وأراد منكم أن تقيموه على أصوله، وأن تثبتوا عليه وتُثَبِّتوه بالكلمة والممارسة، وأن تجعلوا مفاهيمه أساساً للوحدة، ولا تتفرقوا فيه ليأخذ كل فريقٍ منكم جانباً منه مما ينفعه في ذاتيته وأنانيته، ويترك الجانب الآخر الذي لا يتوافق مع ما يريده، {فَادْعُ} إلى هذا الدين بكلّ ما تملكه من وسائل الدعوة بما يقيمه في الحياة، ويثبّته في العقول والمشاعر، {وَاسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ} في خطه المستقيم الذي يصل البداية بالنهاية، فيبدأ من الله ويتحرك في خط دينه وشريعته، وينتهي إليه في الإخلاص له، والانطلاق مع رضوانه، فإن الاستقامة تعني الوقوف مع كل حكمٍ من أحكامه، ومع أيّ مفهومٍ من مفاهيمه بكل دقةٍ واتزان من دون أن ينحرف عنه ذات اليمين وذات الشمال، وهي تمثِّل ـ إلى جانب ذلك ـ عمق الالتزام الروحي بالدين والانسجام مع كل مفرداته من دون زيادة ولا نقصان.
ذلك أنّ ما يريده الله من الإنسان المسلم الداعية، أن ينطلق في دعوته من موقع التحديد الدقيق للفكرة الإسلامية، فلا يُدخل فيها شيئاً من أفكار الباطل ليقرّبها إلى الناس الذين قد لا يرغبون في الحق إذا لم يكن ممزوجاً بالباطل، فيعمد بعض الدعاة إلى التساهل في المفاهيم، ويفسح المجال أمام الانحراف لأن يزحف إليها، طلباً لرضى الناس من خلال ذلك، وهو ما يحدث غالباً في بعض الأجواء الثقافية المعاصرة التي يشن فيها بعض المثقفين ممن يحملون فكراً غير إسلاميٍّ، حرباً إعلاميّةً نفسيّةً ضد المسلمين الملتزمين، فيتهمونهم بالتطرف والتعصب والتعقيد لجرّهم إلى تقديم التنازلات والالتزام ببعض مفاهيم الباطل، بذلك يحصلون على صفات التسامح والاعتدال والواقعية.. التي تقرّبهم من المجتمع وتجعلهم مرضيّين عنده، وهكذا يستمر الضغط بهذه الطريقة في كل موقع من مواقع الإسلام التي يحتاج فيها الباطل إلى موقف إسلاميٍّ متسامحٍ لحسابه ليقدّم المسلمون التنازلات حتى ينتهي الأمر بهم إلى التنازل عن الإسلام نفسه..
لهذا، فإن اعتبار الإسلام هو المقياس الذي نقيس به اتجاه التطرف والاعتدال والتسامح والتعصب، أمرٌ ضروريٌّ ليستقيم للدعاة الإسلاميين دينهم الحق، ولتتوازن خطواتهم الفكرية والعملية على خط الإسلام فكراً وعملاً وحركةً، لأن المفهوم الإسلامي يقضي بأن يخضع الواقع للإسلام، ويتغيّر على أساسه، لا أن يخضع الإسلام للواقع لنغيّر الإسلام من خلاله..
لا تتبع الأهواء
{وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءهُمْ} فإن ما عندهم من عقائد وعادات وأوضاع لم ينبع من دراسةٍ فكريةٍ عميقةٍ للمصالح والمفاسد التي تكمن في داخلها، بل من الأَهواء التي تحركها الانفعالات والأحاسيس في ما يشتهونه، وما يتحسسونه، على مستوى الأهواء الفردية التي يلتقي عليها الأفراد، أو على مستوى الأهواء الطبقية، في ما يلتقي عليه أفراد الطبقة المستغلة المسيطرة على الوضع كله، أو على مستوى شخصٍ واحدٍ مهيمنٍ، ممن يسمّيه الناس ملكاً أو أميراً أو رئيس عشيرة، أو شخصاً صاحب سيفٍ أو مال.. ولذلك فإنها لا تصلح لتكون أساساً للاتباع، لأنها لا تبني للإنسان حياته على قاعدة قوية ثابتة، لأن الأوضاع التي ترتكز على الانفعالات، سوف تسقط أو تتبخَّر عندما ترتبك تلك الانفعالات أو تهتز القضايا التي أثارتها وحرّكتها في داخل الواقع.
وقد نستوحي من هذه الفقرة التي تنهى عن اتباع الأهواء، أنَّ التوجيه الإِلهي لا يريد للإنسان أن يجعل حركته في الحياة تابعةً لهواه، أو لهوى الآخرين، لأن ذلك لن يحقق للحياة الإنسانية عمقاً وامتداداً، بل لا بد له من أن يدرس الأشياء بعمقٍ ودقةٍ كي يستطيع اكتشاف صلاحه في الدنيا والآخرة.
* * *
الله جامعٌ الناس بربوبيته
{وَقُلْ آمَنتُ بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ} فتعالوا لننطلق من هذا الإيمان إلى إيجاد قاعدةٍ للِّقاء، فإني أؤمن بالتوراة والإنجيل والقرآن، فلنتحاور حول ذلك، لنتفق ـ من خلال الحوار ـ على الوحي الإِلهي حتى ننفتح على الحقيقة من خلاله، {وَأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ} فلستُ نبيّاً يريد السيطرة على الساحة كلها من خلال تعميم القناعة بدعوته من أجل أن يظلم الناس، بل إنني جئت بالعدل لكل الناس، سواء كانوا ممن يستجيبون لي ولرسالتي، أو كانوا ممن لا يستجيبون لي ولها، لأن مسألة العدالة لا تفرق بين الأتباع وغير الأتباع، ولا بين الأعداء والأصدقاء، والأنبياء لن يصبحوا من الجبارين عندما يبلغون مراكز القوّة، بل هم من الرحماء العادلين الذين يحركون قوّتهم في خط رسالتهم.. ويحرّكون رسالتهم من أجل حلّ مشكلة الحياة كلها، والناس كلهم.
{اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ} هذه حقيقة واضحة أقدّمها لكم لنلتقي عليها إذا كنتم تؤمنون بالله ربّاً، فهو الذي يجمعنا بربوبيته، في ما نستشعره من رعايته ولطفه وحنانه ورحمته، من خلال الشعور بحضوره في كل وجودنا.
فرديّة نتائج المصير
{لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ} وتلك هي ساحة المسؤولية التي لا يطغى فيها موقعٌ على موقعٍ، ولا يتحمل فيها شخصٌ عن شخصٍ آخر أيّ شيء، فلكل واحدٍ عمله الذي يُسأل عنه.. لذلك فإن مسألة الدعوة، هي أنَّ نتائج المصير ستكون فرديّةً بما يتناسب مع التزام خطّ المسؤولية في حياة هذا الشخص أو ذاك، فإذا كان عمله صالحاً فلا بد من أن ينتهي إلى رضوان الله وإلى الجنة، وإذا كان سيّئاً فلا بد من أن ينتهي إلى سخط الله وإلى النار، دون أن يكون لأيّ شخصٍ قريبٍ دخلٌ في ما يحصل له أو يصيبه.
{لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ} الظاهر أن المراد بهذه العبارة أنكم لستم مسؤولين أمامنا عن تقديم الحجة على ما قمتم به أو انتميتم إليه من فكر، ولسنا مسؤولين أمامكم لنقدم الحجة على موقفنا وانتمائنا، لأننا جميعاً مسؤولون أمام الله، فهو الذي يجب أن نقدّم الحجة إليه.
وقيل إن المراد به «نفي الحجة، كناية عن نفي لازمها وهو الخصومة، أي لا خصومة بيننا بتفاوت الدرجات، لأن ربنا واحد، ونحن في أننا جميعاً عباده واحد ولكل نفس ما عملت فلا حجة في البين، أي لا خصومة حتى تتخذ لها حجة»[2].
وذكر بعضهم أن المعنى لا احتجاج ولا خصومة، لأن الحق قد ظهر فلم يبق للاحتجاج حاجة، ولا للمخالفة عمل سوى المكابرة والعناد. ولعل هذا الوجه أقرب من سابقه، بالرغم من إشكال صاحب الميزان عليه، بأن «الكلام مسوق لبيان ما أُمر به النبي(ص) في نفسه وفي أمته من سنة التسوية لا لإثبات شيءٍ من أصول المعارف حتى تحمل الحجة على ما حملها عليه»[3]. ولكن لا دليل على أن الكلام كله مسوق لذلك، بل الظاهر أنه لونٌ من ألوان تحديد الموقف وبيان طبيعة العلاقة التي تحكم الجميع في ما انتهى إليه أمرهم من النتائج الواقعية التي يقف فيها كل فريقٍ في موقعه، بعد استنفاد الوسائل التي تحدد الموقف ليواجه كل فريق خصوصياته التي تؤكد موقفه.
لكننا ذكرنا أن الأقرب هو ما استوحيناه من الآية، بقرينة الفقرة التالية {اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا} يوم القيامة ليحاسبنا على كل شيء. وهناك الموقف الذي تنطلق فيه الحجة لتؤكد نفسها أمام الله، لأن ذلك هو موقع الحجة في حركة المسؤولية، عندما يقدم كل واحدٍ منا حجته على صاحبه، أو حجته على عمله، أمام ربّه، ليكون الله هو الحكم بيننا، أو هو الحاكم علينا، {وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} الذي ينتهي إليه أمر العباد كلهم، فيقفون ـ جميعاً ـ أمامه، فله الأمر والحكم في كل شيء..
* * *
غضب الله يتنـزل على الكافرين
{وَالَّذِينَ يُحَآجُّونَ فِي اللَّهِ} ويقدمون الحجج التي تنفي وجوده، وتنكر توحيده {مِن بَعْدِ مَا اسَتُجِيبَ لَهُ} دعوة الإيمان وانفتح عليها الكثير ممن دخلوا في دين الله، على أساس وضوح البراهين الحقيقية الدالة على وجود الله وتوحيده مما يدحض كل حجةٍ أخرى مضادّةٍ {حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ} أي باطلةٌ وزائلةٌ {عِندَ رَبِّهِمْ} لأنهم لم ينطلقوا من حجةٍ مفتوحةٍ على الحق في العمق والقوّة، بل انطلقوا من الأهواء والانفعالات السطحية الخاضعة للشهوات، {وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} لأنهم لم يأخذوا بأسباب رضى الله، بل ساروا على خط غضبه فاستحقوا سخطه وعذابه.
ـــــــــــــــــــ
(1) تفسير الميزان، ج:18، ص:30.
(2) تفسير الميزان، ج:18، ص:34.
(3) (م.ن)، ج:18، ص:34.
تفسير القرآن