الآيات 17-22
الآيــات
{اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ* يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلاَ إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فَي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالَ بَعِيدٍ* اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ* مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخرةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخرةِ مِن نَّصِيبٍ* أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُواْ لَهُمْ مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ وَلَوْلاَ كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ* تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُواْ وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنّاتِ لَهُمْ مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ} (17ـ22).
* * *
معاني المفردات
{مُشْفِقُونَ}: خائفون.
{يُمَارُونَ}: يصرون على الجدال.
{حَرْثَ}: الزرع.
{رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ}: الحدائق المشجرة المخضرة متونها.
* * *
أنزل الكتاب بالحق والميزان
{اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ} ليكون القاعدة الفكرية، والمنهج العملي الذي يريد للإنسان أن يتحرك فيه على أساس الحق، لأن الإنسان هو المخلوق الذي يعطي الحياة مضمونها الحركي، بما يخططه لها من نظامٍ واقعي، وبما يحركه فيها من مشاريع متنوعةٍ، وهو أمرٌ يتعلق بالتدبير التفصيلي لكل المخلوقات الجامدة والحية والنامية من حوله، باعتبار أنه هو من أوكلَ الله إليه أمر إدارتها، وسخّرها له لكل انقياد وخضوع.
{وَالْمِيزَانَ} الذي يزن فيه مقادير الأشياء، ويحدد مواقعها، فيضع كل شيءٍ في موضعه، ويعطي كلَّ شخصٍ حقّه، ويطلق الكلمة التي تتناسب مع المواقع من جهةٍ، ومع الخط المبدئيّ من جهة أخرى.
وهكذا يكون الميزان هو المقاييس التي أنزلها الله في وحيه، لتربِّي الوجدان الإنساني على التطبيق المستقيم للنظرية.
وقيل: إن المراد به «هو الدين المشتمل عليه الكتاب حيث يوزن به العقائد والأعمال فتحاسب عليه ويجزى بحسبه الجزاء يوم القيامة»[1].. وقيل: إن «المراد به العدل، وسمّي العدل ميزاناً لأن الميزان آلة الإِنصاف والتسوية بين الناس، والعدل كذلك»[2].
ولكن الظاهر من السياق أن الله يتحدث عما يتحرك فيه الناس في حياتهم على مستوى النظرية والتطبيق.. وقد لا يكون من الظاهر أن يراد من الميزان أصول الدين وفروعه، التي يتضمنها الكتاب مع الحديث عن الكتاب الذي لا يراد فيه إلا الكلمات بلحاظ المضمون، وربما كان الحديث عن الميزان متناسباً مع الآيات التي تتحدث عن الكتاب والحكمة، التي تمثل النهج العملي الذي يطابق فيه التحرك مقتضى الحال، والله العالم.
وهكذا أنزل الله الكتاب والميزان للناس، لتستقيم حياتهم على أساس رضى الله، عندما يأخذون بما وضعه لهم من نهج وشريعة طلباً لرضاه وتخلصاً من عقابه.. ولكن مشكلة الناس أنهم يستغرقون في الحياة حتى يتخيلوا امتدادها إلى ما لا نهاية، ويستبعدون مجيء الساعة التي يواجهون فيها لحظة الحساب بين يدي الله، أو ينكرونها، ويسخرون من حديث النبي عنها، وهذا ما أراد الله أن يثيره أمامهم في صورة الخطاب للنبي محمد(ص) كوسيلةٍ من وسائل خطاب الأمَّة..
* * *
الله عنده علم الساعة
{وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ} فإن الله، سبحانه، لم يعط علمها لأحد حتى لرسله، وجعل احتمال حدوثها قائماً بين ساعةٍ وأخرى كي يترقبها الإنسان يومياً بما يفرض عليه الخوف منها والاستعداد لها.
{يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا} فيقفون موقف السخرية من النبي طالبين تعجيل العذاب الذي ينذرهم به، على سبيل التحدي والتعجيز.
{وَالَّذِينَ آمَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا} خائفون من الوصول إليها، لأنهم لا يعرفون ما ينتظرهم فيها من نتائج لعدم ثقتهم بأعمالهم التي قدموها، فلعل فيها بعض الخلفيات الذاتية والمشاعر الانفعالية التي تبعدها عن مواقع الإخلاص والقرب من الله.. وذلك الخوف نتيجة عمق إحساسهم بالمسؤولية وخوفهم من نتائجها.
{وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ} ولهذا فإنهم يواجهونها كما لو كانوا قد شاهدوها ورأوها رأي العين، خلافاً لأولئك الذين يرتابون فيها، لأنهم لم ينفتحوا على البراهين التي تؤكدها، فغرقوا جراء ذلك في وحول الضلال، وامتدوا في مواقعه امتداداً بعيداً.
{أَلاَ إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فَي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالَ بَعِيدٍ} لأن مشكلتهم أنهم يفتحون باب الجدال، لا للوصول إلى الحق، بل لإثارة الضباب حوله، وإضاعة الجهد والوقت بالكلمات اللاّمسؤولة.. فضلُّوا ضلالاً بعيداً، لأنهم ابتعدوا ـ من خلال ذلك ـ عن الأخذ بأسباب النجاة، فضاعوا في متاهات الضلال التي تؤدي بهم إلى النار.
{اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ} يرفق بهم، ويحنو عليهم، ويمنحهم اللطف الذي ينفذ إلى حياتهم وإلى كيانهم، بالخير والبركة، ويتابع ما خفي منها وما دقّ بكل ألوان العناية والرعاية والسماحة، و{يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ} في ما يحتاجون إليه في أمور معاشهم، ليسهل عليهم أمرهم، وليمتدّ به وجودهم في كل ما يقوم به.
{وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ} الذي تتمثل قوته في رعاية عباده عبر التدبير الكوني، فلا يمتنع عليه شيء، كما تتمثل عزته في سيطرته التي لا يتغلّب عليها أحد.
* * *
حرث الآخرة وحرث الدنيا
{مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخرةِ} بحيث تتحرك أعماله في الساحات التي يحبّ الله للإنسان أن يتحرك فيها، وهي الأعمال الصالحة يبذرها الإنسان في الحياة كلها، لتكون نتيجتها رضوان الله ونعيمه في الآخرة، {نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ} فنضاعف له النتائج المترتبة على ذلك من ثواب الله كما جاء في بعض الآيات: {مَن جَآءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [الأنعام:160] وقوله تعالى: {وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ} [البقرة:261].
{وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا} وهو الزرع الذي يغطِّي حاجات الدنيا من دون أن يوصله بأيِّ رابطٍ أخرويّ، ولا يتصل بالقيم الروحية المنفتحة على الآخرة، ولكن مدى أعماله في اللَّذات والشهوات والأطماع مما تكون نتيجته محصورةً في الجانب المادي في الدنيا، {نُؤْتِهِ مِنْهَا} فينال ما يريده من ذلك، لأن الله قد جعل للمسائل المادية مسبباتها في صعيد العمل الإنساني، {وَمَا لَهُ فِي الآخرةِ مِن نَّصِيبٍ} لأنه لم يهتم في حياته العامة والخاصة بالآخرة، ولم يلتفت إلى رضوان الله في حركة أعماله، لذا فإنه لا يستحق من نعيم الآخرة شيئاً، لأن الله جعل الآخرة في نعيمها للأتقياء الذين عملوا لله ولما يحبه من القيم الروحية التي تتصل بأجوائها.
وهكذا نجد أن المسألة، أوّلاً وأخيراً، تعود إلى الله تعالى، وبالتالي على الإنسان أن يأخذ بالخط الإلهي في الشريعة، ويرجع إليه في شؤون الحياة، ويتطلع إلى رضوانه في كل شيء، لأنه ـ وحده ـ الرب الذي يملك كل شؤون عباده المادية والمعنوية، لذا فإن الانحراف عن خطّه إلى خطٍ آخر والاعتماد على غيره، يحتاج من أصحابه إلى ما يفسره، فكيف يدافع أصحاب هذا الموقف عن موقفهم ومن هُم هؤلاء الذين يعتمدون عليهم، وما يملكون من قوّة الربوبية، ومن سرّ الألوهية، ليشرّعوا لهم بعيداً عن الله، ومن أين جاءتهم هذه الميزة العظيمة؟ أم أن القضية عبارة عن وهم كبيرٍ، خضعوا له في تصوراتهم المعقّدة التي لا تنطلق من حقيقة المعرفة والفكر النيّر؟؟!
* * *
باطل ما شرعه لهم شركاؤهم
{أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُواْ لَهُمْ مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ} لينطلقوا في السير عليه والتماس نتائجه في قضية مصيرهم، من خلال ما يملكه هؤلاء من مواقع القوّة في دائرة الألوهية، كشركاء لله في ذلك، ومن أين جاءت هذه الشراكة؟ وما هي قاعدة القوّة التي يرتكزون عليها؟ وهل هناك إلا الباطل الذي لا يرتكز على أيّ أساس؟ وكيف يتحركون في مواقع هذا الدين الذي شرّعه من لا يملكون حق التشريع.. لأن الله هو مالك حق التشريع وحده، كما هو المالك لهم جميعاً، فلا بد من أن يأذن لعباده، في كل ما يريدون أن يفعلوه أو يتركوه أو يتبنوه، كمنهج عملي في الحياة؟
* * *
العذاب للظالمين
{وَلَوْلاَ كَلِمَةُ الْفَصْلِ} التي سبقت من الله في ما قدّره لهم من الآجال المحدودة، وفي ما أخّرهم إليه من الموقف الحاسم، {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} بالحق، عبر ما يصدره عليهم من أحكام وما ينفذه فيهم من عذاب دنيوي قبل الآخروي، ولكنهم لا يُعجزون الله ولا يفوتونه..
{وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} توعَّد الله به الظالمين الذين ظلموا أنفسهم، وتمرّدوا على ربهم، وظلموا الحياة كلها من حولهم، بالكفر والعدوان.
* * *
رضوان الله ونعيمه للمؤمنين الصالحين
{تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُواْ} عندما يواجهون القيامة في موقف الحساب لأنهم يعرفون طبيعة أعمالهم في الدنيا، ويخافون من نتائجها السلبية في الآخرة، {وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ} لا مفر منه.
{وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ} ذات الأشجار الممتدة الخضرة حيث النعيم الدائم، {لَهُمْ مَّا يَشَآؤونَ عِندَ رَبِّهِمْ} مما يحبونه ويشتهونه ويطلبونه، فليس بينهم وبين الحصول على ما يتمنون إلا أن يطلبوه، ليتحقق لهم، بعيداً عن كل الوسائل والأسباب التي كانوا يتوسلونها في الدنيا..
{ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ} الذي يتفضل الله به عليهم، فلا يدانيه فضل آخر، لأن الجنة هي غآية غايات الإنسان المؤمن لما فيها من نعيم، أو لما يتمثل فيها من رضوان الله.
ـــــــــــــــــــــ
(1) تفسير الميزان، ج:18، ص:38.
(2) (م.ن)، ج:18، ص:39.
تفسير القرآن