من الآية 23 الى الآية 24
الآيــات
{ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحاتِ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ* أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَإِن يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} (23ـ24).
* * *
معاني المفردات
{يَقْتَرِفْ}: يكتسب.
* * *
أجر المودة في القربى
{ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ} ليعيشوا روحيّة البشارة في عقولهم ومشاعرهم قبل أن يعيشوها في حياتهم، فيتمثلوها في وجدانهم ليزدادوا نشاطاً في العمل، وامتداداً في الصبر، وثباتاً في الموقف.
{قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} جاء في كثيرٍ من الآيات أن الله أراد لنبيه(ص) أن يُعلن للأمة عدم تطلعه إلى أي أجر خاص يطلبه لنفسه على الرسالة سواء أكان مادياً أم معنوياً، كما في قوله تعالى: {قُلْ مَآ أَسْألُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ} [ص:86] وفي قوله تعالى: {قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ}[الأنعام:90] وفي قوله تعالى: {قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاَّ مَن شَآءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً} [الفرقان:57] وغيرها من الآيات التي تتعلق بالأنبياء السابقين الذين كانوا يتحدثون إلى الناس من حولهم بهذه الطريقة.. وعلى ضوء هذا، كان طلب المودة في القربى كأجر يطلبه النبي من الأمة ـ في هذه الآية ـ غير منسجم مع الأجواء العامة لتلك الآيات، ولذلك حملها الكثيرون على الاستثناء المنقطع ليكون الحديث متصلاً بشيءٍ آخر لا يتعلق بالأجر، ولكنه يمثل طلباً آخر لا علاقة له بالرسالة من ناحية العوض، بل له علاقة بالنبيّ في اتجاهٍ آخر. ولكنَّ صاحب الميزان اعتبر الاستثناء متصلاً، على أساس أن المودة في القربى لا تمثل شأناً شخصياً من شؤون النبي(ص) بل تمثل شأناً من شؤون استجابة الدعوة، إمَّا استجابة كلها، أو استجابة بعضها الذي يهتم بها، ممّا ينسجم مع اعتبار المودة من الأجر ويبقي على ظهور الاستثناء في الاتصال[1].
* * *
اختلاف المفسّرين في معنى «المودة في القربى»
وعلى ضوء ذلك فلا بد من تحديد معنى المودة في القربى الذي اختلف فيه المفسرون على أقوال مختلفة، وقد ذكر صاحب الميزان هذه الوجوه[2] ومنها:
أولاً: ما ذهب إليه الجمهور أن الخطاب لقريش والأجر المسؤول هو مودتهم للنبي لقرابته منهم، وذلك لأنهم كانوا يكذبونه ويبغضونه لتعرّضه لآلهتهم على ما في بعض الأخبار.. فكانت هذه الآية نداءً لهم بأن يستشعروا المودّة العميقة التي تشد الإنسان إلى قرابته، ليمحضوه الحب من خلال ذلك، فلا يتعقّدوا في مشاعرهم نحوه.
ونلاحظ على هذا التفسير أن المحبة الذاتية ليست هدفاً للنبي(ص) إلا إذا كانت وسيلةً من وسائل الوصول إلى المحبة لرسالته.. وهذا غير وارد لدى الكافرين الذين كانوا ينطلقون في موقفهم الشعوري من عقدةٍ ذاتيةٍ من رسالته التي تلغي كل عقائدهم وتقاليدهم وأوضاعهم.. ثم لا معنى ـ في هذه الحالة ـ لأن يطلب منهم أجراً على رسالته المرفوضة من قبلهم، والتي يعتبرونها نقمةً عليهم لا نعمة، وإذا كان يحدثهم بعد إيمانهم فكيف يمكن أن تكون مشاعرهم نحوه هي مشاعر البغض والعداوة..
ومنها: أن المراد مودّة الأقرباء، في داخل قريش، أو في حياة الناس كافَّةً، ونلاحظ على هذا، أن مودة الأقرباء قد تكون موضع تشجيع الإسلام ورعايته في نطاق صلة الرحم، ولكنها لا تمثل قيمة «إسلامية روحية» في ذاتها بالحجم الذي يجعلها أجراً للرسالة أو في الأجواء التي تقترب من ذلك، بل ما يفيده سياق الآية أن الحب في الله والبغض في الله، مما قد يفرض على الإنسان المسلم رفض مودة الآباء والأبناء والإِخوان وجميع الأقرباء إذا كانوا معادين لله ولرسوله.
ومنها: أن المراد بالمودّة في القربى هو قرابة النبي(ص) وهم أهل بيته.. وقد جاءت الأحاديث الكثيرة في كتب أهل السنة والشيعة التي تؤكد ذلك بما قد يصل إلى مستوى التواتر أو الاستفاضة..
وقد حاول صاحب الميزان توجيه المسألة باتجاه عام على أساس أنَّ ذلك لا يمثل أجراً للرسالة على أساس الخصوصية الذاتية في ما قد يتنافى مع الآيات التي تنفي الأجر على الرسالة في حركة الأنبياء في الدعوة، وذلك بقوله إن «التأمل الكافي في الروايات المتواترة الواردة من طرق الفريقين عن النبي(ص) المتضمنة لإِرجاع الناس في فهم كتاب الله بما فيه من أصول معارف الدين وفروعها وبيان حقائقه إلى أهل البيت(ع)، كحديث الثقلين وحديث السفينة وغيرهما، لا يدع ريباً في أن إيجاب مودتهم وجعلها أجراً للرسالة إنما كان ذريعةً إلى إرجاع الناس إليهم في ما كان لهم من المرجعية العلمية.
فالمودّة المفروضة على كونها أجراً للرسالة لم تكن وراء الدعوة الدينية من حيث بقائها ودوامها، فالآية في مؤدّاها لا تغاير مؤدّى سائر الآيات النافية لسؤال الأجر.
ويؤول معناها إلى: إني لا أسألكم عليه أجراً إلا أن الله لما أوجب عليكم مودّة عامة المؤمنين ومن جملتهم قرابتي، فإني أحتسب مودتكم لقرابتي وأعدّها أجراً لرسالتي، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً} [مريم:96] وقال: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} [التوبة:71]»[3].
وهناك أقوال أخرى.
وقد نحتاج إلى أن نثير المسألة في بُعدها التفسيري، بأن هذه الكلمة مجملة من حيث المعنى لاحتمالها أكثر من معنى في ذاتها، فلا بدّ لاكتشاف معناها التفصيلي من قرينةٍ، داخليةٍ أو خارجيةٍ، تعيّن ذلك بالطريقة التي تحقق الانسجام بينها وبين الآيات المماثلة لها.
وقد يلاحظ القارىء أن المودة في القربى هي أجر الرسالة، أو المعنى الذي يقترب من هذا الجو، ولكن لا معيّن للمصداق، ما يجعل الرجوع إلى الروايات الواردة في هذا المجال هو الحل للمشكلة.. وقد وردت هناك أخبارٌ كثيرة حول تعيين أهل البيت(ع) بحيث ترجح على الأخبار الأخرى من ناحية كثرتها وانسجامها مع الجو الرسالي، باعتبار أنهم يمثلون الامتداد الروحي والعملي في خط القيادة الرسالي.. ما لا يجعل من المسألة حالةً ذاتيةً في الشخصية النبوية، بل حالةً رسالية.. وهذا بالإضافة إلى أن هذا التفسير كان مشهوراً في عهد أئمة أهل البيت(ع) بحيث تحدثوا عنه في أكثر من موقع حتى جرى على لسان الشعراء كما ورد في قصيدة الكميت في قوله:
وجدنا لكم في آل حم آية تأوّلها منا تقيّ ومعـرب
ما يجعلنا نطمئن إلى ذلك..
وقد روى صاحب الدر المنثور حديثاً آخر، قال: «أخرج أحمد، وعبد ابن حميد، والبخاري، ومسلم، والترمذي، وابن جرير، وابن مردويه، من طريق طاوس عن ابن عباس أنه سُئل عن قوله: {إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} فقال سعيد بن جبير: قربى آل محمد، فقال ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ: عجلت إن النبي لم يكن بطن من قريش إلا كان فيهم قرابة فقال: إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة[4].
ولكن هذه الروآية لا تسلم من النقد الذي ألمحنا إليه في ما تقدم، لأنّ قرابتهم له لا تمثل معنًى مطلوباً في ذاته إلا بلحاظ كونها طريقاً للانسجام معه في خط الرسالة، باتباعهم له أو بتركهم إياه دون معارضة، ممّا يعرف النبيّ أنه طريق مسدودٌ أمامه.. في الوقت الذي لا توحي فيه الآية إلا بالمعنى الذاتي للمودّة الذي لا يرجع إلى معنى مقبول، وهذا هو كل ما نستطيع معالجته من معنى الآية، والله العالم بحقائق آياته.
* * *
الله الغفور الشكور
{وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ} أي من يكتسب حسنةً، بإتيان ما أمر الله به من الأعمال الصالحة التي أوجبها، أو استحبها في شريعته، فإن الله يضاعف له إيجابياتها بمضاعفة أجرها وزيادة إيجابياتها، ومحو ما فيها من سلبيات، وإتمام ما يمكن أن تشمل عليه من نقائص. إن الله غفور يمحو السيئات ويغفر الذنوب، شكور يظهر محاسن العمل ويزيدها.
وربما خص البعض الحسنة بالمودة للقربى بالاستناد إلى بعض الروايات، ولكن الظاهر أن ذلك ـ لو تمّ ـ من قبيل المصاديق لا من قبيل المفهوم، وقد تعارف في الروايات التفسير على نحو الجري والتطبيق؛ والله العالم.
* * *
الله العليم بذات الصدور
{أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً} في ما يتقوّلونه عليك من الكلمات التي يريدون بها إثارة الدخان حول رسالتك والتشكيك بها، وتشويه شخصيتك.. ولكنهم إذا كانوا يؤمنون بالله الذي يستلزم الإيمان بقدرته، فلا بد من أن يفكروا بأن الله قادر على أن يطبع على قلب النبي(ص) ويمنعه من وعي القرآن وحفظه وتبليغه للناس إذا كان مكذوباً، {فَإِن يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ} ويحول بينك وبين الامتداد في الكذب، ولكن الله شاء أن يوحي إليك ويفتح قلبك للحق النازل بكلماته، {وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ} المتمثل بمفاهيم الكفر والشرك والضلال {وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ} من خلال مفاهيم الإيمان والتوحيد والرسالة واليوم الآخر، ويثبِّتها في وعي الناس لتكون برنامجاً للفكر والحياة اللذين يريد الله لهما أن ينطلقا من الحق، ويتحركا في خطّه بالانفتاح على الله، في ما يوحي به إلى أنبيائه من آيات، {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } فهو المطّلع على قلوب عباده، وما تحس وتفكر به، فكل شيء مكشوفٌ لديه ولا يوجد سرّ يمكن أن يخفى عنه.
ــــــــــــــــ
(1) انظر: تفسير الميزان، ج :18، ص:43.
(2) انظر: (م.ن)، ج:18، ص:43ـ48.
(3) تفسير الميزان، ج:18، ص:47.
(4) السيوطي، جلال الدين، الدر المنثور في التفسير بالمأثور، دار الفكر، بيروت ـ لبنان، 1993م ـ 1414هـ، ج:3، ص:345ـ346.
تفسير القرآن