من الآية 30 الى الآية 35
الآيــات
{وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ* وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأرْضِ وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ* وَمِنْ آياتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالأعلامِ* إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ* أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ* وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آياِنَا مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ} (30ـ35).
* * *
معاني المفردات
{بِمُعْجِزِينَ}: بجاعلين الله عاجزاً عنكم.
{الْجَوَارِ}: السفن.
{كَالأعلامِ}: الجبال.
{رَوَاكِدَ}: الراكدة: الثابتة في محلها.
{يُوبِقْهُنَّ}: يهلكهن.
تلازم المصيبة والعمل السيىء
{وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} فإن هناك نوعاً من الترابط بين الأعمال الإنسانية السلبية ذات البعد الاجتماعي الذي يطال الحياة العامة والخاصة للناس، وبين نتائجها الصعبة من مصائب تطال الناس في أجسادهم وعقولهم وأوضاعهم الغذائية والاقتصادية والأمنية، باعتبار أن خصائص الأعمال ونتائجها تتداخل في الحياة، تماماً كما هو السبب بالنسبة إلى المسبّب، وهي سنّةٌ كونيةٌ اقتضت وجودها الحكمة الإلهية، فإذا كان العمل خيِّراً في طبيعته فلا بد من أن ينتج الخير للإنسان، وإذا كان العمل شراً في مضمونه، فلا بد من أن ينتج الشرّ للإنسان.. وقد يكون وقوع المصائب على هذه الصورة لوناً من ألوان العقوبة الإِلهية التي جعلها الله جزءاً من النظام الكونيّ لربط الإنسان بنتائج أعماله، في ما قدره الله للكون من العقوبة التكوينية، أو الثواب التكويني..
وإذا انحرف الناس عن القيم الروحية والأخلاق في أعمالهم ومارسوا الشرك في عبادتهم، وعاشوا الأنانية في علاقاتهم، واستعملوا الكذب والغش والخيانة والنفاق ونحوها في أقوالهم وأفعالهم.. فلا بد من أن ينعكس ذلك على مصيرهم، لأن لهذه الأمور آثاراً ونتائج طبيعيةً تنعكس في حركة الحياة التي يعيشون، ولذلك فلا بد لمن يريدون تغيير واقعهم السيّىء ورفع ما يحيط بهم من مصائب عامة، من العمل على تغيير المجتمع العملي في الحياة، لأنهم لن يستطيعوا تغيير النتائج من دون تغيير المقدمات.. وإذا كان هناك بعض الناس الخيّرين الذين يعيشون مشاكل خاصة في أبدانهم وأوضاعهم، فليس ذلك إلا نتيجة الوضع العام السيىء من جهة، ذلك أن البلاء من العام لا بد من أن يسري إلى الخاص، أو نتيجة بعض الخصوصيات الذاتية السلبية من جهةٍ أخرى.
وقد لا يكون من الضروري أن تأتي المصائب نتيجة المعاصي التي يجترحها الإنسان دائماً، بل قد تأتي نتيجة بعض الأوضاع المعقّدة، التي ينعكس تأثيرها على الواقع كله، حتى على الذين لا دخل لهم بتلك التعقيدات ولكنهم يشكلون جزءاً في الأجواء العامة ما يجعل تأثُّرهم بها أمراً طبيعياً.
وقد يحصر البعض المصائب هنا في الدائرة الفردية ليكون الخطاب لكل فردٍ من البلاء الذي يصيبه من خلال عمله، ولكننا نجد أنَّ الأمر يتصل بالظاهرة العامة، كما يتصل بالظاهرة الفردية.
* * *
لا قدرة فوق قدرة الله
{وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ} مما قد يستوجب العقوبة، أو يؤدي إلى البلاء، أو يحقق بعض النتائج السلبية، ولكن الله يرفعه بلطفه ورحمته وقدرته التي يغيّر بها الواقع من حالٍ إلى حالٍ.. وقد تكون بعض الأعمال الروحية والعبادية، أو الأدعية التي يبتهل فيها المؤمنون إلى الله، سبباً في العفو عن بعض الأعمال، ورفع ما تقتضيها من البلاء.
{وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ} لأنكم لا تملكون قدرة إلاَّ وقدرة الله فوقها، بل هي مستمدةٌ منها، فأنتم في قضاء الله وقدره تتحركون، وفي مواقع ملكه تعيشون، فإلى أين تهربون منه؟ وما الذي تملكونه من وسائل المواجهة والأرض كلها ملك الله، وفي قبضته، وأنتم ملك الله وخلقه وعباده؟؟
{وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} لأن الله وحده هو وليّ الكون كله، والمخلوقات كلها. فمن أين تأتون بوليٍّ غيره لتواجهوا به الله، وكل ولاية مستمدّة من ولايته، ومن الذي ينصركم من الله ولا أحد في الأرض إلا وهو محتاجٌ إلى نصرة الله له لتستمر به الحياة..
* * *
الجوار في البحر.. آية إلهية
{وَمِنْ آياتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالأعلامِ} وهي السفن الجارية في البحار التي تبدو للناظر من بعيد كالجبال، أو التي تبلغ في ضخامتها حجم الجبال، وهي آية من آيات الله لما تتمتع به من كثافةٍ وعمقٍ وسعةٍ تمكنها من حمل السفن الكبيرة، إلى جانب الريح التي تدفع السفن وتمنحها الحركة المتنوعة وتثير التفكير في قدرته على تجميع كل هذه العناصر والظروف التي تسهِّل حركة الإنسان وتهديه إلى الوسائل التي تعينه على الوصول إلى أهدافه.
{إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ} ويتجمّدن في مكانهن من دون حراك، لأن الريح هي سبب حركة السفن.
{إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} وهما الصفتان الأساسيتان في شخصية المؤمن اللتان تؤثران على حركته الفكرية والعملية لجهة انفتاحه على الحياة من خلال الله، ووعيه كل ظواهرها الدالة على عظمته وقدرته. فإن الصابر قادرٌ على مواجهة القضايا الفكرية التي تحتاج إلى التأمُّل الطويل، والجهد الكبير على ملاحقة المفردات الفكرية التي تصل به إلى النتائج الحاسمة، كما هو قادرٌ على مواجهة الواقع القاسي المحمّل بالمشاكل التي تتحدى أوضاعه وقضاياه، وعلى الثبات أمام ذلك، وعلى تحمّل الحرمان الذي يلحقه جراء ذلك، فهو يصبر على شروط المعرفة حتى يصل إليها، ويصبر على البلاء حتى يتجاوزه بسلام..
كما أن الشاكر ينفتح على ما حوله من نِعَمٍ تمدّه بقوة الحياة ونضارتها، ليجد فيها مواقع رحمة ربه، فلا يستغرق في ذات النعمة، بل يتطلع إلى ما توحي به من دلالات، وما تفتحه من آفاق على الله، ليشكره بالكلمة، والطاعة، والموقف، والعبادة الخاشعة في محراب الكون.
{أَوْ يُوبِقْهُنَّ} أي يهلك الجواري بما فيها من ناس، وذلك بإغراقهم إذا ما اقتضت حكمته ذلك. {بِمَا كَسَبُوا} من الأعمال السيئة التي تؤدي إلى ذلك، {وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ} ممن اقتضت مشيئته أن يعفو عنهم وينجيهم من الهلاك رحمةً بهم.
{وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آياتِنَا} بغير الحق، وينكرون العقيدة التوحيدية بإثارة التهاويل الانفعالية أمامها، ويعيشون الغفلة عن الحقيقة الإلهية مدّةً من الزمن، ولكن معرفتهم أن قدرة الله التي لا يملكون أمامها شيئاً مهما امتدت بهم الحياة في مواقع القدرة الذاتية تحاصرهم في كل مفردات وجودهم، وتشكلِّ بالنسبة إليهم صدمةً قويةً لا يستطيعون الهرب منها إلى أيِّ مكانٍ، فيستسلمون لها شعوراً منهم بالضعف المطلق {مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ} أي مهرب.
تفسير القرآن