تفسير القرآن
الشورى / من الآية 36 إلى الآية 43

 من الآية 36 الى الآية 43

الآيــات

{فَمَآ أُوتِيتُمْ مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ* وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ* وَالَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ* وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ* وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظالِمِينَ* وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَـئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِّن سَبِيلٍ* إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ* وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} (36ـ43).

* * *

معاني المفردات

{كَبَائِرَ الإِثْمِ}: المعاصي الكبيرة.

{وَالْفَواحِشَ}: جمع فاحشة، وهي المعصية الشنيعة النكراء.

{شُورَى}: التشاور والمشاورة، والمشورة استخراج الرأي بمراجعة البعض إلى البعض، والشورى الأمر الذي يتشاور فيه.

{يَنتَصِرُونَ}: الانتصار والاستنصار طلب النصرة.

* * *

من ملامح شخصية المؤمنين

ما هي ملامح شخصية المسلم في المجتمع؟ وما هي القيم التي يتبنّاها بحيث يكون جديراً برضى الله، وبالحصول على الموقع الرفيع في الدار الآخرة؟

إنّ هذه الآيات تقدِّم لنا بعض ملامح تلك الشخصية والقيم الدينية التي تحكمها في الحياة.

{فَمَآ أُوتِيتُمْ مِّن شَىْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} الذي لا يملك ثباتاً ولا امتداداً، بل هو مجرد حاجةٍ طارئةٍ لا تلبث أن تزول، ولذلك كان من الضروري أن لا يعتبر الناس متاع الدنيا أساساً لطموحاتهم في أقوالهم وأفعالهم وعلاقاتهم ونظرتهم العامة إلى الحياة، بل يتعاملون معه من موقعه الحقيقي كشيءٍ يتناوله الإنسان وهو في الطريق.

{وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُواْ} من رضوانه ونعيمه، فذلك هو الشيء الثابت المستمرّ في خلود الموقع في الآخرة، ما يفرض على الإنسان أن يعتبره الطموح الكبير أو الوحيد في وجوده الحركيّ فيما يقوم به من حركته المنفتحة على الله وعلى الحياة، من خلاله.. ولكن ذلك ليس شيئاً يُنالُ بالتمنيات، بل لا بد من الجهد الفكري والروحي والعملي الذي يبني ـ على أساس مضمونه الذي يلتقي بالحق ـ شخصيته، ويحرك ـ من خلاله ـ مشاريعه، ويركز عليه علاقاته، وهذا ما أشارت إليه الفقرات الآتية: {وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} فالإِيمان بالله الواحد، منهجٌ يتسع لكل نشاطات الحياة وتطلعاتها وأوضاعها، ويوجّه نظرة المؤمن إلى خط الاستقامة الذي يبدأ من الله وينتهي إليه، بحيث لا يرى إلا الله في كل وجوده.. فهو العنوان لكل علاقةٍ، وهو الوجه لكل عمل، وهو الأساس لكل مشروعٍ، وهو الأمل في كل مستقبلٍ، وهو الثقة المطلقة والأمان الشامل في كل حالة اهتزازٍ، أو موقعٍ للخوف. من هنا فإن على المؤمن، عندما تزدحم حوله المشاكل، وتقف في وجهه العقبات، وتشتد في آفاق حياته العواصف، وتكثر حوله التهاويل، وتطوف به الحيرة في كل موقف، أن يتجه إلى الله، بعد أن يحرك كل الوسائل التي يملكها لتحقيق ما يريد من النتائج.. فيتوكل عليه، ويسلم أمره إليه، ثقةً بأنه الولي والمعين والحامي والمدافع عن عباده المؤمنين ضدّ كل ما يختزنه المجهول من مخاوف وتهاويل.

وبذلك يؤكد الإخلاص في الإيمان توكّل المؤمن على الله في شخصيته وحركته الذي يمنحه الثقة بالمستقبل، من خلال الثقة بالله.

{وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ} وهي المعاصي الكبيرة التي توعَّد الله مرتكبيها بالنار، لأنها تمثل تمرداً على الله، وتؤدي إلى إفساد حياة الناس الروحية والعملية، في المواقع الاجتماعية والفردية، الأمر الذي يفرض على المؤمن أن يبتعد عنها، {وَالْفَوَاحِشَ} وهي المعاصي التي تتجاوز نتائجها السلبية على المجتمع الحد، ويكثر إطلاق كلمة الفاحشة على الزنى واللواط ونحوهما مما يدخل في باب الانحراف الجنسي عن الخط المستقيم، {وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ} ويتسامحون ويتجاوزون الحالة الانفعالية التي تسيطر على مشاعرهم، وتؤدّي إلى توتّر أعصابهم، لأنهم لا يعيشون غضبهم كمشاعر في التوترات الصعبة التي تتصلّب فيها المواقف، بل كنافذةٍ على العفو والمغفرة، في ما يمكن أن ينفع الناس والحياة.. وقد نلاحظ أنّ الآية تعالج القضية من ناحية المبدأ، باعتبار أن المغفرة خُلُقٌ كريمٌ من أخلاق الشخصية الإسلامية، من دون الدخول في التفاصيل، فلا مجال للحديث عن التفصيل بين حقوق الإنسان الشخصية التي يجوز له التنازل عنها وحقوق الله العامة التي لا يجوز للإمام تركها، أو الحديث عن التنافي بينها وبين الآية الآتية التي تؤكد على الانتصار للبغي، لأنه لا إطلاق لها في هذه الجهات، والله العالم.

{وَالَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمْ} في ما أمرهم به أو نهاهم عنه، أو وجَّههم إليه من مناهج الحياة ووسائلها، فكانوا خاضعين له، خاشعين لعظمته، مستسلمين له في عمق الإحساس بالعبودية المطلقة، أمام الألوهية المطلقة.

* * *

الشورى في الإسلام

{وَأَقَامُواْ الصَّلاةَ} بما تمثله من إخلاصٍ لله وانفتاحٍ عليه، وإحساسٍ بحضوره في وجدان الإنسان، بحيث يخاطبه ويحادثه ويناجيه كما لو كان يراه، {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} لا يستبدّ أحدٌ برأيه، بل يعتبر التشاور مع الآخرين منهجاً عملياً للوصول إلى الحقيقة في ما يصلح أمره وأمور الحياة من حوله.. ولا يستبدّ الحاكم بقراره، بل يعمل على الرجوع إلى أهل الرأي والخبرة والأمانة ليستمع إلى آرائهم في كل أمرٍ من الأمور العامة، ليزداد بصيرةً في ذلك، ما يجعل من احتمال الخطأ لديه احتمالاً بعيداً ثم يكون الرأي له. والشورى خط إسلامي يشمل كل مواقع الساحة الفكرية والعملية في المجتمع الإسلامي، بحيث يكون أمر المسلمين خاضعاً للشورى التي تفتح أمامهم آفاقاً واسعة للتعرف على المصلحة والمفسدة من خلال الآراء المتنوّعة التي تقدمها حركة الصراع بين الأفكار وتصادم العقول والتلاقح بينها.. وقد ورد في بعض الكلمات المأثورة: «من شاور الرجال شاركها في عقولها».

ويمكننا استيحاء هذا المنهج في كل مواقع المسؤولية، حتى في المواقع التي لم يكن قرارها بيد الناس، بل كان بيد الله، كما في النبوّة، أو في الإمامة، في رأي الشيعة الإمامية، فيما كان أمر التعيين بيد النبي(ص) بأمرٍ من الله.. كما جاء في قوله تعالى في خطابه للنبي(ص) في القرآن: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} [آل عمران:159]. وقد كثرت الأحاديث عن الأئمة من أهل البيت في التأكيد على الشورى وفي أن «من استبدّ برأيه هلك، ومن شاور الرجال شاورها في عقولها »[1] وفي ما روي عنه(ص) «ما من رجل يشاور أحداً إلاَّ هُدِيَ إلى الرشد». ما يوحي بأن الشورى تمثل خط السلامة في حركة المجتمع الإسلامي على مستوى القيادة والقاعدة. وفي ضوء ذلك، قد نستفيد من هذا النهج، أن وجوب إطاعة أولي الأمر، لا تمنع من توجيههم إلى الأخذ بالشورى في إصدار قرارهم.. بل قد يمثل استبداد غير المعصوم في رأيه، انحرافاً عن الموقع الشرعي الذي يقف فيه، ويكون كافياً لعزله، عندما يتخذ قراراته بغير علم إذا لم يكن من أهل الخبرة في موضوع القرار، أو إذا لم تكن خبرته كافيةً للوصول إلى وضوح الرؤية فيه.

وربما كان للمتأمل في القرآن أن يستوحي من الآية، أنّ الشورى هي القاعدة في كل أمرٍ من أمور المسلمين، إلا إذا ثبت التعيين من دليل خاص، لأن كلمة {وَأَمْرُهُمْ} وإن لم يكن لها عموم أو إطلاق، في ما يناقش فيه البعض، إلا أن ظهورها في العنوان الذي يمثل الوضع الإسلامي من ناحية المبدأ، قد يوحي بالعموم من هذه الجهة، والله العالم.

* * *

الإنفاق وروحية العطاء

{وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} لأن الإنفاق يمثِّل روحية العطاء التي حوّلها الإسلام إلى عبادةٍ في مواضع الحقوق الشرعية كالزكاة والخمس والصدقة، وأراد أن يكون الإتيان به بقصد القربة وهي عنوان العبادة في الصلاة والصوم والحجّ.

وإذا كان الإنفاق سمة المجتمع الإسلامي الإيماني، فإن ذلك يوحي بتبنيه مبدأ التكامل الاجتماعي، الذي يجعل كل فرد من المجتمع مسؤولاً عن كفالة فرد آخر في ما يحتاج إليه في حياته من موقع الحق، لا من موقع التبرّع.. إضافة إلى أن القيادة الإسلامية للمجتمع تقوم بتكفل كل ذوي الحاجات الصعبة من موقع المسؤولية. وهو أمر تناولته النصوص الدينية التي تحدثت عن مسألة الإنفاق في حياة الناس العامة.

وقد لا يقتصر الأمر على الإنفاق على المحرومين من الناس، بل يمتد الأمر إلى كل سبيلٍ من سبل الله، وكل طاعةٍ من طاعاته مما تحتاجه الدعوة، ويفرضه الجهاد في سبيل الله.

* * *

عنوان الانتصار في الظلم

{وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ} من القوى الطاغية المستكبرة التي تريد تحدي حريتهم ومصادرة قرارهم، والسيطرة على مقدراتهم، والضغط على أفكارهم، ليصبحوا مجرّد أتباعٍ لها، خاضعين لتعاليمها وأوامرها ونواهيها، فلا يملكون معها إرادةً، ولا يستطيعون الاستقلال في مصيرهم {هُمْ يَنتَصِرُونَ} فلا يخلدون إلى الضعف ويجعلونه مبرّراً لانحرافهم وسقوطهم في أوحال الذل، بل يعملون على صناعة قوتهم وتحريكها لمواجهة الطغاة المستكبرين، ليهزموا قوّتهم، ويُسقطوا كبرياءهم، لتكون القوّة للمؤمنين، والضعف للكافرين، وليكون الدين كله لله، في ما يمثله موقف المتدينين من العزة والحرية والقوّة.

وقد يتصور البعض أن هناك نوعاً من التنافي بين هذه الآية والآية السابقة التي تتحدث عن المغفرة عند الغضب، ولكن الظاهر أن تلك الآية تحدثت عن الانفعال الذي لا يسيطر على المؤمن، بل يترك مجالاً للتفكير بالعفو الذي قد يكون الموقف الصحيح الملائم للمصلحة. أمّا هذه الآية، فتتحدث عن ساحة الصراع التي يقف فيها المؤمنون أمام الباغين الذين يريدون إسقاط الساحة الإيمانية تحت ضغط البغي الكافر أو الظالم، ما يجعل من مسألة الانتصار، انتصاراً لله ولرسوله وللإيمان.. لا حالةً ذاتيةً تتصل بالمعنى الأخلاقي للسلوك الفردي. ومن هنا كانت الآية في مورد تأكيد القوّة في الموقف، في ما توحي به كلمة الانتصار من المعنى، لتكون المسألة أن يأخذ الإنسان بأسباب القوّة التي تتوازن ولا تعتدي، وتفكر ولا تنفعل، وتحسب حسابات الحركة التي قد تؤدي بها إلى أن يكون الموقف هو موقف العفو الذي يؤكد القوّة، لأنه يكون عفواً عند المقدرة، ما يجعل تأثيره على العدو في الانتصار المعنوي، أكثر من الأخذ بالانتصار بالقوّة الجسدية القاهرة.

* * *

بين حقِّ الانتصار للنفس والعفو

{وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} على أساس العدل الذي يقوم على المعاملة بالمثل، فلا يزيد حجم العقاب على حجم الجريمة، فذلك هو المقدار المسموح به.. {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} فتنازل عن حقه من موقع القدرة على أخذه، انطلاقاً من روحية التسامح في شخصيته، وترفّعاً عن الانتقام لنفسه، وتقرّباً إلى الله بذلك، وأصلح أمره فيما بينه وبين ربّه في ما يقصده من الانسجام مع خطّ الإصلاح المنفتح على خط الاستقامة في السلوك، فإن الله يعامله بالحسنى ويعطيه أجر الصابرين العافين عن الناس، وهو أجر عظيمٌ في حساب الله.

{إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق، ولذلك أباح للمظلومين الانتصار عليهم، وأوجب ذلك عليهم أحياناً، لكنه لم يرخّص لهم أن يأخذوا أكثر من حقّهم، لأنهم يتحوّلون بذلك إلى ظالمين في تلك الزيادة {وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِّن سَبِيلٍ} فلهم الحق بالانتصار لأنفسهم، فإذا أخذوا حقهم لم يكن هناك أيّ وضعٍ سلبيٍّ ضدّهم، لأن العفو عن الظلم ليس أمراً إلزاميّاً، ولكنه أمر راجعٌ إلى صاحب الحق، إن اختاره كان له الأجر عند الله لأن العفو يدلّ على السموّ الروحي والأخلاقي الذي تتمتع به شخصيته الدينية، وإن اختار الانتصار لنفسه، فلا إشكال عليه في ذلك لأنه قد أخذ بحقه، حتى لو استخدم وسيلة محرّمة في ذاتها كالغيبة فإن حرمتها ترتفع بذلك.

{إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} فهؤلاء هم الذين يؤاخذهم الله بأفعالهم وأقوالهم الظالمة في ما يتصل بإفساد حياة الناس، وبما يحركونه فيها من قوانين الطغيان ووسائله وأوضاعه.. وبما يثيرونه في وجدان الناس من تهاويل الخوف والقلق، وبما يجترحونه بحقّ الناس من قتل وجرح وتدمير {أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} جزاءً بما كانوا يفعلون، وإذا كان الله قد فرض عليهم العذاب في الآخرة فقد أراد من عباده المؤمنين أن يواجهوهم بكل وسائل الرفض والقهر والإِذلال، أو يحاصروهم بكل أدوات الحصار، وأن يبتعدوا عنهم، ولا يركنوا إلى كل مشاريعهم وأوضاعهم وتوجيهاتهم، والعمل على إزالة الظلم من الوجود، وتدمير البغي في حياة الناس، بتدمير الظالمين في مواقع قوتهم، بكل ما يملك المؤمنون من قوّة. وإذا كان الله قد أعطى الأجر من عنده للصابرين الغافرين لمن أساء إليهم في مواضع العفو التي يرضاها الله، مما لا يسيء إلى الرسالة والحياة، فإنه قد أكد من خلال ذلك القيمة الروحية التي تمثل عنصر قوةٍ في الإنسان، لا عنصر ضعف، كما قد يتصوره البعض من دلالات القوّة، في ممارسة رد الفعل، ودلالات الضعف في الامتناع عنه.. وهذا هو قول الله تعالى: {وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} لأن ذلك ارتفاع بالموقف عن النوازع الذاتية التي تحركها العوامل الغريزية، عندما يقف الإنسان ليواجه الضغط النفسي القاسي المشبع بالألم وبطلب السيطرة على النفس، فينتصر عليها بقوّة الإرادة الواعية، وموقف الفكر القويّ.

وهذا ما يريد القرآن أن يعمّقه في وعي الفكر الأخلاقي في اعتبار الصبر قيمةً أخلاقيةً تتصل بالعزم والإِرادة القويّة.. ما يوحي بالمعنى الإيجابي للحياة الإنسانية لا بالمعنى السلبي، الأمر الذي يجعل الدعوة إلى الالتزام به، التزاماً بالجانب القويّ من حركة الإنسان في الحياة.

ـــــــــــــــــ

(1) ابن أبي طالب، الإمام علي(ع)، نهج البلاغة، ضبط نصه د. صبحي الصالح، دار الكتاب اللبناني، بيروت ـ لبنان، ط:2، 1982م، قصار الحكم: 161، ص:500.