من الآية 44 الى الآية 50
الآيــات
{وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن وَلِيٍّ مِّن بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُاْ الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ* وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلاَ إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُّقِيمٍ* وَمَا كَانَ لَهُم مِّنْ أَوْلِيَآءَ يَنصُرُونَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن سَبِيلٍ* اسْتَجِيبُواْ لِرَبِّكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِّن مَّلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِّن نَّكِيرٍ* فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَمَآ أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبلاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الإِنسَانَ كَفُورٌ* لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذُّكُورَ* أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ} (44ـ50).
* * *
معاني المفردات
{نَّكِيرٍ}: مصدر بمعنى الإنكار.
* * *
الظالمون يوم القيامة
{وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن وَلِيٍّ مِّن بَعْدِهِ}.. ويبقى الحديث عن الذين سلكوا طريق الضلال، بعد أن فتح الله لهم أبواب الهدى، فلم يدخلوها، فأضلّهم الله، بأن أسلمهم لما اختاروه من الضلالة عندما التزموا بولاية غيره، وبعبادة الآلهة التي يزعمونها.. ورفع عنهم ولايته فضلّوا سواء الطريق وواجهوا الحقيقة التي تفرض سقوط ولآية كل شخصٍ غير الله، في النصرة والرعاية، ووقفوا وجهاً لوجه أمام المصير الأسود في عذاب جهنم { وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُاْ الْعَذَابَ} الذي ينتظرهم ليعيشوا الخلود معه {يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ} في تساؤلٍ مريرٍ يحاول أن ينفذ إلى بعض الثغرات التي تفتح لهم مجالاً للهروب.. وربما كان هذا التساؤل منطلقاً من حالتهم النفسية الضاغطة، التي تطلب بعض التنفيس عن الضغط الداخلي، في ما يشبه التمنيات المستحيلة، وهنا يبرز مشهد هؤلاء الذليل في رعبهم وفزعهم وانسحاقهم وحيرتهم أمام المصير المحتوم {وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا} أي على النار، فها هم في هذا الموقف يقفون في مقامهم لتستعرضهم النار، من دون حول وقوّة، لتأكلهم وتلتهمهم بعد ذلك، تماماً كما يقف المحكوم بالإعدام أمام أدوات الموت، فتتحول النار، في جوّ الآية التعبيري، إلى كائنٍ حيٍّ قويٍّ يستعرض الظالمين في عملية تحديدٍ للخيارات التي يتخذها ضدهم وهم لا يستطيعون تحديد أيّ خيارٍ للردّ {خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ} الذي يعيشون فيه الانسحاق والسقوط أمام المصير المحتوم، بدلاً من أن يكونوا خاشعين لله من خلال التزامهم بطاعته في الدنيا، وفي موقفهم أمامه يوم القيامة، حيث يكون الخشوع الروحيّ انفتاحاً على ما ينتظرهم من رضوانه ونعيمه الدائم في جنته، {يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ} لا يملكون فتح عيونهم ليحدّقوا بها بنظرةٍ واسعةٍ مملوءةٍ بالمشهد الذي يواجههم، لأنهم لا يطيقون تصوّر ما توحي به من رعب وفزع، فيسترقون النظر استراقاً حباً بمعرفة ما فيها، ويغضون الطرف هرباً منه ولو بعض الشيء.
* * *
خسارة المصير
.. وهنا يقف المؤمنون في مواجهة هؤلاء الظالمين في نظرةٍ تقييميّة لموازين الخسارة التي كان يدّعي هؤلاء في الدنيا أنها لصالحهم، فالمؤمنون في نظرهم ـ أي الكافرين ـ كانوا قد خسروا فرص التمتع بالملذات والشهوات التي ربحوها عندما كانوا يمسكون بزمام الدنيا بكل أوضاعها الحسية.
{وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} عندما فقدوا كل شيء، حتى راحة الموت، التي هي راحة سلبية، وواجهوا الخلود في عذاب جهنم التي لا يذوقون فيها إلا ما خبث من الطعام والشراب، ويتحملون فيها أشد ألوان العقاب.. فلا مجال لأية راحةٍ أو لذّةٍ أو شهوةٍ أو جاهٍ أو ما إلى ذلك مما يستمتع به الناس في الجانب المادي والمعنوي من الحياة، بل الأمر ـ في ذلك ـ على العكس.. وتلك هي خسارة المصير التي لا مجال فيها لأيّ تعويض مستقبليٍّ بأيّ ربحٍ جديد، بينما تمثل خسارة الدنيا في مقابل ربح الآخرة حالةً طارئةً من حالات الخسارة التي لا تمثل شيئاً أمام ما ينتظر الإنسان من الربح.. وهذا ما ينبغي للإنسان أن يفكر فيه عندما يريد أن يدخل في حسابات الربح والخسارة، فلا يفكر بالربح الطارىء الزائل، ليوجّه طموحاته نحوه، ولا يفكر بالخسارة المحدودة ليسقط أمامها في مواقفه، بل يفكر بالربح الدائم كطموحٍ كبيرٍ، ويحذر من الخسارة الدائمة كمشكلةٍ كبيرة.. وذلك ـ في نظر المؤمن ـ هو ربح الآخرة وخسارتها.. ولا سيّما إذا كانت المسألة لا تختص به ـ وحده ـ بل تشمل أهله الذين يعيش كل مشاكل الحياة ومتاعبها وتضحياتها من أجلهم.. ما يجعل خسارتهم خسارة مضاعفة بالنسبة إليه عندما تضاف إلى خسارة نفسه، {أَلاَ إِنَّ الظَّالِمِينَ فِب عَذَابٍ مُّقِيمٍ} فذلك هو نهاية المطاف ومصير الكافرين الظالمين في الحياة {وَمَا كَانَ لَهُم مِّنْ أَوْلِيَآءَ يَنصُرُونَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ} لأنه لا وليّ غير الله في ما تعنيه كلمة الولاية الفعلية من القدرة على النصرة من موقع القوة الواسعة الشاملة التي تتيح للولي أن يحقق ما يريده من نصرة مواليه، فالله هو وحده الذي يملك القوة المطلقة، فلا قوّة إلا له، ولا قوّة لأحدٍ إلا منه {وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ} فيتركه لنفسه، بعد اختياره للكفر والضلال، ويهمل أمره فلا يمنحه الهدآية بعد ذلك {فَمَا لَهُ مِن سَبِيلٍ} إلى السعادة التي يسهِّل الله الطريق إليها من خلال هدايته، في فطرة الإنسان ووجدانه، وفي وحيه الذي أنزله إليه ليخرجه من الظلمات إلى النور، وفي ألطافه التي يفيض بها عليه.
* * *
لا مهرب من الله
{اسْتَجِيبُواْ لِرَبِّكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ} هذا هو الخط الإلهيّ الحاسم الذي يدعو الله فيه عباده ليستجيبوا لدعوته في الأخذ بوحيه كمنهجٍ لهم في الحياة، وكدستورٍ لما يفعلونه أو لما يتركونه، مما يصلح حياتهم أو يفسدها، وليتبعوا رسله في تحريك الموقف في تنظيم شؤونهم العامة والخاصة، وتتحرك الدعوة لتطلب منهم الإسراع قبل فوات الأوان عندما يأتي يوم القيامة الذي لا مجال لردّه، لأنه آتٍ لا ريب فيه.
{مَا لَكُمْ مِّن مَّلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ} فلا مهرب من الله، ولا ملاذ يمكنكم اللجوء إليه، لأن الكون كله له، ولا حجةٍ يمكن أن تخلصكم من العذاب، لأنكم لا تملكون أي مبرر لعدم الاستجابة لدعوة الله. {وَمَا لَكُمْ مِّن نَّكِيرٍ} في ما تحاولون فيه إنكار ما قدَّمت أيديكم من أعمالٍ، لأن الأمر واضح لا ريب فيه.
{فَإِنْ أَعْرَضُواْ} ولم يستجيبوا لنداء الله من خلال النداء الذي توجهه إليهم، {فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} فلست مسؤولاً عن ذلك بطريقةٍ ضاغطةٍ فوق العادة، لأن دورك الرسالي هو التبليغ بكل الأساليب التي تقودهم إلى الاقتناع بالإيمان، إذا أقبلوا على الدعوة بعقولهم وقلوبهم.
{إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاغُ} فهذا هو الدور الذي ينبغي للأنبياء أن يقوموا به، فإذا أدّوه قاموا بواجبهم الطبيعيّ الذي أوكل الله إليهم أمره.
* * *
إنّ الإنسان كفور
{وَإِنَّآ إِذَآ أَذَقْنَا الإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً} في ما نرزقه من صحةٍ وبنين وقوّةٍ وغير ذلك من النعم، فإنَّ ردّ فعله هو الاستغراق في النعمة، والانشغال بها عن التفكير في الله المنعم الذي أغدقها عليه، فإذا جاءته نعمة {فَرِحَ بِهَا} فرح البطر والزهو والخيلاء. {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ} في ما يعرض عليهم من أصناف البلاء، كالمرض والخوف والجوع والفقر ونحو ذلك، {بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} من الأعمال السيّئة التي تفسد البلاد والعباد، وتؤدي إلى النتائج السلبية، على أساس السنن الحتمية التي أودعها الله في الكون في علاقة المسبّبات بأسبابها {فَإِنَّ الإِنسَانَ كَفُورٌ} ينسى نعمة الله، فلا يذكر فضله عليه في الماضي، ويستغرق في إحساسه بالألم، ويبدأ بالشكوى والتمرّد، ويغفل عن طبيعة الصلة بين عمله والبلاء، ليعرف أن خلاصه بيده، وبالرجوع إلى الله، والتراجع عن موقع الخطأ.
{لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} يخلق ما يشاء، فلا بدَّ للناس من أن يرجعوا إليه في ما يحبون وفي ما يشتهون، لأن الأمر كله له لارتباط كل شيءٍ بمشيئته وإرادته.
{يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذُّكُورَ} فهو الذي يحرّك التنوع من خلال حكمته في حركة الحياة الإنسانية في الأرض، {أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً} بحيث يجمع الذكور والإناث لبعضهم بعضاً، {وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً} لا يولد له ولد من كلا الصنفين. {إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ} يعلم ما يصلح خلقه، ويقدر على أن يبدع الأشياء طوع إرادته.
تفسير القرآن