من الآية 51 الى الآية 53
الآيــات
{وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ* وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صراَطٍ مُّسْتَقِيمٍ* صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلاَ إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأمُورُ} (51ـ53).
* * *
كيفية تكليم الله للبشر
كيف يكلِّم الله البشر، هل كما يكلم البشر بعضهم بعضاً، أم بأسلوب يختلف عن ذلك؟
إن الآية تحدثنا عن وسائل ثلاثٍ يوصل بها الله ما يريد من معانٍ يريد للناس أن يعوها في ذواتهم، أو أن يبلّغوها للآخرين منهم..
.. وإذا كنا نتحدث عن كلامه، فإننا لا نتحدث عن أصواتٍ تصدر عنه كما تصدر عن خلقه، لأن ذلك من شؤون التجسيم الذي لا نقول به، بل الظاهر أن الله يخلق الكلام كما يخلق العباد، ليعبِّر به عن المضمون الفكري والعملي الذي يلتزمه الناس في حياتهم.
{وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ} بطريقة المواجهة المباشرة، لأن الرؤية التي تفرضها تلك الطريقة غير ممكنة، ولكن هناك طريقةً أخرى لا يكون الكلام فيها {إِلاَّ وَحْياً} عبر ما يوحي به إلى الناس بشكلٍ مباشرٍ مما يلقيه في نفوسهم ويثيره في وجدانهم مما يشبه الإلهام الروحي والفكري والشعوري، {أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ} في ما يُصدره الله من كلام يلقيه إلى بعض عباده الذين يقفون في موقع من الأرض ولا يرون المتكلِّم لوجود حجابٍ معنويّ يفصلهم عنه، ويمنعهم من رؤيته، على نحو الحجاب الذاتي، كما في كلام الله لموسى(ع) في الطور الذي عبر عنه الله بقوله: {فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِىءِ الْوَادِي الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ} [القصص:30] ولعل اختصاص موسى(ع) بصفة كليم الله، كما حدثنا الله: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً} [النساء:164] ناشىءٌ من أنه الوحيد الذي حدّثه الله بشكلٍ مباشر بهذه الطريقة.
وقيل: إنه من هذا الباب ما أوحي إلى الأنبياء في مناماتهم، وهو غير واضح من خلال استعمال كلمة الوحي بالإلهام في القرآن في الإيحاء إلى النحل ونحوها، وليس من الواضح أن ما يأتي في المنام هو من هذا القبيل، بل الوارد في ذلك أن يأتيه آتٍ من ملك أو غيره ليحدثه كما ورد في ما يأخذ رسول الله من السبات إذا أتاه جبريل في النوم..
{أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً} من الملائكة فيبلّغ النبي وحي الله في رسالته، وربّما كان المراد من الرسول هو النبي، بلحاظ إطلاق هذه الكلمة عليه في القرآن، وعدم إطلاقها على الملائكة، ويكون مثل هذا تكليماً للبشر، باعتبار أنه يتضمن خطاباً لهم، وحديثاً معهم، بشكل غير مباشر، في ما يريد أن يلقيه إليهم من أوامر ونواهٍ وتعاليم، وبذلك يكون المراد من الوحي، ما يحصل بالإلهام أو بواسطة الملائكة لكثرة إطلاقه في القرآن على ذلك، ولكن قد ينافي في ذلك ما جاء في الفقرة التالية: {فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ} حيث يتحمل الرسول مسألة الوحي، بينما يتحمل النبي مسألة التبليغ، لأن دوره هو دور التلقّي للوحي.
{إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ} فهو الذي لا يقترب إليه أحدٌ في علوّه، فلا اختيار لأيِّ مخلوقٍ في أيّ شأنٍ من شؤون الله من تكليم وغيره إلا بإذنه، وهو الذي يرعى عباده بحكمته في ما يخطّط لهم، وفي ما ينـزله عليهم، أو ما يكلفهم به.
* * *
ما الروح؟
{وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} أي من خلال ما يريد الله أن يكلمك به، في ما يلقي إليك من كلامه، كان الوحي هو السبيل إلى ذلك {رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا}، والظاهر أن المراد منه القرآن الذي أوحى به الله إليه باعتبار أنه يمثل الروح المعنوية التي يبدعها الله من أمره وإرادته، فهو الفكر الذي يعطي للمجتمع حياته، وللحياة العامة والنظام المتوازن لحياة الناس، حيويّتهما.
وهناك أقوالٌ أخرى في تفسير هذه الكلمة «الروح من أمره». فقد قيل: إن المراد بالروح جبريل، فإن الله سمّاه روحاً، قال: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ* عَلَى قَلْبِكَ} [الشعراء:193ـ194] وقال: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ} [النحل:102].
وقيل: المراد بالروح الروح الأمري الذي ينزل مع ملائكة الوحي على الأنبياء كما قال تعالى: {يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُواْ} [النحل:2] ولكن ذلك يقتضي أن يكون الإِيحاء بمعنى الإنزال والإرسال، وهو غير ظاهر.
* * *
المعرفة النبوية رسالة إلهية
{مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ} فلم تكن لديك أية معرفةٍ ذاتيةٍ بالكتاب الذي أنزله الله على رسله من التوراة والإنجيل وغيرهما حتى عرّفك الله منه ما أراد لك أن تعرفه، أو بالقرآن الذي أرسلك الله به حتى أنزله عليك، ولم يكن لديك أية ثقافةٍ شخصية في حدود الإيمان وشرائعه وحركته وما يتعلق به، حتى جاءك الوحي ليحدّد لك كل ذلك، في وعيٍ تفصيليِّ كامل.. وهذا ما يؤكد لنا أن المعرفة النبوية لم تكن مخلوقةً مع النبي في ذاته، بل هي شيءٌ مكتسبٌ من الله منفصلٌ عن عملية خلقه، وعن بداية نبوّته، وليس معنى ذلك أنه لا يملك المعرفة الواعية من خلال تأملاته وتجاربه وألطاف الله التي تحيط به، بل إن معنى ذلك، هو التكامل التدريجيّ في شخصيته الروحية والفكرية، بالمستوى الذي لا يبتعد فيه عن معنى العصمة.. وهذا ما نستوحيه من أكثر من آية من القرآن، وتلك هي عظمة النبوّة في النبي، حيث فتحت له آفاقاً واسعةً لم يكن له عهد بها، لو لم يعهدها الناس فيه، ما يدل على أن المسألة لم تكن حالةً ذاتيةً، بل كانت شأناً رساليّاً إلهيّاً.
* * *
الوحي نور إلهي
{وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا} فليس الوحي رسالةً موجّهةً إلى النبي ليهتدي بها، بل هي نور يضيء طريق الناس الذين يفتحون عقولهم وقلوبهم للهداية، فيمن أراد الله له أن يهتدي بالوسائل الطبيعية للهداية، تماماً كما هو النور الذي لا يختص بحامله، بل يضيء الطريق لكل من يسير مع صاحبه ذاك على الطريق، وبذلك كان النبي هادياً بواسطة هذا الوحي الذي أنزله الله في قرآنه، في ما يشرق من نوره الفكري والروحي في حياة الناس {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} لا عوج فيه ولا التواء، لأنه يمثل الخط الذي يربط البداية التي ينطلق فيها الناس في وجودهم وإيمانهم من الله، بالنهاية التي يرجع فيها الناس إليه في مواقع المسؤولية، {صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} في ما يمثله ذلك من العلم بكل ما يصلح الكون ويفسده، في جميع موجوداته، ومن السيطرة عليه، بما يجعل الناس في ثقةٍ لسلامة الخط من جهة، وفي انقيادٍ للألوهية المطلقة القادرة من جهةٍ أخرى، وهذا هو الصراط الذي لا بدّ لهم من الالتزام به والسير عليه، لأن أيّ خطٍ منحرفٍ عنه لا بدّ من أن يؤدّي إلى الهلاك، باعتباره خاضعاً للفكر الذي يختلف عما يريده الله في وحيه من الفكر، وللوسائل والأهداف التي لا تتفق مع وسائل الرسالة وأهدافها.
وإذا كان الإنسان يتحرك في الحياة على أساس النتائج المستقبلية التي يصل إليها على مستوى المصير، والتي تحكم حركته، فإن عليه أن يعرف الحقيقة الإيمانية، التي تحكم وجود الإنسان في دنياه وآخرته، وهي حقيقة تقرّرها الفقرة التالية: {إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأمُورُ} فيلتقي الجميع عنده، بكل خطوطهم الفكرية والعملية، ليقفوا بين يديه، وليحدّد لهم مصيرهم من خلال ذلك كله، إمّا إلى جنّةٍ، وإمّا إلى نار.
تفسير القرآن