تفسير القرآن
الزخرف / من الآية 26 إلى الآية 28

 من الآية 26 الى الآية 28

الآيــات

{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ* إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ* وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} (26ـ28).

* * *

معاني المفردات

{بَرَآءٌ}: بريء.

{فَطَرَنِي}: خلقني.

{عَقِبِهِ}: ذريته.

* * *

إبراهيم يتحدى أباه وقومه

وهذا موقفٌ حاسمٌ اتخذه إبراهيم(ع) ضدّ عبادة قومه للأصنام، وفي مقدمتهم أبوه، فقد رفض تقليدهم في عبادتهم تلك، وأعلن رفضه ذاك بكل قوّةٍ، ليفتح مجال الرفض المتحدي للوثنية الفكرية والعبادية في المستقبل، من أجل أن يركز قواعده على أساس خط الإيمان.

{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ} من هذه الأصنام التي لا تملك أيّ سرٍّ من أسرار الألوهية، في ما تحاولون أن تتخيلوه لها من ذلك، لتقنعوا أنفسكم بذلك، أو لتقنعوا غيركم به، فقد صنعتموها بأيديكم، أو صنعها آباؤكم من قبلكم، فكيف جاءتها هذه الأسرار؟ وكيف حصلت على هذا الموقع المميز في العبادة؟

وهكذا أعلن إبراهيم أنه ـ بكل فكره وروحه ـ يجسد البراءة من الأصنام بكل معانيها وأبعادها، فلم يعد موقفه من الأصنام موقفاً للذات، بل هي الذات كلها في الفكر والحركة والشعور، في ما يوحي به الإخبار عن الذات بالمصدر الذي يتضمن المبدأ كله، {إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي} وأوجدني بعد أن كنت عدماً، كما فطر الآخرين، وأنتم منهم، لأنني لست بدعاً من الناس في ذلك، ما جعل ارتباط الناس به ارتباط المخلوق بالخالق، لحاجته في كل حركة وجوده وامتداده إليه، تماماً كما كان محتاجاً إليه في أصل الوجود، الأمر الذي يجعل التوحيد في عبادته أمراً طبيعياً منسجماً مع حقيقة الوجود الإنساني.. وتلك هي الحجة على موقفه، فإن الخالق هو الذي ينبغي للمخلوقين أن يعبدوه.

{فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ} ويوجهني إلى الحق في العقيدة والعبادة والسلوك، لأن الخلق ليس حالةً مجرّدة، تنتهي بها علاقة الخالق بالمخلوق، بل هي حقيقةٌ وجوديةٌ تبدع الإنسان في وجوده، وتدبره في كل امتداداته، لأن رحمة الله هي سرّ الخلق والهداية والامتداد في انفتاح الفكر، وفي حركة الحياة، فهو الذي ألهم كل شيء هُداه، في بنية وجوده، وألهم الإنسان بالإضافة إلى ذلك، سرّ الهداية في حرية الإرادة في تحريك الفكر والعمل للوصول إلى مواقع الحقيقة في العقيدة والحياة..

* * *

الانتماء الإبراهيمي إلى الإسلام

{وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ} وهي كلمة الإسلام لله في كل شيء وتوحيده في الفكر والعبادة وحركة الحياة، لتكون قاعدةً لتصورات الناس وانتماءاتهم وممارساتهم العملية، بما تمثله الهداية الإِلهية المنطلقة من موقع الفطرة التي تطل على حركة الوجود، وفي ما تثيره في الشخصية من أفكار، {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} إلى الله، عندما تبتعد بهم الطريق عنه، بفعل العوامل المضادة للحق.