من الآية 66 الى الآية 78
الآيــات
{هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ* الأَخِلاَءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ* يا عِبَادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ* الَّذِينَ آمَنُواْ بِآياتِنَا وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ* ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ* يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَفٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ* وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ* لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِّنْهَا تَأْكُلُونَ* إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ* لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ* وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُواْ هُمُ الظَّالِمِينَ* وَنَادَوْاْ يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ* لَقَدْ جِئْنَاكُم بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ} (66ـ78).
* * *
معاني المفردات
{يَنظُرُونَ}: ينتظرون.
{بَغْتَةً}: فجأة.
{الأخِلاَءُ}: جمع خليل وهو الصديق.
{تُحْبَرُونَ}: تسرون، والحبور: هو السرور الذي يظهر أثره وحباره في الوجه، والحبرة: الزينة وحسن الهيئة.
{بِصِحَافٍ}: الصحاف: جمع صحفة وهي إناء يؤكل فيه الطعام.
{يُفَتَّرُ}: يخفف.
{مُبْلِسُونَ}: بائسون.
* * *
جزاء المتقين والمجرمين
{هَلْ يَنظُرُونَ} ماذا ينتظر هؤلاء السادرون في غيّهم، المصرّون على كفرهم، المتمردون في مواقفهم.. المكذبون للأنبياء في رسالاتهم {إِلاَّ السَّاعَةَ} التي وعد الله عباده المؤمنين بها ليجزيهم أحسن ما عملوا، وتوعّد بها عباده الكافرين، ليدخلهم في عذابه {أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً} في مفاجأةٍ شديدةٍ لا يملكون أمامها مجالاً للنجاة، {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} كيف جاءتهم لأنهم لم يكونوا مستعدين لها لاستغراقهم في الغفلة المطبقة التي تحيط بهم من كل جانب، فلا تترك لهم مجالاً للفكر الذي يفتح لهم آفاق الذكرى لما يقدمون عليه.
{الأَخِلاَءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} لأن علاقتهم في الدنيا كانت مفتوحة على الكفر والضلال، بعضهم يضل بعضهم الآخر ويساعده على ارتكاب المعصية بسبب الفكر الكافر أو الضال الذي يلتزمون به، فإذا وقفوا يوم القيامة وجهاً لوجهٍ أمام استحقاق المصير في ساحة العذاب، حمّل بعضهم المسؤولية للبعض الآخر ليتخفف بذلك من المسؤولية، وتبرَّأ بعضهم من بعض، لما يحمله في قلبه من حقدٍ تجاه من أضلّه، فهم لا يطيقون النظر إلى بعضهم بعضاً كما قال الله سبحانه: {كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا} [الأعراف:38] أو {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ* وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ* وَصَاحِبَتِهُ وَبَنِيهِ} [عبس:34 ـ 36] وهكذا تتحول الصداقة إلى عداوة {إِلاَّ الْمُتَّقِينَ} الذين عاشوا الحياة على التعاون في البر والتقوى الذي يفتح قلوبهم على الحق والخير والهدى في طريق الله الذي يجمعهم على الإيمان في الدنيا، وينتهي بهم إلى رضوان الله ونعيمه في الآخرة، ما يجعل الصداقة تمتد بهم إلى الآخرة، لأن الأساس الذي ارتكزت عليه علاقتهم لا ينقطع بانتهاء الحياة الدنيا، بل يتصل بمضمونه الروحي بالآخرة.. ليناديهم الله بالنداء الحميم الذي يفتح قلوبهم على الخير كله.
* * *
لا خوف اليوم على عباد الله المتقين
{يا عِبَادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ} لأنكم استطعتم أن تحصلوا على الأمن والسرور نتيجة أعمالكم، لتعيشوا الطمأنينة النفسية والفرح الروحي في آخرتكم.. وإذا كانت كلمة عباد الله تشمل المؤمنين والكافرين في طبيعتها، فقد حدّد الله الذين لا يخافون ولا يحزنون في ساحة رحمته بـ{الَّذِينَ آمَنُواْ بِآياتِنَا} التي جاء بها الأنبياء {وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ} في كل حركة حياتهم الوجدانية والعملية، فتجسد إسلامهم لله في كل واقعهم العملي في الخط والحركة والعلاقات. {ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ} اللاتي انطلقن معكم في خط الإيمان والعمل الصالح {تُحْبَرُونَ} تسرون بما يظهر أثره في الوجه والزينة وحسن الهيئة .
{يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَفٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ} مما يمثل النعيم الحسي في درجته العليا التي ربما فقدوها في الدنيا {وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ} من رغباتها المادية وشهواتها الحسية {وَتَلَذُّ الاَْعْيُنُ} في ما تستمتع به من جمال المنظر الذي يتمثل أمامها وزينة الأشياء المحيطة بهم.. مما لا يقف عند حدّ من حدود الاشتهاء واللذة، لأن الله قد فتح لهم ـ هناك ـ كل أبواب رحمته المادية والمعنوية {وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} فلا مجال فيها للموت الذي ينغِّص على الإنسان لذّة الحياة، بل هناك الامتداد الذي لا حدّ له..
{وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} فليست الجنة هبةً مجانيةً لهم، بل هي الجزاء الأوفى على أعمالهم الخيِّرة المنطلقة من الإيمان بالله، لأن الله قد جعل العمل أساساً للوصول إلى النتائج الإيجابية في قضية المصير الإِنساني في الآخرة.
{لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِّنْهَا تَأْكُلُونَ} كنموذج للنعم الحسية التي ينعم بها الله على عباده المؤمنين، حيث يجدون لذّة الاكتفاء بما تحتاجه أجسامهم من أطايب الطعام والشراب.
* * *
خلود المجرمين في جهنّم
{إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ} فهذا هو جزاء جريمة الانحراف عن خط الحقيقة من غير حجةٍ، بالإضافة إلى جريمة السير في خط المعصية لأوامر الله ونواهيه. {لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ} أي لا يخفف ولا يقلّل منه شيء {وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ} أي يائسون من رحمة الله بالخروج من النار. {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ} لأن الظلم يمثل التصرف الذي لا ينطلق من الاستحقاق الناشىء من العمل الذي لا يملك العامل المبرّر له أو الذي يملك صاحب الأمر الجزاء عليه بالعقوبة.. ولم يكن عذابهم ظلماً، لأن الله يملك على عباده حق الطاعة والسير في خط هداه بعد أن أقام الحجة عليهم في كل قضايا العقيدة والعمل، {وَلَكِن كَانُواْ هُمُ الظَّالِمِينَ} الذين ابتعدوا عن الله في كل شيء فاستحقوا عذابه، فظلموا أنفسهم بذلك بما أوصلوها به إلى الهلكة.
{وَنَادَوْاْ يا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ} فإننا لا نستطيع تحمُّل هذا العذاب الذي لا انقطاع له فليكن الموت النهآية التي ترتاح فيها أجسامنا منه {قَالَ إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ} في النار، لأن الخلود في العذاب هو جزاء الكافرين والمشركين الذين لا يملكون أية حجةٍ على كفرهم وشركهم، بل قامت حجة الإيمان عليهم فرفضوها عناداً وتمرداً. {لَقَدْ جِئْنَاكُم بِالْحَقِّ} الذي أنزله الله على رسله في جانب العقيدة والعمل {وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ} لأنكم استسلمتم للباطل الفكري والعاطفي والعملي الذي سيطر على تفكيركم وعواطفكم، وحرك كل مواقعكم العملية.. حتى ألِفتُموه، وتحوّل لديكم إلى جزء من مزاجكم وإلى طبيعةٍ ثانوية، بحيث أصبحتم تكرهون الحق في كل مواقعه، بشكلٍ عفويٍّ أو طبيعيٍّ.. وتلك هي مشكلتكم في مواقفكم المنحرفة الرافضة للرسالات الإِلهية من موقع العقدة المزاجية.
تفسير القرآن