تفسير القرآن
الزخرف / من الآية 79 إلى الآية 89

 من الآية 79 الى الآية 89

الآيــات

{أَمْ أَبْرَمُواْ أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ* أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ* قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ الْعَابِدِينَ* سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ* فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ حَتَّى يُلاقُواْ يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ* وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمآءِ إِلهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ* وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالاَْرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ* وَلاَ يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ* وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ* وَقِيلِهِ يا رَبِّ إِنَّ هَؤُلاَءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ* فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} (79ـ89).

* * *

معاني المفردات

{يُؤْفَكُونَ}: يصرفون عن الحق.

{وَقِيلِهِ}: قوله.

* * *

خطة التوحيد في مواجهة الشرك

كيف يتحرك الكافرون أو المشركون في موقف محاربة الرسل والرسالات؟ وكيف يدبّرون الخطط في مواجهة الحق؟ وما هو ردّ الفعل الذي يواجههم في ذلك كله؟ {أَمْ أَبْرَمُواْ أَمْراً} أي أحكموا الخطة الدقيقة التي دبّروا فيها وسائل إسقاط الدور الرسالي في حياة الناس، وعزل الرسول عن المجتمع، وتشويه صورة الحق، بطريقةٍ خبيثةٍ، فإذا كانوا يدبرون ذلك فلن يمرّ الأمر من دون مواجهةٍ حاسمة {فَإِنَّا مُبْرِمُونَ} أي مُحكمون للخطة الرسالية التي تدبِّر الأساليب الناجحة التي تفتح قلوب الناس وعقولهم على الرسالة، كما تخطط للصدام القوي العاقل المتزن الذي تخوضه مع القوى الكافرة من أجل إضعاف قوتها وإرباك خططها ومحاصرتها بالوسائل المضادّة الفاعلة.. وهكذا تريد الآية الإِيحاء للمؤمنين بأن ساحة الصراع تفرض على العاملين فيها أن لا يضعفوا ولا ينهزموا أمام كيد الكافرين والمستكبرين، وأن لا يسقطوا أمام التهاويل التي يثيرونها في وجوههم.. بل عليهم أن يحاربوا الخطة بخطةٍ، والكيد بالكيد، والتهاويل المثيرة بتهاويل أشدّ إثارةً.. لأن ذلك هو السبيل الذي يحفظ للساحة الإيمانية قوّتها وتوازنها، ليكون ردّ التحدي في مستوى التحدي، ولا سيّما إذا عاش المؤمن الشعور العميق بأن الله معه، لأنه مع الله، وأن الله يدبّر له أمره، بقدر ما يدبّر أمر نفسه بإرادة الحق في نفسه، وقوّة الإرادة في موقفه.

ثم ماذا يتصور هؤلاء عندما يغلقون الأبواب والنوافذ على أنفسهم لئلا يراهم أحد، أو لئلا يسمعهم سامع {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم} أفلا يتصورون أن الله يسمع وساوس الصدور، وهمس الشفاه، فهو الشاهد على كل نجوى مهما كانت خفية، فكيف لا يسمع سرّهم ونجواهم {بَلَى} فإن الله هو المحيط بالإنسان في سرّه وعلانيته {وَرُسُلُنَا} الذين جعلناهم شهوداً عليهم {لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ} كل ما يقولون ويعملون، في ما أوكلنا إليهم من حفظ أعمال العباد، الصغيرة والكبيرة.

* * *

لا شريك لله الواحد الأحد

{قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ} تزعمون أنه خلقه في عالم الغيب أو في عالم الحس، وتعبدونه كما تعبدون الله لاعتقادكم بأنه ذو قدرةٍ وسيطرةٍ في سرّ الألوهية الكامنة في ذاته يستمدها من علاقة البنوّة التي تربطه بالله {فَأَنَاْ أَوَّلُ الْعَابِدِينَ} لهذا الولد، لأن من الطبيعي أن يعبد الإنسان ابن الله من خلال عبادته لله.. ولكن كيف تثبتون ذلك..؟ وما هو دليلكم عليه؟ فإنني لا أجد لذلك أيّ أثر من حجةٍ أو دليلٍ، ولذلك فإني أعبد الله وحده، ولا أعبد غيره لأنه لا شريك له في الألوهية ولا في العبادة، من ولدٍ أو غيره {سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} له من الولد، فإذا كان الله رب هذا الكون كله، في عالم الشهود والغيب، لأنه بارئه بكل ما فيه من مخلوقات وموجودات، فكيف يمكن أن يكون له ولد، إذا كان كل من عداه مخلوقاً له.

{فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ} في ما يأخذون به من أسباب اللهو والعبث والخوض في الباطل، ما يجعلهم غافلين عن مسألة المصير، وما يمكن أن يلاقوه من نتائج سلبية تتصل بحياتهم المستقبلية في الآخرة، ولذلك فإنهم لا يواجهون الموقف بالاهتمام الذي يستحقه، بل باللاّمبالاة والذهنية الفارغة من كل فكرٍ، اللاهية عن كل مصير. فدعهم لخوضهم ولعبهم، ولا تتعقّد من ذلك، وتابع دعوتك ورسالتك، بعد أن أقمت عليهم الحجة، ليستمروا في كل أوضاعهم {حَتَّى يُلاقُواْ يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ} فيجدون هناك نتائج أعمالهم التي انحرفوا فيها عن الخط المستقيم الذي دعاهم الله إليه ودلّهم عليه.

* * *

إله السماء والأرض واحد

{وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمآءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ} فهو المهيمن بألوهيته المطلقة على السماء، كما هو مهيمن على الأرض كلها بألوهيته {وَهُوَ الْحَكِيمُ} الذي أدار الكون ودبّره بحكمته {الْعَلِيمُ} الذي أحاط بكل شيء فيه بعلمه.. ووحدانيته لا يقترب إليها شرك ولا تلتقي بالاثنينيّة وما قد يفكر به بعض المشركين من وجود إلهٍ للأرض يستقلّ عن إله السماء، أو إله للسماء ينفصل عن إله الأرض.

{وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَواَتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} فهو مصدر الخير والخلق والتدبير الذي يرجع إليه كل شيء {وَعِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} التي ينتهي إليه علمها، لأن حكمته اقتضت أن ينتظرها الناس من دون أن يملكوا معرفة حدودها الزمنية، مما يجعلهم خاضعين في عمق شعورهم إلى ربوبيته المطلقة وملكيته الشاملة، وعلمه الواسع الذي لا حدّ له، لكونه يحيط بحياتهم كلها في المبدأ، وفي خط السير، وفي نهآية المصير، ليفتحوا عقولهم وقلوبهم على الحقيقة التي تفرض نفسها عليهم من أنه ـ وحده ـ هو الرب العظيم الذي لا رب غيره، لأن كل من عداه مخلوقٌ ومربوب له.

{وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} وتقفون بين يديه، وتقدِّمون حساب أعمالكم إليه، ليحكم بينكم، وعليكم وعلى كل تاريخ حياتكم الدنيا التي عشتم فيها عمركم.

* * *

الشفاعة لمن شهد بالحق

{وَلاَ يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ} التي يتطلعون إلى الحصول عليها من خلال عبادة تلك الآلهة، لأن شفاعة كل شفيع يزعم الناس له الشفاعة لا تتم إلا بالله، فهو الذي يملك الأمر كله، فلا يستقلّ أحد عنه بشيء {إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ} وهو التوحيد والإيمان بالرسالة والرسل واليوم الآخر، فهؤلاء هم الذين يحق لهم الشفاعة، لأنهم انفتحوا على الله في مواقع رضاه بالحق الذي أراد للحياة أن تنفتح عليه وتتحرك فيه {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} حقيقة الأمر كله فيمن شفعوا له.

* * *

أنى يؤفَك المشركون؟

{وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ} في خطابٍ يفاجىء الفطرة الصافية الكامنة في وجودهم العقلي والشعوري {لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} في جوابٍ عفويٍّ حاسمٍ لا يحمل أيّ مجالٍ للتشكيك أو للاهتزاز، لأنه تعبير صحيح عن معنى وجودهم الذي لا يحمل أيّ مضمونٍ مستقلٍّ، بل هو مفتقرٌ إلى الارتباط بالله في عملية الخلق {فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ} فإلى أين يصرفون عن الحق، الذي يفرض مضمونه على وجدانهم؟ وكيف يشركون بعبادته غيره؟ وكيف يستغرقون في الغفلة التي تبعدهم عن واقع الأمور.

* * *

رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون

{وَقِيلِهِ يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاَءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ} هذا ما كان النبي يقوله، لظهور الضمير في عودته إليه.. عندما كان يقدّم تقريره إلى الله بعد العناء الطويل الذي بذله في سبيل هدايتهم إلى الحق، وهو توحيد العقيدة والعبادة، فلم يلتفتوا إليه ولم ينفتحوا عليه، بل تمردوا وعاندوا، فكيف يواجه الموقف..؟ وكيف يتحمل هذه النتائج؟ وجاء جواب الله الحاسم يحدّد له التصرّف الرسالي الذي يجب أن يجسّده، وهو الانفتاح على الأفق الواسع الذي لا يتعقد الرسول من الفشل إذا انفتح عليه، وعاش فيه {فَاصْفَحْ عَنْهُمْ} ولا تحمل في قلبك حقداً عليهم، بل دع قلبك مفتوحاً على الأمل الكبير في رجوعهم إلى الحق {وَقُلْ سلامٌ} فلتكن كلمة السلام التي جاءت رسالتك من أجل حمل مضمونها إلى العالم، باعتبار أن الروح الإلهيّ يوحي للناس بالسلام من خلال رحمته التي سبقت غضبه عندما تفيض على القلوب الظمأى، والأرواح الحيرى، والمشاعر المظلمة، لتملأها بالريّ وتهديها إلى سواء السبيل، وتشرق في داخلها بالنور الذي يطرد الظلام {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} ويكتشفون النتائج السلبية لموقفهم، وينفتحون على الله ليعرفوا أنه الحق، وأن ما يدعون من دونه الباطل، وأنه على كل شيء قدير.