من الآية 17 الى الأية 33
الآيــات
{وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَآءهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ* أَنْ أَدُّواْ إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ* وَأَن لاَّ تَعْلُواْ عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ* وَإِنّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ* وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِي فَاعْتَزِلُونِ* فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلاَءِ قَوْمٌ مُّجْرِمُونَ* فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ* وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ* كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ* وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ* وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ* كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ* فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَآءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ* وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِى إِسْرَائيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ* مِن فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِّنَ الْمُسْرِفِينَ* وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ* وَآتَيْنَاهُم مِنَ الآياتِ مَا فِيهِ بَلاء مُّبِينٌ} (17ـ33)
* * *
معاني المفردات
{فَأَسْرِ}: الإسراء: السير بالليل.
{رَهْواً}: ساكناً.
{فَاكِهِينَ}: من فكاهة، بمعنى حديث الأنس.
* * *
ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون
.. ويتابع القرآن أسلوبه التربوي التذكيري الذي يفتح قلوب الناس على الحق في خط المسؤولية، وذلك باستعادة التاريخ الرسالي الذي تحرّك في ساحة الصراع بين الرسالة والتزامها الإيمان إنقاذاً للمستضعفين في الأرض، وبين خصومها وحركتهم الاستعلائية الساعية للمحافظة على امتيازات المستكبرين.. فيستعيد قصة مواجهة موسى لفرعون، والانتقام الإلهيّ منه في نهاية المطاف، انتصاراً للرسول وأتباعه، كي يوحي لمن يواجهون رسالة الإسلام بأن الله سوف ينصر رسوله في نهاية المطاف، وينتقم منهم بطريقةٍ وبأخرى.
{وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ} وامتحنّاهم بالقوّة والمال والسلطة التي حصلوا عليها في الملك الواسع الممتد الذي كانوا يتمتعون به، ويسيطرون على الضعفاء من خلاله.. فلم ينجحوا في تحقيق التوازن الذي يريده الله من عباده، والذي يستدعي حفظ حقوق الناس لديهم والعدل بينهم ومعهم، والتواضع لله والإخلاص في العبودية له، وإشاعة الخير بين الناس. وهكذا تمادوا في الاستكبار والتعسّف والطغيان والظلم للمستضعفين حتى كانوا يقتلون أبناء المستضعفين ويستحيون نساءهم، فأراد الله أن يقيم عليهم الحجة، ويفتح عيونهم على خطورة ما يعيشون فيه، والمصير الذي سينتهون إليه،{وَجَآءهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ} ليطرح عليهم قضية الاستكبار على المستضعفين إنسانياً، ليخرجهم من سلطتهم التي هي سلطة الظلم الذي لا مبرر له، {أَنْ أَدُّواْ إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ} وهم المستضعفون من بني إسرائيل الذين استعبدتموهم من دون حق، فهم عباد الله، وليسوا عباد الطغاة {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ} فلن أخون الله في رسالته، ولن أخون مسؤولية الإخلاص لكم في موقف الحق، فأَنا الأمين على كل شيء يتصل بالله في ما عهد إليّ، أو يرتبط بالناس في ما أوكل إلي أمره من هدايتهم إلى الحق.
{وَأَن لاَّ تَعْلُواْ عَلَى اللَّهِ} بالإِعراض عن رسالته، والتمرّد على أوامره ونواهيه، وترك سبيله، والاستكبار على عباده، والتكذيب لرسله { إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} وهو الحجة الواضحة أقدمها إليكم لتأكيد أني رسول الله إليكم، مما لا تستطيعون إنكاره، أو الاعتراض عليه بشيء.
{وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ} ولن أخاف منكم مهما حشدتم الجوّ بالتهاويل، ومهما استعرضتم أمامي ما تملكون من قوّة.. فقد لذت بربي وربكم الذي يملك أمري وأمركم، ويسيطر على مواقع القوة لديكم، من أن ترجموني وتريدوا بي سوءاً، {وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِي} وتستجيبوا لما أدعوكم إليه، {فَاعْتَزِلُونِ} واجتنبوني ودعوني وشأني كي أنطلق إلى الناس وأدعوهم إلى الله وإلى اتّباع رسالته، ولا تتعرضوا لي بسوء، كما أني لا أطلب منكم أيّ خيرٍ من ناحية الذات، وسأنطلق إلى ساحةٍ أخرى من ساحات الدعوة إلى الله.. ولكن القوم ازدادوا عناداً وازدادوا ضغطاً عليه، ولاحقوه وأصرّوا على اضطهاد قومه، ومنعوه من تحريرهم، وضيّقوا عليه الخناق.
* * *
موسى ينقذ قومه بمعجزةٍ إلهية
{فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلاَءِ قَوْمٌ مُّجْرِمُونَ} فقد تأصلت الجريمة في كيانهم حتى لم يعد ينفع في هدايتهم آية وسيلة من وسائل الترغيب والترهيب، وأيّ حجة. وستتحرك الجريمة في حياة الناس ـ من خلالهم ـ لتمتد في المستقبل ولتحكم حياة الأجيال القادمة، لأن هؤلاء سوف يمنعون امتداد الحق إلى الآخرين، عندما ينصبون الحواجز أمام الرسالة، لأنهم يملكون كلّ مواقع القوّة، في مراكز الحكم العليا، وفي ساحات الواقع الشامل لكل نشاطات الحياة.
.. وهكذا استجاب الله دعاءه في خطة إلهية أرادت أن تدفع موسى وقومه إلى الخروج من مصر بمعجزةٍ، ليلاحقهم فرعون وقومه ويغمرهم البحر بشكل نهائي.. وبدأت التعليمات تنزل على موسى في بداية الخطة الإِلهية..
{فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ} فسيلاحقكم فرعون وجنوده، لأنك نفذت شعارك في إنقاذ بني إسرائيل من حالة الاستضعاف التي يعيشون فيها والقهر والإذلال، وهو أمرٌ خطيرٌ بالنسبة للسلطة الاستكبارية، لأن فيه نوعاً من السقوط السياسي لمواقعهم القوية.
{وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً} أي ساكناً، بعد أن ينفتح أمامكم وتنحسر المياه عن أرضه في معجزةٍ إلهيةٍ، كي تقطعوه إلى الجانب الآخر، وذلك بأن تضربه بعصاك، وتتركه مفتوحاً ساكناً كي يغري المطاردين بدخوله لحاقاً بكم.
{إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ} فالخطة المرسومة تقضي برجوع الماء إلى موضعه، بعد دخول آخر جنديٍّ من جماعة فرعون، وخروج آخر شخصٍ من جماعة موسى، وأسدل الستار على مشاهد الظلم والطغيان وقهر الإنسان، وأغلق ذلك الجو كله، وبقيت العبرة تنتظر الناس الذين يأخذون من الماضي دروساً للمستقبل.
* * *
وأورثناها قوماً آخرين
{كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} من تلك الحقول المترامية المثقلة بالثمار الجنية، والفواكه اللذيذة، والمنفتحة على الخضرة الحلوة الساحرة، ومن تلك الينابيع المتدفّقة بالمياه العذبة التي تروي العطشى وتفجر الخصب في الأرض.. في ما كانوا يتفاخرون به، ويشعرون بالقوة من خلاله، على أساس المنطق الذي يرى في ذلك كله أساساً للشرعية الحاكمة {وَزُرُوعٍ} متنوعة {وَمَقَامٍ كَرِيمٍ} أي مساكن جميلة زاهية {وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ} أي مستأنسين، أو متمتعين به كما يتمتع بالفاكهة في ما تثيره من اللذة.
{كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ} كان واقع هؤلاء، في ما يتنعمون به، ويزهون به، ويفرحون به، ويتباهون به. ولكنّ ذلك لم يكن إلا حالةً طارئةً، ومرحلةً من المراحل التي عاشتها تلك الأرض، ثم جاءت مرحلة أخرى في جيل جديد {وَأَوْرَثْنَاها قَوْماً آخَرِينَ} لتكون هناك تجربةٌ جديدةٌ، من حياة الناس والأرض، {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ} لأنهم لا يمثّلون آية قيمةٍ في ميزان الحق والخير والعدل، ولا يملكون أية درجةٍ في آفاق الروح المتصلة بالله، ليحدث فقدهم من ساحة المسؤولية فراغاً كبيراً بالنسبة للحياة والإنسان، لتحزن عليهم السماء والأرض، كنايةً عن التأثر الكوني بما تركوه في الوجود، بل هم ـ على العكس من ذلك ـ يحتلّون في المضمون الإنساني للحياة موقعاً حقيراً لا يترك أيّ أثر من بعده، كما أنهم لا يملكون عند الله أيّ موقعٍ ليستجيب الله لهم طلب إمهالهم في الدنيا بعد أن يحين الأجل المحدَّد لهم فيها {وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ} فإذا جاء الأجل نفذ من دون تأخير، لأن مصلحة الحياة تفرض الموقف الذي يوحي بالابتعاد عنها، انطلاقاً من الحكمة الإلهية التي حددت لهم مواقعهم في الوجود، فلا أهمية لهم تنافي ذلك.
* * *
نجاة بني إسرائيل
.. وهكذا نجح موسى في تحقيق هدفه في إنقاذ بني إسرائيل من طغيان فرعون عندما قال له في بداية مواجهته: {وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائيلَ}.. وذلك بفضل الرعاية الإِلهية التي شمل الله هؤلاء المستضعفين بها.
{مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ} ومن ضغط الطاغية الذي كان يسخّرهم في خدمة مشاريعه العمرانية والعسكرية والاقتصادية من دون مراعاةٍ لحقوقهم الإِنسانية، ومن ذبح الأبناء واستحياء النساء وغير ذلك. {مِن فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِّنَ الْمُسْرِفِينَ الْمُسْرِفِينَ} فقد كان يعيش عقدة العلوّ في الأرض التي لا يملك أساساً معقولاً لها في عمق القيمة في شخصيته، أو في سعة المعرفة في فكره، أو في سموّ الروح في روحيته، ما يحوّل طموحه إلى عقدةٍ استكباريةٍ تتحرك في نزعة الاضطهاد للآخرين والاحتقار لإنسانيتهم، كما كان يعيش الإسراف في ظلمه وطغيانه وقوانينه المتعسفة التي تحطّم المعنى الإنساني في حياة الناس بما يتجاوز الحدود المعقولة.
{وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} لأنهم كانوا يملكون كفاءة تميزهم عن الناس في تلك المراحل التاريخية، كما كانت تفرض الظروف الموضوعية. فأَرسلنا منهم كثيراً من الأنبياء، وأنزلنا عليهم المنّ والسلوى وظلّلنا عليهم الغمام، وأفضنا عليهم الكثير من نعمنا التي لم نؤتها أحداً من العالمين.. ولكن ذلك لا يعني القيمة المطلقة في ميزان القرب من الله، كما حاول البعض في مرحلةٍ معينة إثارته من حيث إنهم أولياء الله وأحباؤه، ليميِّزوا أنفسهم عن الناس. فقد كان الخط الإيماني يتحدث عنهم، كبشرٍ ممن خلق الله، يواجهون المسؤولية كما يواجهها بقية البشر الذين يعذبهم الله بذنوبهم، ويغفر لهم، من دون أية ميزةٍ ذاتيةٍ أو طبقيةٍ، ما يجعل من النعمة اختباراً وامتحاناً، بحيث تنسجم مع الحكمة الإلهية في تنظيم الواقع العملي للناس.
{وآتَيْناهُم مِنَ الآياتِ مَا فِيهِ بَلاء مُّبِينٌ} مما يختبر الله به عباده ليؤمنوا به، وليطيعوه ولينفذوا إرادته في حركة الحياة.. فإذا انسجموا مع خط الإيمان أعطاهم ما يحبون من نعمته ورضوانه، وإذا ابتعدوا عنه أنزل عليهم عذابه وسخطه..
وهذا هو التاريخ الرسالي الحركيّ يقدمه الله للنبي وللمسلمين معه ليوحي بالنصرة، كما يقدمه للمتمردين عليه، لينذرهم بالعذاب والهوان.
تفسير القرآن