المقدمة
سورة محمد
مكية وآياتها ثمان وثلاثون
في أجواء السورة
وهذه سورة مدنية، تتحرك آياتها في خط المقايسة بين صفات المؤمنين والكافرين، وتتحدث عن ضلال الكافرين الذين وقفوا حاجزاً بين الناس وبين سبيل الله، والتزموا الباطل في فكرهم وحركتهم، ما جعل المؤمنين يتخذون منهم موقفاً حاسماً يقضي بقتالهم لتعطيل تحرّكهم المضادّ للإسلام وأهله في الدعوة والامتداد.
أمّا المؤمنون، فقد ساروا في خط الهدى، وعملوا الصالحات، وآمنوا بالقرآن، وهو الحق النازل من الله، واتبعوا الحق، وجاهدوا في سبيل الله، فأصلح الله بالهم، وهداهم إلى مواقع رضاه، وأدخل الشهداء منهم الجنة التي عرّفها لهم.
ثم تطوف السورة في تفاصيل المواقع والمواقف والأشخاص، فتخاطب المؤمنين لتدفعهم إلى الجهاد كتعبير حيّ عن نصر المؤمن لربّه، ولتطمئنهم إلى أن الله ينصرهم ـ في اتجاههم هذا ـ ويثبّت أقدامهم، ثم تحدثهم عن مستقبلهم في الآخرة وعن الجنات التي تجري من تحتها الأنهار، وتحتوي على كل ما يستلذّه الإنسان وما يشتهيه، وعن مغفرة الله ورضوانه...
أمّا الكافرون، فإنهم التعساء الذين كرهوا ما أنزل الله، فأضلَّ أعمالهم وعاشوا الغفلة المطبقة التي منعتهم من أخذ العبرة من تاريخ الكافرين من قبلهم الذين دمّر الله كل مواقعهم، واستغرقوا في ذواتهم حتى زيِّن لهم سوء أعمالهم، ولحقوا بشهواتهم التي يمارسونها كما تمارسها الأنعام، أمّا النهاية، فهي قيام الساعة، وأمَّا العذاب، فهو عذاب جهنم وبئس المصير...
ثم تنطلق السورة مع المنافقين الذين كانوا يمثلون خطراً على الإسلام والمسلمين، لتحالفهم مع اليهود الذين كانوا يقومون بدورهم التخريبـي نفسه. وتتناول السورة تنوع أساليب المنافقين في مواجهة الرسول، وتحدّد ملامحهم عند نزول التشريع الجهادي.
وتبقى السورة في جو التشديد لعزم النبي ومن آمن معه، والتحذير من المنافقين والجبناء والمفسدين والمخالفين لرسول الله، وتؤكد لهم أنهم لن يضروا الله شيئاً.
وتختتم السورة بنداءٍ للمؤمنين، تطلب منهم فيه الطاعة والصبر والبذل في سبيل الله، وتدعوهم إلى فَهْم الحياة جيداً، وإلى معرفتها بأنّها لعبٌ ولهوٌ، وأن عليهم الاستمرار في هذا الخط الرسالي الجهادي الواعي المتحرك في كل الساحات، المنفتح على الله، وعدم الابتعاد عن الساحة، لأن الله سيستبدل بهم قوماً غيرهم ثم لا يكونون أمثالهم.
وفي ضوء ذلك، نفهم أن هذه السورة تمثّل الحركيّة الإسلامية في خط الدعوة والجهاد، وتفتح للمؤمنين نوافذ الوعي للمستقبل، وللمجتمع الذي يعيش فيه الإنسان المجاهد أو الداعية، ليعرف كيف يحرّك الرسالة في خط الواقع.
تفسير القرآن