تفسير القرآن
محمد / من الآية 1 إلأى الآية 6

 من الآية 1 الى الآية 6

الآيــات

{الذين كفروا وصدّوا عن سبيل الله أضلّ أعمالهم* والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نُزّل على محمد وهو الحقّ من ربهم كفّر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم* ذلك بأن الذين كفروا اتّبعوا الباطل وأنّ الذين آمنوا اتّبعوا الحقّ من ربّهم كذلك يضرب الله للناس أمثالهم* فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشُدّوا الوثاق فإمّا مَـنّاً بعد وإما فداءً حتى تضع الحرب أوزارها ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعضٍ والذين قُتِلوا في سبيل الله فلن يُضل أعمالهم* سيهديهم ويُصلح بالهم* ويدخلهم الجنة عرّفها لهم} (1ـ6).

* * *

معاني المفردات

{وَصَدُّواْ}: منعوا.

{أَضَلَّ}: أحبط.

{بَالَهُمْ}: البال: الحال والشأن، والبال: القلب أيضاً.

{فَضَرْبَ الرّقَابِ}: فاضربوا الرقاب ضرباً.

{أَثْخَنتُمُوهُمْ}: الإثخان: إكثار القتل، وغلبة العدوّ.

{فَشُدُّواْ الْوَثَاقَ}: أحكموا وثاقهم في الأسر.

{أَوْزَارَهَا}: الأوزار: الأثقال، وهنا السلاح.

{لّيَبْلُوَ}: ليمتحن.

* * *

ضلال أعمال الكافرين وإصلاح بال المؤمنين

{الَّذِينَ كَفَرُواْ} بالله، وبالتوحيد، وبالنبوّات، وباليوم الآخر، {وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ} فوقفوا حاجزاً بين الدعوة وبين الناس الذين يحتاجون إلى ما تدعوهم إليه من سير في طريق الله، لأنه يؤدي إلى الخير والعدل والحرية في الدنيا، وإلى الجنة في الآخرة، فهو الطريق الوحيد الذي يملكون فيه خلاص الروح، وطمأنينة القلب، واستقامة الجسد... وابتدعوا كل الوسائل التي تعمّق هذا الحاجز بين الناس وبين الله، بحيث يخيّل للإنسان أن الطريق إلى الله مسدودٌ أمامه من كل الجهات. هؤلاء المحاربون لرسالة الله في فكرهم وفي ساحة الحياة العامة كلها، كيف يعاملهم الله؟ وما هي النتائج المترتبة على مشاريعهم؟ لقد {أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ} فهي ضائعةٌ ضياع السائر في التّيه على غير هدًى، وهي باطلة بطلان البحث عن النجاح من دون أساسٍ، لأنّ الإنسان إذا أضاع الله في فكره وروحه، وفقد هداه في قلبه وبصيرته، وابتعد عن نهجه في حياته، لن يلتقي بالهدى الذي يحفظ خطاه من الزلل، ونهجه من الانحراف، وعمره من الضياع.

وقد نستوحي من إضلال الأعمال، إبطال كل المشاريع التي أريد بها نصب الحواجز في طريق الدعوة، لأن الدعوة سوف تنتصر بإذن الله على كل تحديات الكفر والشرك والضلال.

{وَالَّذِينَ آمَنُوا} بالله ورسله ورسالاته واليوم الآخر، {وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ} التي تمثل التجسيد العملي للتشريع الرسالي في خط الصلاح المرتكز على الإيمان، {وَآمَنُواْ بِمَا نُزّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ} من القرآن، {وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبّهِمْ} الذي لا ريب فيه، {كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيّئَاتِهِمْ} التي عاشوها في تاريخهم المليء بالانحرافات الفكرية والعملية، {وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ} فلم يعد في بال المؤمن المنفتح على الله أيُّ مكان للقلق، وللحَيْرة، وللتعفّن الروحي والأخلاقي، وللفساد في النوايا والدوافع التي تتحوّل ـ غالباً ـ إلى واقع، بل هناك المعنى الروحي الذي يوحي بالرشاد والطمأنينة والثقة والطهارة الروحية، والصلاح الفكري والأخلاقي الداخلي الذي يفكر بخطة الصلاح العملي.

وتلك هي القضية التي ركز القرآن على كونها غاية الرسالات على امتداد تاريخ الإنسان، وهي أن يصبح البال مسكوناً بالإنسانية المؤمنة الصالحة المنفتحة على الله، وبالطمأنينة الروحية، والاستقرار الفكري، بحيث تكون كل مفردات الرسالة في خدمة هذا الهدف الذي تمثّله كلمة «النفس المطمئنة الراضية المرضيّة».

* * *

سرّ إضلال أعمال الكافرين وإصلاح بال المؤمنين

ولكن، ما هو سرّ إضلال الأعمال هنا، وإصلاح البال هنا؟

{ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ اتَّبَعُواْ الْبَاطِلَ} الذي يبتعد بالحياة عن الصراط المستقيم وبالإنسان عن الإيمان بالله، وعن الحق والخير والعدل في بناء الوجود، ما يجعل الباطل ضد الله والحياة والإنسان، ويؤدي بالإنسان إلى السقوط والضياع في متاهات الأوهام {وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّبَعُواْ الْحَقَّ مِن رَّبّهِمْ} بحيث حافظوا على التوازن بين الحق الذي يقوم عليه الكون، والحق الذي يتحرك فيه الإنسان مع الله. وإذا كان الكون والإنسان مع الله، فهناك الانسجام الروحي والفكري بين الخط ومصلحة الواقع.

{كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ} ليعرفوا الخط الذي يسيرون عليه، من خلال النماذج الإنسانية التي تمثل حركة الخط في دائرة الصراع بين الحق والباطل، وليحددوا لأنفسهم الفواصل التي تفصل بينهم وبين الباطل على مستوى المصير المرتبط بواقع الإنسان الفكري والعملي.

* * *

ضرب رقاب الذين كفروا

{فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ الرّقَابِ} لأن الساحة مفتوحة لأن تكون تحت سيطرة الكفر والشرك، أو تحت سيطرة الإيمان والإسلام، وليس هناك مجال للحوار الهادىء العاقل الذي طرح النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) إجراءه معهم استجابة لأمر الله الذي دعاه إلى الدعوة إلى سبيله بالحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن، لأنهم رفضوا الحوار، وواجهوا المسلمين بالقتل والاضطهاد والتهجير، وبالفتنة عن دينهم، ومحاولة منعهم الناس من دخول الإسلام بمختلف الوسائل، وبإضعاف قوّة الإسلام، للإيحاء بأن الانتماء إليه لا يمنح الإنسان قوّةً في المجتمع الذي يتحرك أفراده بمنطق القوّة.

وهكذا كانت الحرب التي يضعف فيها الشرك، هي الحلّ الوحيد في تلك الظروف وفي كل الظروف المماثلة، من أجل إضعاف القوّة المضادّة. وهذا ما جعل القضاء عليهم بضرب الرقاب أمراً حاسماً، {حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ} بما يوحي به الإثخان من إكثار القتل وغلبة العدوّ وقهره والسيطرة على المعركة، {فَشُدُّواْ الْوَثَاقَ} أي فائسروهم ليكون الأسر لوناً آخر من ألوان الاستيلاء على الساحة، وذلك من أجل إدارة المعركة في اتجاهٍ آخر، يحاول أن يدخل هؤلاء المقاتلين من الكفار إلى الدائرة الإسلامية بعد أن ضعفت قوّتهم، وتساقطت مواقعهم، بحيث لم يعد وجودهم في تلك المرحلة خطراً على الإسلام، لأنه ـ أي الإسلام ـ لا يستهدف القتل من عقدةٍ ذاتيةٍ، بل من مصلحةٍ واقعيةٍ، ولذلك كانت الغاية حسم المعركة لصالح المسلمين، فإذا تحقق ذلك، فرض الواقع إيجاد جوّ تنمو فيه الدعوة في نفوس هؤلاء الأسرى، أو تقوى به مالياً.

{فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ} إما تمنّون عليهم منّاً بإطلاقهم والعفو عنهم، إذا ما رأى وليّ الأمر مصلحة في ذلك، لأن فيهم القابليّة للإسلام، أو لأنه يرى العفو أسلوباً يخدم الإسلام كدين متسامح وإنساني لا يخاف من إطلاق الأسرى من الأعداء، ويحافظ على إنسانيتهم؛ {وَإِمَّا فِدَآء} بالمال يدفعه الأسرى الأغنياء أو أقرباؤهم، لتقوية الموقع المالي للمسلمين، في الظروف التي يحتاجون فيها إلى المال تبعاً لتقدير وليّ الأمر، {حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} أي أثقالها، فيلقي المحاربون السلاح، وتنتهي الحرب بانتصار المسلمين.

* * *

تشريع الأسر بين سورتي محمد والأنفال

وقد يلاحظ البعض أن هذا الحكم المذكور في الآية مناف للحكم المذكور في سورة الأنفال في قوله تعالى: {ما كان لنبيٍّ أن يكون له أسرى حتى يُثخِنَ في الأرض} (الأنفال:67)، الدالّة على عدم تشريع الأسر في المعركة إلا بعد الإثخان في الأرض، الذي قد يوحي بسيطرة المسلمين الشاملة في أكثر من معركة، بحيث يكونون قد حققوا انتصاراً في أكثر من موقع على الأرض، لا في داخل المعركة نفسها، لذلك ذهب هذا البعض إلى اعتبار هذه الآية ناسخة لآية الأنفال، لأن هذه السورة نزلت بعدها.

وأجاب صاحب تفسير الميزان، وغيره، بعدم المنافاة بين الآيتين، لأن آية «الأنفال» تتحدث عن المنع عن الأسر قبل الإثخان[1]، بينما آية «محمد» تتحدث عن الأسر بعد الإثخان، فأين المنافاة؟.

وقد نلاحظ على هذا الجواب، أنَّ لقائلٍ أن يقول: إن الإثخان الذي تتحدث عنه الآية في هذه السورة، هو الإثخان في المعركة التي يقع الأسر فيها، بينما تتحدث الآية الأخرى عن الإثخان في الأرض الذي هو كناية عن امتداد القوّة في مجمل المعارك التي يخوضها الإسلام ضد الكفر وينتصر فيها.

ولكن لا مانع من التصرف في ظهور الآية الأولى التي عالجت الأسر في دائرة خاصة، حيث شغل المسلمين الإكثارُ من الأسرى في معركة بدر، عن التركيز على قتل أكبر عددٍ ممكنٍ من الأعداء لتحطيم قوتهم القتالية بالقضاء على قوتهم العددية، ما يجعل من مسألة الإثخان في الأرض، كنايةً عن الحصول على القوة التي يضعف أمامها العدوّ، لا سيّما في تلك الظروف التي يكون فيها الانتصار على العدوّ في المعركة الأولى، حيث لا تكافؤ في ميزان القوّة بين المسلمين والمشركين، عنواناً كبيراً من عناوين تأكيد القوَّة الإسلامية في الساحة.

وقد ذكر بعضهم أن هذه الآية منسوخةٌ بآية السيف في قوله تعالى: {فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} (التوبة: 5)، ولكن هذه الآية خاصةٌ بالمشركين، ولا مانع من أن يكون خاص مخصصاً للعام الوارد بعده، لا ناسخاً له، وقد ذكر علماء الأصول أنّ التخصيص مقدّمٌ على النسخ، مع ملاحظةٍ أخرى، وهي أن جوّ آية التوبة هو جوّ ملاحقة المشركين بعد انتهاء المعاهدة، ليكون الموضوع إنهاء حالة السلم، دون نظر إلى طبيعة التفاصيل، في الوقت الذي كان الإسلام فيه يملك السيطرة الشاملة على الموقف، بينما تتحدث هذه الآية عن سير الموقف القتالي في الطبيعة العامة للحرب.

وقد يتساءل القارىء للقرآن، بأن هذه الآية لم تتحدث عن قتل الأسير وعن استرقاقه، في الوقت الذي يجد الإنسان فيه بعض الروايات الدالة على تخيير الوليّ للمسلمين، في دائرة الاسترقاق أو القتل. وقد جاء في مجمع البيان للطبرسي قال: «والمرويّ عن أئمة الهدى ـ صلوات الرحمن عليهم ـ أن الأسارى ضربان: ضربٌ يؤخذون قبل انقضاء القتال، والحرب قائمةٌ، فهؤلاء يكون الإمام مخيَّراً بين أن يقتلهم أو يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ويتركهم حتى ينزفوا، ولا يجوز المنّ ولا الفداء.

والضرب الآخر، الذين يؤخذون بعد أن وضعت الحرب أوزارها وانقضى القتال، فالإمام مخيّرٌ بين المنّ والفداء، إمَّا بالمال أو بالنفس، وبين الاسترقاق وضرب الرقاب، فإذا أسلموا في الحالين، سقط جميع ذلك، وكان حكمهم حكم المسلمين»[2].

وقد يكون ذلك منطلقاً من الحكم الخاضع للمصلحة التي يجدها وليّ الأمر في ذلك، أو في عدم الاحترام الذاتي للكفار إلا أن يسلموا، ما يجعل الخيار طبيعياً من هذه الناحية، لا من الحكم الخاص بالأسرى، أو من نسخ هذا الحكم بالآيات المذكورة في سورة التوبة التي ألمحنا إليها وإلى مناقشة فكرة النسخ آنفاً.

* * *

لو شاء اللَّه لانتصر منهم

{ذلِكَ} الحكم الذي أصدره الله بالقتال، هو الموقف الذي تقتضيه طبيعة الصراع القويّ، {وَلَوْ يَشَآء اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ} فأهلكهم وعذّبهم من دون حاجة إليكم في إنفاذ ذلك، {وَلَكِن لّيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ} ليمتحن المؤمنين بالكفار، ويختبر صبرهم وطاعتهم وقوّتهم في مواجهة التحديات الصعبة الموجّهة إليهم من قبل الآخرين، ليزدادوا قوّةً وخبرةً في خط المواجهة، وليمتحن الكافرين بالمؤمنين، ليتميز الناس في خط الكفر والإيمان في ساحة المعاناة، لتكون الإرادة الإنسانية هي التي تحدد ساحة الصراع وتحسم الموقف فيها، والله لم يجعل النصر خاضعاً للغيب، لأنه أراد للناس الإيمان عن إرادة واختيارٍ.

{وَالَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} من المؤمنين الذين خاضوا معركة الكفر والإيمان بإخلاصٍ وصدقٍ وتضحيةٍ لتكون كلمة الله هي العليا، {فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ} لأنها تحتوي في داخلها على العمق الإيماني الذي يحقق لهم ما أرادوه فيها من رضوان الله ونعيمه في جنته. ولهذا، فإن الله الذي اطّلع على الصدق في النية، والإخلاص في الموقف، لن يبطل أعمالهم كما أبطل أعمال الكافرين، بل يمنحهم أجرها العظيم، حيث إنه {سَيَهْدِيهِمْ} إلى رضوانه وجنته {وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ}، فيحقق لهم الرضى القلبي والطمأنينة الروحيّة، التي تتحول إلى واقعٍ حيّ يعيشون فيه الراحة والاستقرار والسعادة، ويحقِّقون فيه لأنفسهم ـ من خلال ألطاف الله ـ الكثير من الخير، {وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ} قبل ذلك، فكانت غايةً لأعمالهم، أو عند الموقف في القيامة، فأقبلوا على الدخول فيها إقبال العارف بها المشتاق إليها، المنفتح عليها بكل عقله وروحه وحياته.

ـــــــــــــــــــــ

(1) تفسير الميزان، ج:18، ص:229.

(2) الطبرسي، أبو علي، الفضل بن الحسن، مجمع البيان في تفسير القرآن، دار إحياء التراث العربي، بيروت ـ لبنان، ط:1، 1406هـ ـ 1986م، ج:9، ص:126.