تفسير القرآن
محمد / من الآية 7 إلى الآية 13

 من الآية 7 الى الآية 13

الآيــات

{يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبّت أقدامكم* والذين كفروا فتعساً لهم وأضلّ أعمالهم* ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم* أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمّر الله عليهم وللكافرين أمثالها* ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأنّ الكافرين لا مولى لهم* إن الله يُدخِل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنّاتٍ تجري من تحتها الأنهار والذين كفروا يتمتّعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوىً لهم* وكأيِّن من قريةٍ هي أشدّ قوةً من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم} (7ـ13).

* * *

معاني المفردات

{فَتَعْساً}: التعس: الانحطاط والعثار.

{مَثْوًى}: منزل.

* * *

إن تنصروا اللَّه ينصركم

ما هو دور المؤمن، وما هي مسؤوليته تجاه الإيمان بالله؟ هل هو الاستسلام للجوّ العباديّ الروحيّ الذي يستسلم للّذّة الروحية في حالة السلم والاسترخاء الأمني، أم هو الاندفاع في خط مواجهة التحديات الصعبة التي تثيرها معركة الإيمان والكفر، ليقف بقوّة يستمدها من روحه المرتبطة بالله، لأن الروح ليست مجرد حالةٍ في المزاج، بل هي ـ في العمق ـ موقف متصل بقوّة الله وعظمته؟

إن الآية الأولى تتحدث عن نصرة الإنسان المؤمن لله، وذلك بنصرة دينه وأوليائه، ومواقع طاعته ورضاه، فذلك هو الموقف الحاسم الذي لا بد للمؤمن من أن يقفه في ساحة الصراع.

{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِن تَنصُرُواْ اللَّهَ يَنصُرْكُمْ} هل يحتاج الله إلى نصرة وهو ناصر المؤمنين؟ النصرة هنا ليست نصرة الذات الإلهية التي هي فوق العالمين جميعاً، بل هي نصرة الموقف الذي يرتبط بالله في مواقع الرسالة، عندما يندفع المؤمنون ليواجهوا أعداء الله، ليكون الدين كله له. وبذلك يمدّكم الله بأسباب النصر بعين رعايته وعنايته {وَيُثَبّتْ أَقْدَامَكُمْ} فلا تهتزّ أمام تهاويل الرعب التي يحشدها الأعداء في وجوهكم، وزلزال الخوف الذي يثيرونه في أفكاركم وقلوبكم، ولن يفلح الكافرون الذين يخططون ويتحركون في ساحتكم.

{وَالَّذِينَ كَفَرُواْ فَتَعْساً لَّهُمْ} فهم غارقون في وحول التعاسة التي تثقل أرواحهم، وضائعون في متاهات الخيبة والخذلان والخسران التي تضيع فيها مواقفهم، وأية تعاسةٍ أشد من أن يتطلع الإنسان إلى مستقبله، فلا يرى إلا الفراغ القاتل والضياع الهائل، وينظر إلى مصيره، فلا يبصر إلا النار، ويلتفت في الأعالي، فلا يجد إلا غضب الله وسخطه والدعاء عليه بالتعاسة المطلقة في كل شيء؟ {وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ} لأنها في طبيعتها في خط الضلال، لا علاقة لها برحمة الله في شيء، {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُواْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ} من قرآنه وشريعته ونهجه في تنظيم حياة الإنسان، لأنه لا يتفق مع مزاجهم الشهواني، ومع امتيازاتهم الذاتية أو الطبقية، ومع انفعالاتهم العصبية التي نشأوا عليها بفضل قيم الكفر والشرك، حتى أصبحت من ذاتياتهم الشخصية المفتوحة على كل آفاق اللذّات والأطماع والشهوات، والمنغلقة على كل دعوات الأديان والرسالات، {فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} وأبطلها، حتى لم يبق منها أيّ شيء، ولم ينتج عن الجهد المبذول فيها أي ثواب يرجوه العاملون عادة من أعمالهم لا في الدنيا ولا في الآخرة، فتحوّلت إلى رمادٍ اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون على شيءٍ مما كسبوا. وتلك هي القاعدة التي ترتكز عليها إنتاجية الأعمال الصالحة التي يقوم بها الناس في الدنيا، فإنّ كل عمل لا ينطلق من الإيمان الداخلي العميق بالله ويمتد إلى الواقع على هذا الأساس، لا يملك عمقاً في رضى الله ولا امتداداً في قضية المصير، فلا بدّ من أن ينفتح الإنسان على محبة ما أنزله الله، ليتجذّر الحب في الوجدان، ويتجسد حركةً في الواقع، ليكون عمله صالحاً منتجاً، وإلاّ كان الإحباط في العمل.

* * *

اللَّه مولى المؤمنين، والكافرون لا مولى لهم

{أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرْضِ} مسيرة فكر وتأمل وملاحظة عميقة واعية تلاحق الحقيقة في الظواهر الإنسانية في ولادة المجتمعات وحركتها وهلاكها، {فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} ممن كفروا بالله ورسله ورسالاته، وتمرّدوا على أوامره ونواهيه، {دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} أهلك كل ما يتعلق بهم من أهلٍ ومالٍ وأولاد ومساكن، {وَلِلْكَافِرِينَ} الذين كفروا بالنبي {أَمْثَالُهَا} من العقوبة، بسبب كفرهم، لأنَّه لا فرق في مسألة الكفر التي يستحق عليها الناس التدمير بين الأوّل والآخر.

{ذلِكَ} الذي يرعى الله به المؤمنين من نصره، ويوقع بالكافرين من عذابه {بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُواْ} يلطف بهم ويحنو عليهم ويرحمهم، ويتعهدهم بالرعاية الدائمة التي تنفتح على كل قضاياهم في آلامهم وآمالهم، {وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لاَ مَوْلَى لَهُمْ} لأنهم ابتعدوا عن الله، ولم يكن لهم أولياء من دونه، لأن الولاية لله وحده، فلا ولاية لغيره في كل شيء.

{إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جَنَاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ} لما يفرضه الإيمان والعمل الصالح من نتائج طيبة على مستوى المصير، ما يعوّض الكثير من ألوان الحرمان المادي الذي عانى منه المؤمنون في الدنيا، بما فيها من طعام وشراب ولذات وشهوات حسية في أجسادهم، {وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَمَتَّعُونَ} بالحياة الدنيا في شهواتها ولذاتها، {وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأنْعَامُ} إشباعاً لجوع الغريزة الكامنة في أجسادهم، الباحثة عما يسد رمقها ويرضي شهوتها، دون أيّ هدفٍ آخر يتصل برضوان الله في حركة المسؤولية، تماماً كما هي الأنعام التي تتمتع وتأكل من غير هدفٍ معنويَ، لتكون نهايتها الذبح، {وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ} في نهاية المطاف، حيث تأكل النار أجسادهم ولذاتهم وشهواتهم ولا يبقى منها شيء.

{وَكَأَيّن مّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مّن قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ} كان لأهلها السلطة والمنعة والقوّة والبأس والشدة ما لا يملكه أولئك المشركون من أهل مكة الذين كانوا يضطهدونك في رسالتك، {أَهْلَكْنَاهُمْ فَلاَ نَاصِرَ لَهُمْ} ينصرهم من الهلاك، ولن يكون مصير قومك بأفضل من مصير تلك القرى.