تفسير القرآن
محمد / من الآية 14 إلأى الآية 15

 من الآية 14 الى الآية 15
 

الآيتـان

{أفمن كان على بيّنةٍ من ربّه كمن زُيّن له سوء عمله واتّبعوا أهواءهم* مثل الجنّة التي وُعِد المتقون فيها أنهارٌ من ماءٍ غير آسنٍ وأنهارٌ من لبنٍ لم يتغيّر طعمه وأنهارٌ من خمرٍ لذّةٍ للشاربين وأنهارٌ من عسلٍ مصفّى ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربّهم كمن هو خالدٌ في النار وسُقوا ماءً حميماً فقطّع أمعاءهم} (14ـ15).

* * *

معاني المفردات

{آسِنٍ}: غير متغير لطول المقام.

{لَّذَّةٍ}: لذيذة.

{حَمِيماً}: شديد الحر.

* * *

أفمن كان على بيّنةٍ من ربه كمن زُيِّن له سوء عمله؟

{أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ} في ما استطاع أن يصل إليه من أدلّةٍ وبراهينٍ، في ما توصّل إليه عقله، وما استفاده من وحي الله، مما جعله يملك وضوح الرؤية في الموقع الأعلى الذي يمثله الله من ساحة وجوده وحركته، وفي المصير الذي ينتهي إليه عنده من خلال عمله، فعرف الفرق بين الحق والباطل، والخط الفاصل بين الخطأ والصواب، والخير والشرّ، {كَمَن زُيّنَ لَهُ سُوء عَمَلِهِ} فاختلطت عليه الأشياء، فلم يميز بين العمل الحسن والعمل السيّىء، بسبب خضوعه لنوازعه الذاتية التي جعلها مقياس الحسن والقبح في الأشياء، ما جعله ينظر إلى عمله السيّىء، فيتطلع إليه بعين الرضى التي تجعله يرى القبيح حسناً، فيخيّل إليه أنه يتحرك في الخير، في الوقت الذي يتخبط فيه في وحول الشر.

وهذا هو الفرق بين من يملك قاعدةً موضوعيةً منفصلةً عن ذاته بحيث يخضع لها في نظرته إلى الأمور، وبين من تحرّكه الأهواء الذاتية بحيث يختلط عليه عنصر الغريزة التي تثير الرغبة، بعنصر المصلحة التي تحدّد الموقف، فلا يتميز الموقف لدى هؤلاء في دائرة العمق الواقعي للمصلحة، فيسقطون أمام النتائج السيئة في نهاية المطاف، لأنهم تركوا عقولهم {وَاتَّبَعُواْ أَهْوَاءهُمْ} التي تهتز في ذواتهم وفي حياتهم، فتهز لهم وجودهم في الحياة.

* * *

صفة مأوى المتقين

{مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ} في صفتها الحسيّة التي تجتذب الإحساس الباحث عمّا يروي ظمأه، ويشبع جوعه، ويثير لذته، {فِيهَآ أَنْهَارٌ مّن مَّآء غَيْرِ آسِنٍ} أي غير متغير، كما يتغير الماء الذي يطول مكثه في مكان واحد، {وَأَنْهَارٌ مّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ} بعوامل التغيير، لأنه غير خاضعٍ للفساد في نفسه، {وَأَنْهَارٌ مّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لّلشَّارِبِينَ} أي لذيذ لهم، دون أن يكون فيها ما يسيء إلى توازن الإنسان في عقله وفي حسّه، {وَأَنْهَارٌ مّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى} خالص من كل الشوائب التي قد يحتويها العسل عادة من الشمع والرغوة والقذى ونحو ذلك، {وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلّ الثَّمَراتِ} التي يشتهونها ويستلذونها من جميع الأصناف، {وَمَغْفِرَةٌ مّن رَّبّهِمْ} بما توحيه من رحمة ومحبة ورضوان، ما يجعل أهل الجنة في جوّ من المتعة الحسيّة والروحية. فهل ترى أن هؤلاء الذين يعيشون في نعيم الجنة ورضوان الله، {كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ} من أولئك الذين كفروا بالله فأنزل عليهم عذابه {وَسُقُواْ مَآء حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَآءهُمْ} لشدة حرارته التي تقطّع الأمعاء وتلهب الجسد؟