من الآية 16 الى الآية 19
الآيــات
{ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للّذين أوتوا العلم ماذا قال آنفاً أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتّبعوا أهواءهم* والذين اهتدوا زادهم هدىً وآتاهم تقواهم* فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيَهُم بغتةً فقد جاء أشراطها فأنّى لهم إذا جاءتهم ذكراهم* فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبِكَ وللمؤمنين والمؤمنات والله يعلم متقلّبكم ومثواكم} (16ـ19).
* * *
معاني المفردات
{آنِفاً}: مأخوذ من الأنف بمعنى الجارحة، ومعناه الساعة التي قبيل ساعتك، وقيل: معناه هذه الساعة.
{أَهْوَآءهُم}؛ الأهواء: جمع هوى، وهو شهوة النفس.
{بَغْتَةً}: فجأة.
{أَشْرَاطُهَا}؛ الأشراط: العلامات.
* * *
المنافقون على المحكّ
وهذا حديث عن المنافقين، وهم الفئة المستورة من الكافرين، لأنهم يبطنون الكفر ويظهرون الإيمان، في سبيل التأثير السلبي على حركة الإسلام في الدعوة والحياة، عبر استعمال قدراتهم الذاتية في إرباك الواقع الإسلامي من الداخل، أو عبر تحالفاتهم العدوانية مع المشركين واليهود الذين يشكِّلون المجتمع المعادي لعقيدة الإسلام ومجتمعه، الأمر الذي جعل منهم مشكلةً صعبةً في عهد النبوّة المدنيّ الذي كان يعمل النبي فيه على تمتين قواعد المجتمع على مستوى المنهج والعلاقات، وعلى تركيز الثبات في مواجهة التحديات، وفي تحريك المواقع، فقد كان المنافقون يعملون على إيجاد عوامل الاهتزاز الروحي الذي يُفقِد المسلمين ثقتهم بأنفسهم، ويخلق لديهم التوتُّر الشعوري الذي يؤدّي بهم إلى الارتباك والبعد عن التوازن والتركيز الفكري والعملي. وكانوا ـ أي المنافقين ـ يواجهون المواقف بطريقةٍ تختزن في داخلها الحقد والتآمر والعدوان، وتُظهر المحبة والغيرة والصداقة، فيجتذبون بعض البسطاء إليهم، ويثيرون الشبهات في حركة الرسالة والرسول، ويستغلّون مواقعهم العائلية والاجتماعية للوصول إلى أهدافهم المشبوهة.
وقد خاض الإسلام معركته مع النفاق، فكرياً وعملياً، كما خاضها مع الكفر، ولذلك جاءت الآيات القرآنية المتكررة التي تحدّثت عن ملامحهم وأوضاعهم وخططهم، لتصنع وعياً إسلامياً داخلياً يطوّقهم ويحاصرهم ويفسد مخططاتهم ويمنعهم من الوصول إلى أهدافهم ضد الإسلام والمسلمين، ولكنّه لم يدخل معهم في معركةٍ عسكرية، لأن الظروف التي كانت تحيط بالواقع الإسلامي لم تسمح بذلك، لا سيّما في أجواء التحديات الصعبة التي كان يتعرض لها من قِبَل المشركين واليهود في حربه معهم، ما كان يفرض البعد عن الصراع الداخلي وتحصين الموقف بما يحميه من السقوط.
* * *
المنافقون وموقفهم من النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلّم)
{وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ} في اهتمامٍ ظاهريَ يوحي بالرغبة في المعرفة والحاجة إلى الاستفادة، كغيرهم من المسلمين الذين يجتمعون إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) عندما كان يتلو القرآن أو يعظ أصحابه، لأنهم كانوا يعملون على إظهار الاندماج في المجتمع المسلم، كي يكسبوا الثقة الاجتماعية التي تتيح لهم الدخول في مشاريعه والتدخل في أموره، {حَتَّى إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفاً} في لهجة من يريد الاستعلام عن بعض المفاهيم التي لم تتضح له طبيعتها، ولكنها تحمل إيحاءً بأن كلام النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلّم) غير مفهوم لأنه لا يعبّر بوضوحٍ عن فكره، ما يجعل السامعين لا يفهمون ما يريد، فيبادرون إلى الاستفهام ممن يملكون العلم، ليروا هل أن المسألة هي مسألة قصور فهم لدى السامعين، أو مسألة قصور تعبير لديه؟ وربّما كان حديث القرآن عن تساؤلهم ذاك وارداً مورد الإيحاء بأن استماعهم للنبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) لم يكن ناشئاً عن وعي لكلامه، بل كانت قلوبهم لاهيةً عنه، مشغولةً بأفكارٍ أخرى كانوا يفكرون بها أثناء حديث النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم)، فهم في وادٍ والنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلّم) في وادٍ آخر، ولهذا كانوا يبادرون إلى سؤال أهل العلم الذين كانوا يستوعبون كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) ليحدثوهم عنه، كي ينقلوا الكلام إلى الناس عندما يبادرونهم إلى السؤال عما سمعوه، لئلا يقعوا في الإحراج إذا ما امتنعوا عن الجواب لعدم فهمهم أو وعيهم له، وربما كان سؤالهم وارداً مورد السخرية من المؤمنين ليجعلوهم يرددون الكلام عدّة مرات، سخريةً بهم. وهكذا كان جوهم النفسي السائد هو التعقيد الذي ينمّ عن الخبث والبعد عن الله ورسوله.
{أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} فأغلقها عن الانفتاح على الحق، بعدما أغلقوها بكفرهم ونفاقهم، ما يجعل من نسبة الفعل إلى الله نسبةً قائمةً بقانون السببيّة الذي جعله الله أساساً للترابط الذاتي بين الأشياء، ما يجعل الفعل الصادر من الشخص يحتّم نتائجه على هذا الأساس، فالفعل هو فعل الإنسان من خلال مباشرته للمقدّمات، وهو فعل الله من خلال سببية المقدمات للنتائج.
{وَاتَّبَعُواْ أَهْوَاءهُمْ} لأن الإنسان الذي يغيب عنصر العقل في تفكيره، ويفقد روحية الإيمان، لا بد من أن يتحوّل إلى إنسانٍ مزاجيّ تحكمه شهواته، وتديره أهواؤه وتلعب به كما لو أنها رياح داخلية تحركها الغرائز والنوازع والمشاعر الملتهبة التي تحرق كل عناصر التعقل والاتزان في الإنسان.
* * *
المهتدون يزيدهم اللَّه هدى وتقوى
{وَالَّذِينَ اهْتَدَوْاْ} بهدى الله، وساروا في النور المنطلق من أفق الإيمان، وعملوا على تنمية غرس الهدى في عقولهم ومشاعرهم، بالفكر والبحث والتخطيط {زَادَهُمْ هُدًى} لأن الممارسة الواعية لكل مفردات الهدى الحيّة، وإدارة الفكر فيها، تمنح المضمون حيويّةً وامتداداً وزيادةً في النموّ. وهكذا يزيدهم الله هدًى بذلك، وبما يرزقهم من ألطافه الخفية، لأن الله يرزق عباده المؤمنين ألطافه، كما يرزقهم من عطاياه المادية، جزاءً لهم على ما عملوه وما فكروا فيه.
{وَآتاهُمْ تَقوَاهُمْ} لأن الهدى كلما امتد في الحياة من خلال وضوح الرؤية للفكرة وللخط وللطريق، كلما تحوّل إلى حالةٍ في القلب والروح والضمير، تتعمق في الشخصية لتحتوي كل أوضاعها وقضاياها، بحيث ينطلق الانضباط على الخط في الممارسة من الانضباط في الفكر والعقيدة، لتكون هناك تقوى في الفكر وفي العمل.
* * *
المنافقون يواجهون أشراط الساعة
وإذا كان أولئك المنافقون يتحركون بهذه الطريقة اللاهية العابثة الساخرة التي توحي بأن الغفلة مطبقة على عقولهم، فقد يحتاجون إلى مواجهة المسألة في اتجاهٍ جديد.
{فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً} هل ينتظرون إلاّ المفاجأة الحاسمة التي يقفون أمامها واجمين ذاهلين، ذهول الرعب من النتائج القادمة كنتيجة طبيعية لذهولهم عن سماع آيات الله والإيمان بها، الذي يشغل الإنسان عن مسؤوليته في طاعة الله، وعن وعيه لليوم الآخر؟ {فَقَدْ جَآء أَشْرَاطُهَا} وبدأت علاماتها تفرض نفسها على الواقع الذي يحيط بهم، وتتجلى تلك العلامات في طبيعة الحياة التي ينتظرون فيها الموت في كل لحظة، حيث يلاقون بعدها الساعة في عالم الآخرة، فيواجهون حساب المسؤولية، أو في الرسالة التي جاء بها النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) باعتبارها الرسالة الأخيرة للحياة، لأن النبي هو خاتم الأنبياء، وقد ورد الحديث عنه: «بعثت أنا والساعة كهاتين»[1]، وأشار بأصبعيه السبابة والتي تليها.. فليس بعد رسالة النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) إلا الساعة التي قد تمتد طويلاً في حساب أيامنا، ولكنها لا تمثل شيئاً في أيام الله.
{فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَآءتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ} فكيف يتذكرون في ذلك الوقت، وما فائدة الذكرى في حساب المصير الذي يواجهونه آنذاك؟ فقيمة الذكرى بعد الغفلة أنها تفتح للإنسان باب تصحيح الأخطاء التي حدثت في حياته، وتغيير واقعه إلى واقعٍ أكثر استقامةً وأفضل عملاً، وهذا ما لا مجال له عند قيام الساعة التي يُغلق فيها باب العمل، وتفتح فيها نافذة المسؤولية على نتائج المصير، ولهذا فلا بد لهم من مواجهة القضية في الدنيا، لتكون الذكرى حركةً في الخط المستقيم الذي يؤدي بهم إلى الله.
* * *
لا إله إلا اللَّه غافر الذنب
{فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلا اللَّهُ} فهذه هي الحقيقة التي لا بد من أن ينتهي العلم إليها، ويقف عندها وقفة وعيٍ، ويحدد على أساسها الأوضاع والمواقف والمواقع والعلاقات العامة والخاصة في الحياة، وهذا ما ينبغي للإنسان أن يستلهمه من كل مصادر المعرفة لديه في آفاق الكون، وفي مواقع الفكر.
{وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ} وتوجّه إلى الله مبتهلاً مستغفراً في خشوع العبودية الخاضعة للألوهية الخالقة. وقد يتساءل البعض عن معنى استغفار النبي لذنبه، وهو المعصوم عن كل جوانب شخصيته الرسالية؟
ونلاحظ ـ في الجواب ـ أن الاستغفار ليس مردّه ذنباً فعلياً ارتكبه النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) في سلوكه العملي، ولكن مردّه البشرية التي تختزن نقاط الضعف وتوحي بالذنب، مما يجعل الوقوع في الذنب فرضية طبيعية، ويدفع الإنسان إلى طلب الوقاية منه بالتعبير الروحي العباديّ عن الخضوع لله وطلب رحمته، اعترافاً بنقاط ضعفه التي قد توقعه في الذنب فعلياً. وربما كانت الكلمة تعبيراً كنائياً عن طلب الرضوان الذي هو هبةٌ إلهيةٌ لعباده في ما يختزنه الاستغفار من معنى ذلك على مستوى النتيجة العملية؛ والله العالم.
{وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} ما يمكن أن يكونوا قد وقعوا فيه من ذنوب، أو ما يمكن أن يقعوا فيه منها مما يبعد عنهم رحمة الله ورضوانه، فيكون الاستغفار لوناً من ألوان الاستعطاف العبادي الذي يجتذب الرحمة الإلهيّة، ويستنزل الرضوان، {وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ} يعلم ما تتقلبون به من أمور الحياة التي تتبدل فيها الأوضاع والأحوال، وما تسكنون وتستقرون فيه من مواقعكم، فهو المحيط بكم من كل الجهات، وفي جميع الأحوال، فانفتحوا عليه، والتزموا كل مفاهيمه وتعاليمه، وأوامره ونواهيه، وراقبوه في سرّكم وعلانيتكم، في كل أفعالكم وأقوالكم، واستشعروا في قلوبكم الخوف منه والرغبة في رضاه.
ـــــــــــــــــــــ
(1) المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، دار إحياء التراث العربي، بيروت ـ لبنان، ط:1، 1412هـ ـ 1992م، م:6، ج:16، باب:9، ص:438، رواية:36.
تفسير القرآن