من الآية 20 الى الآية 24
الآيــات
{ويقول الذين آمنوا لولا نزّلت سورة فإذا أُنزِلَت سورة محكمةٌ وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرضٌ ينظرون إليك نظر المغشيّ عليه من الموت فأولى لهم* طاعةٌ وقولٌ معروفٌ فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيراً لهم* فهل عسيتم إن تولّيتم أن تُفسدوا في الأرض وتقطّعوا أرحامكم* أولئك الذين لعنهم الله فأصمّهم وأعمى أبصارهم* أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوبٍ أقفالها} (20ـ24).
* * *
معاني المفردات
{مُّحْكَمَةٌ}: مبيّنة لا تشابه فيها.
{عَزَمَ الاْمْرُ}: جدّ ولزم.
* * *
تثاقل مرضى القلوب في مواجهة أمر القتال
ويتابع القرآن حديثه عن المنافقين الذين يعملون على إظهار أنفسهم كما لو كانوا جزءاً من المجتمع الإسلامي، ليحصلوا على مكاسب الانتماء إلى المسلمين دون أن يتحمّلوا تبعات ذاك الانتماء، ولكنهم يواجهون في بعض الحالات موقفاً صعباً يضعهم أمام الخطر الداهم وجهاً لوجه، عندما تنزل آيات الجهاد لتدعو المسلمين إلى القتال.
{وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُواْ لَوْلاَ نُزّلَتْ سُورَةٌ} لأنهم يريدون، دائماً، أن يستمعوا إلى وحي الله، شوقاً إلى كلماته، ليزدادوا بها إيماناً ومعرفةً وروحانيّة تربطهم بآفاق رحمة الله، أو لحلّ بعض المشاكل المعقّدة التي اختلفوا حولها، أو في ما أشكل عليهم أمره من الوحي الإلهي، لا سيّما في مواقع التحديات القاسية التي تفرض عليهم الدخول في معركة مع المشركين، أو مع غيرهم، فيتطلعون إلى سورٍ تحدّد لهم ملامح المرحلة الحاضرة أو المقبلة، وتبيّن لهم مسؤوليتهم الشرعية.
{فَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ} حاسمةٌ في أحكامها، واضحةٌ في مضمونها، فاصلةٌ في الموقف، {وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ} كواجبٍ شرعي يدعو المؤمنين إلى الانطلاق نحوه في ساحة المعركة التي تفرضها سلامة الإسلام أمام الأخطار الداهمة من قِبَل الأعداء، تلقّاها المؤمنون بالرضى والقبول، لأنهم جاهزون في كل وقت لإطاعة أوامر الله ونواهيه. ولكنّ للمنافقين شأناً آخر، فهم لم يدخلوا في الإسلام ليقاتلوا الكفر أو ليواجهوا الخطر، بل دخلوا فيه، ليكيدوا له لمصلحة الكفر، وليهربوا من مواقع الخطر ويحصلوا على السلامة، ما يجعل الأمر بالقتال بالنسبة لهم مأزقاً صعباً يحاصرهم من كل جانبٍ، فإذا حدث مثل هذا الأمر {رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ} من هؤلاء المنافقين الذين عاشوا حالة النفاق المَرَضيَّة من موقع العقدة الذاتية، {يَنظُرُونَ إِلَيْكَ} في موقعك القيادي الذي يُصدر إليهم الأوامر بالانخراط في صفوف الجيش الإسلامي لمواجهة العدوّ {نَظَرَ الْمَغْشِىّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ} يواجهون الموقف وكأنهم في شبه غشية، وهي الحالة التي تعرض للإنسان عندما يموت، فيشخص ببصره دون أن تطرف عينه أو يهتزّ جفناه أو يتحرك جسمه، وذلك بسبب الخوف الضاغط على قلوبهم، حتى كأنهم يموتون قبل أن يموتوا، {فَأَوْلَى لَهُمْ} أي من الحري والطبيعي أن يكونوا في نظرتهم الخائفة إليك كما لو كانوا في حالة الاحتضار التي تسبق الموت، وعن الأصمعي أن كلمة «أولى لك» كلمة تهديد معناه «أولى لك وليّك وقارنك ما تكره»[1].
{طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ} فطبيعة الالتزام الذي التزموه أمامنا ـ أي أمام الله ـ بإعلانهم كلمة الإيمان، هو طاعة تحدّد الموقف الحاسم، وقول معروف يؤكد الالتزام، لأن الإيمان عهدٌ بين الله وبين عباده أن يطيعوه ولا يعصوه، ويلتزموا كلمته دون أن ينحرفوا عنها، {فَإِذَا عَزَمَ الأمْرُ} واشتد وتحوّل إلى حالةٍ جدّيةٍ لا تحتمل الجدل ولا الهزل، فلا بد من أن يصدقوا الله عهده، لأن ذلك مفروض من المؤمنين الذين يحترمون كلمتهم. ولكنهم لم يفعلوا، ما جعلهم في موقع بعيد عن الحق والحكمة، {فَلَوْ صَدَقُواْ اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ} لأنه يقرّبهم إليه، ويحقق لهم النتائج الكبيرة على مستوى المصير.
ولكنهم لم يصدقوا ولم يلتزموا، بل ضعفوا وسقطوا في امتحان الإيمان، ما يوحي بأنهم لن يكونوا في مستوى المسؤولية الإيمانية المنفتحة على الخير المتحرك بالصدق في حياة الناس.
{فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ} وتحمّلتم الموقع المميز في حياة الأمة الذي يمكّنكم من السيطرة على الناس {أَن تُفْسِدُواْ فِي الأرْضِ} في ما تأخذون به من الخطوط المنحرفة، من الخيانة للعهد، والابتعاد عن الصدق، والانفتاح على الشر، {وَتُقَطّعُواْ أَرْحَامَكُمْ} لأن العلاقة بالأرحام، كما الإصلاح في الأرض، هي مسألة صدقٍ في الكلمة والعلاقة والموقف، فإذا لم تعيشوا ذلك من ناحية المبدأ، فكيف يمكن أن لا تكونوا من المفسدين والقاطعين للأرحام؟ وكيف لا يتوقع منكم ذلك، لأن التوقعات تتبع العنوان البارز للشخصية الأخلاقية سلباً وإيجاباً؟
وقيل: إن المراد بالتولّي في قوله: {إِن تَوَلَّيْتُمْ} الإعراض عن كتاب الله والعمل بما فيه، ومنه الجهاد في سبيل الله، أي هل يتوقع من إعراضكم إلا الإفساد في الأرض، والقطيعة للأرحام، وذلك بسفك الدماء ونهب الأموال، وهتك الأعراض، تكالباً على جيفة الدنيا؟
وربما كان الأظهر هو الوجه الأول، للتطابق بين معنى الولاية وبين الإفساد في الأرض بحسب المتبادر من الكلمة؛ والله العالم.
{أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ} فأبعدهم عن مواقع رضاه بابتعادهم عن الالتزام بها، {فَأَصَمَّهُمْ} عندما رفضوا الانفتاح عن الاستماع إليه، {وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ} عندما وضعوا على أعينهم غشاوةً من الغفلة، وغطاءً من النفاق. والظاهر أن الصمّ والعمى واردان على سبيل الكناية لانحرافهم عن الأسس التي ينفتحون بها على الإيمان بالله.
{أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} ليتعمقوا في مفاهيمه، وينفتحوا على أحكامه، ويتعرفوا من خلاله على الخطوط الفاصلة بين الحق والباطل، وبين الكفر والإيمان، ليلتزموا الخط القرآني في قضايا العقيدة والحياة؟ وما المانع من أن يتدبروه وهم يملكون معرفة اللّغة التي نزل بها، والقدرة على الفهم؟ {أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} فلا تنفتح على الحق من خلال القرآن، ولا تلتقي بالخير في آياته، كما لو كان على قلوبهم قفلٌ يغلقها عن الوعي والفهم والانفتاح.
والظاهر ـ كما قال في مجمع البيان ـ أن هذه الآية دالةٌ: «على بطلان قول من قال: لا يجوز تفسير شيء من ظاهر القرآن إلا بخبر وسمع»[2]. فإن الله يدعو إلى فهم القرآن وتدبّره حتى يكتشف الناس فكره وشريعته ونهجه في الحياة، وليست هذه الأقوال التي تعزل القرآن عن الفهم العام للناس، إلا لوناً من ألوان تجميد القرآن في الثقافة العامة، وإبعاد الناس عن اكتشاف الزيف الذي يحشده البعض في المضمون التفسيري له.
ــــــــــــــــــــ
(1) مجمع البيان، ج:9، ص:133.
(2) مجمع البيان، ج:9، ص:135.
تفسير القرآن