من الآية 25 الى الآية 32
الآيــات
{إنّ الذين ارتدّوا على أدبارهم من بعد ما تبيّن لهم الهدى الشيطان سوّل لهم وأملى لهم* ذلك بأنّهم قالوا للّذين كرهوا ما نزّل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم إسرارهم* فكيف إذا توفّتهُمُ الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم* ذلك بأنّهم اتّبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم* أم حسِبَ الذين في قلوبهم مرضٌ أن لن يُخرِج الله أضغانهم* ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنّهم في لحنِ القول والله يعلم أعمالكم* ولنبلونّكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم* إن الذين كفروا وصدّوا عن سبيل الله وشآقّوا الرسول من بعد ما تبيّن لهم الهدى لن يضرّوا الله شيئاً وسيحبط أعمالهم} (25ـ32).
* * *
معاني المفردات
{ارْتَدُّواْ عَلَى أَدْبَارِهِمْ}: بمعنى رجعوا عن الحق والإيمان.
{سَوَّلَ}: زيّن.
{وَأَمْلَى لَهُمْ}: طوّل أملهم.
{أَضْغَانَهُمْ}: الأضغان: جمع الضغن، وهو الحقد الشديد.
{بِسِيمَاهُمْ}: السيماء: العلامة.
{لَحْنِ}: اللحن: إزالة الكلام عن جهته.
{وَلَنَبْلُوَنَّكُم}: البلاء: الابتلاء، وهو الامتحان والاختبار.
{وَشَآقُّواْ}: عاندوا.
* * *
الشّيطان يسوّل للمنافقين
{إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّواْ عَلَى أَدْبَارِهِمْ} وتراجعوا عن الخط المستقيم {مّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى} في وضوح مفاهيمه، وصفاء شريعته، واستقامة مناهجه، وهؤلاء هم المنافقون الذين عاشوا في داخل المجتمع الإسلامي وشاهدوا التجربة الإسلامية الواعية في صفائها ونقائها، لا سيّما في أخلاقية النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) وروحانيته، واستقامة سيرته التي هي المثل الأعلى للكمال الإنساني، فليست المشكلة في مواقفهم السلبية مشكلة عدم الوضوح في الرسالة، أو ضياع الخطوط التي تحدد فواصل القضايا، أو اختفاء النموذج الحيّ الذي يعبّر عن طبيعة الواقع السليم، بل هي ما ذكره الله: {الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ} في ما زينه لهم من أعمالهم السيّئة فرأوها حسنةً، أو ما أثاره في داخلهم من مطامع الأنانية الذاتية في ما يكيدون به للإسلام والمسلمين، {وَأَمْلَى لَهُمْ} بما أوحى به إليهم من تطويل الأمل الذي يثير فيهم أحلام البقاء والامتداد في الحياة، حتى ينسيهم الموت، ويبعدهم عن الآخرة، {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ} من المشركين أو اليهود الذين كانوا يبحثون عن ثغرةٍ في المجتمع الإسلامي لينفذوا من خلالها إليه، فوجدوها في المنافقين الذين كانوا يفتشون عن قوّةٍ يستندون إليها، وهذا هو ما جعلهم يقولون للكافرين من المشركين واليهود {سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأمْرِ} مما ترسمونه من مخططات التآمر على الإسلام، في ما تحتاجون فيه إلينا، وقد يفرض علينا الموقف أن لا نطيعكم في البعض الآخر حتى لا ينكشف اتفاقنا معكم، فتفسد الخطة المرسومة، ولكن هذا الحوار الدائر بين المشركين والمنافقين لم يخف على النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم)، نتيجة ما عرَّفه الله منه، {وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ} في ما أسرّوه لهم من كلمات التآمر.
* * *
المنافقون وكرههم رضوان اللَّه
{فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} هل يستطيعون الانتصار لأنفسهم، أو يجدون من ينصرهم على الملائكة من الكافرين؟ {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُواْ مَآ أَسْخَطَ اللَّهَ} بالتحالف مع الكافرين، للإضرار بالمسلمين {وَكَرِهُواْ رِضْوَانَهُ} والتكامل مع المؤمنين في خط الإيمان، والعمل بطاعة الله، والسير على منهجه، وقتال أعدائه، {فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} وأبطلها وحوّلها إلى هباء، فلم يحصلوا من جهدهم على شيء.
{أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ} من المنافقين {أَن لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ} التي يخفونها في صدورهم، في ما تشتمل عليه من الحقد الشديد ضد الإسلام وأهله، مما يكشف أمرهم للناس، فلا تنطلي حيلتهم عليهم؟ {وَلَوْ نَشَآء لأرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ} التي تحدد ملامحهم وصفاتهم بالطريقة التي لا يبقى معها ريبة، {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ} لأن كل جماعةٍ لها أسلوب خاص في الكلام يعبّر عن طريقتها في التفكير والتحرك؛ فللمؤمنين طريقتهم التي تعبّر عن وضوح الفكرة التوحيدية واستقامة الطريق في هذا الخط، وللكافرين طريقتهم الوثنية التي تعبر عن المستوى المتخلف في عبادتهم للأصنام، وللمنافقين طريقتهم المتلوّنة المتحركة القلقة الخائفة المذعورة التي لا تستقر على موقف ولا تثبت على قاعدة، {وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ} في كل مواقعها وخلفياتها، في سرّها وعلانيتها، فلا يخفى عليه شيءٌ منها من قريب أو من بعيد.
* * *
بين البلاء واختبار المؤمنين
{وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} لأن الإيمان يفرض على المؤمن الكثير من المسؤوليات لتحدّي الأعداء في المواقف الجهادية، ويدفعه إلى مواجهة الكثير من الأخطار في ساحات الصراع التي تختلف فيها الأوضاع، وتتباين فيها المواقف، ويشتد فيها البلاء، مما يظهر فيها جهاد المجاهدين، وصبر الصابرين، في ما يتميزون به عن المنهزمين والخائفين والجازعين، وبذلك يختبر الله أخبارهم بما تفصح عنه من طبيعة الأعمال والمواقف والأوضاع التي يتّضح الإيمان الثابت بها ويمتاز عن الإيمان المهتزّ.
{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ} بالتآمر والضغط وممارسة التعسف ضد المؤمنين {وَشَآقُّواْ الرَّسُولَ} بإعلان الحرب عليه، والابتعاد عن دينه، ومخالفتهم له في العقيدة والشريعة، والاستهزاء به، والسخرية من أتباعه {مّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى} بإقامة الحجة عليهم في كل مفرداته الفكرية والعملية {لَن يَضُرُّواْ اللَّهَ شَيْئاً} لأنهم لا يستطيعون الوقوف أمام إرادة الله، التي تقضي بنصرة رسوله وإقامة دينه، مهما فعلوا من أفاعيل، ومهما مارسوا عليه من ضغوط، أو تحركوا به من مشاريع، لأن الله بالغ أمره في كل شيء، {وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ} فتنتهي إلى الخيبة والسقوط، فلا يبقى لهم أيّة قوّةٍ أو سلطة.
تفسير القرآن