من الآية 1 الى الآية 7
الآيــات
{إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً* ليغفر لك الله ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر ويُتمّ نعمته عليك ويهديك صراطاً مستقيماً* وينصرك الله نصراً عزيزاً* هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم ولله جنود السموات والأرض وكان الله عليماً حكيماً* ليُدخِل المؤمنين والمؤمنات جنّاتٍ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ويُكفّر عنهم سيئاتهم وكان ذلك عند الله فوزاً عظيماً* ويُعذّب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظآنّين بالله ظنّ السوء عليهم دائرة السوء وغضِبَ الله عليهم ولعنهم وأعدّ لهم جهنّم وسآءت مصيراً * ولله جنود السموات والأرض وكان الله عزيزاً حكيماً} (1ـ7).
* * *
معاني المفردات
{فَتْحاً}: نصراً.
* * *
إنّا فتحنا لك فتحاً مبيناً
{إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً} وذلك من خلال هذه الثغرة التي فتحها الله في قلوب المشركين، ليقبلوا بالدخول مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) والمسلمين في صلحٍ متوازنٍ يمنح المسلمين الراحة القتالية ليتفرّغوا للإعداد والتخطيط لفتح مكة، عندما تسنح الفرصة لذلك. وهكذا انفتح للإسلام دربٌ كبيرٌ لصنع القوّة، لأن وقوع أيّة معاهدةٍ بين فريقين، يمثل اعترافاً بتعادل قوتهما، وهذا ما عكسه صلح الحديبية، الأمر الذي يدل على اعتراف قريش بقوّة الإسلام قوّة جديدة، ما من شأنه أن يمثل الخطوة الأولى للنصر.
وهناك أقوال أخر في المقصود بالفتح:
منها ـ ما ذكره في مجمع البيان ـ أن المراد به فتح مكة، وعده الله ذلك عام الحديبية عند انكفائه منها، عن أنس وقتادة وجماعة من المفسّرين. قال قتادة: نزلت هذه الآية عند مرجع النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) من الحديبيّة بُشِّر في ذلك الوقت بفتح مكة[1].. ويكون التعبير وارداً مورد تنزيل الأمر المستقبلي منزلة الأمر المحقق لليقين بوقوعه.. وقد ورد ذلك في ما روي من حديث الإمام الرضا مع المأمون في علاقة الآية بفكرة العصمة[2].
ومنها: أن الفتح: الظفر على الأعداء كلهم بالحجج والمعجزات الظاهرة وإعلاء كلمة الإسلام.
* * *
علاقة الفتح بغفران الذنب
{لّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ}. في هذه الفقرة سؤالان:
الأول: ما هي علاقة الفتح بغفران الذنب، ليكون الأول تعليلاً للثاني بلحاظ ظهور «اللام» في التعليل؟
الثاني: ما معنى غفران ذنب النبي، وهو المعصوم في أقواله وأفعاله، ثم، ما هو المعنى لغفران الذنب قبل حدوثه؟
وقد أجيب عن ذلك بأجوبة متعددة[3]، منها: أن الذنب ليس ذنب النبي مع الله، ولكنه ذنبه مع أهل مكة، في ما يعتقدونه من أن انطلاقته في الدعوة التي أدت إلى الصراع العسكري وغير العسكري، يمثّل الذنب الكبير، باعتبارها الحركة التي قتلت الكثير من رجالهم، ودمّرت الكثير من هيبتهم. وبذلك كان الفتح، الذي بدأ بصلح الحديبية معنوياً، وانتهى بفتح مكة فعلياً، ووقف بعده النبي ليعفو عن المشركين بعد السيطرة عليهم؛ ليكون ذلك أساساً لغفرانهم لما سلف، ولما يأتي من ذنوبه بحقهم، لأن عظمة عفو النبي عنهم في ظروفه الموضوعية، تلغي كل مواقع الذنب في ماضيه ومستقبله، وبذلك تكون كلمة الفتح منسجمة مع التعليل بالمغفرة.
أما نسبة المغفرة إلى الله، فلأنه كان السبب في ذلك كله، على نحو المجاز.
ومنها: أن المراد ذنب أمته باعتبار أنه يمثل قيادة الأمة التي تتحمل معنوياً مسؤولية أعمال أتباعها.
ومنها: أن المراد ذنب أبويه آدم وحواء ببركته.
ومنها: أن المسألة قائمة على الفرضية الطبيعية، باعتبار أنه بشر يمكن أن يخطىء في المستقبل، كما كان ذلك ممكناً في الماضي، ولهذا فإن التعبير يعالج المسألة على أساس أنه لو كان الأمر كذلك لغفر الله له، لأن مثل هذا الفتح المبين الذي قام به، يمثّل العمل الأفضل الذي تسقط أمامه كل الذنوب، بحيث يكون هو الحسنة التي لا تضرّ معها سيّئة.
وهناك وجوهٌ أخرى يرتكز بعضها على غفران ذنوب شيعة علي (عليه السلام) ما تقدم منها وما تأخّر.
ويروي القائلون بهذا روايات عن الإمام الصادق (عليه السلام)، ولكننا لا نعتقد صحة هذه الروايات، لأنها لا تنسجم مع الأسس الفكرية الإسلامية، فإنه لا معنى للقول بما جاء في بعض هذه الروايات: «ما كان له ذنب، ولا همّ بذنب، ولكنّ الله حمله ذنوب شيعته ثم غفرها له»[4]؛ أو أن «الله ضمن له أن يغفر ذنوب شيعة علي (عليه السلام) ما تقدم من ذنبهم وما تأخر»[5]، لأنه لا معنى لتحميله تلك الذنوب، كما لا معنى لاعتبار الفتح أساساً لذلك، في الوقت الذي لم يكن فيه للشيعة أيّ وجود واقعي في المجتمع الإسلامي، وكيف يمكن للقرآن أن يتحدث عن نتيجةٍ للفتح لا تتصل به؟!
ولكن عند التدقيق في معالجة المسألة ودراسة التعبير الذي جاء في الآية، نلاحظ أن كل هذه التفاسير كانت تحاول الهروب من المعنى الظاهر فيها، يعني أنّ للنبي ذنباً متقدماً ومتأخراً، وأن الله جعل الفتح سبباً في مغفرته، لأن هذا المعنى لا يتناسب مع عصمة النبي، أو كماله، أو شخصيته النبوية التي تمثل النموذج القدوة، فقد تكون بشريته محكومة لنقاط الضعف في طبيعتها، ولكن رسالته، التي انطلقت من الوحي، لا بد من أن تمنح إنسانيته نقاط القوّة، ولا بد من أن تكون قد درست مؤهلاته التي عاشها مدة أربعين سنة قبل الرسالة، ليبني على أساسها شخصيته بالمستوى الذي لم يستطع الناس الذين عاشوا معه من أهله وأصحابه، أن يسجّلوا عليه أيّة نقطةٍ سوداء في ما يروونه عن ماضيه الشخصي، ولهذا فإن مسألة الذنب تتنافى مع هذا الماضي الطاهر المشرق الذي زاده حاضر الرسالة حركيّةً وقوّةً وإشراقاً وصفاءً...
وعلى ضوء ذلك، فلا بد من تجاوز هذا المعنى إلى ما يختزنه من إيحاءاتٍ تتناسب مع صفاء العمق الروحي للشخصية النبوية، ولعل الأقرب إلى الجوّ أن نستوحي من المغفرة معنى الرضوان والمحبة والرحمة، باعتبار أنها تمثل نتائج المغفرة، ليكون المعنى، هو أن الله يمنحك رضوانه ومحبته، في ما يوحي به من معنى إيجابي يستلزم انتفاء المعنى السلبي، باعتبار أن الفتح، في ما يمثله، هو الانطلاقة التي تفتح للإسلام باب الحياة الواسع الذي يدلّ الناس على الطريق إلى الله. وقد جاهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) أقسى الجهاد حتى وصل إلى هذه النتيجة بتوفيق الله ورعايته، ومن هنا كان ذلك سبباً في محبة الله له التي تشمل أوّل الجهاد قبل الفتح وآخره بعد الفتح.
{وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ} بوصول النبي إلى الأرض التي بدأت حياته فيها طفلاً وشاباً وانطلق بالدعوة فيها كهلاً، وخرج منها تحت تأثير القهر والاضطهاد، فإذا به، بعد تلك المعاناة، يرجع إليها فاتحاً بالرسالة المنفتحة على الواقع كله، حيث يبدأ عهدٌ جديدٌ حافلٌ بالازدهار، ليكون الدين كله لله وحده، وليكون نصره نهاية طبيعية لجهاده تتم به النعمة عليه، {وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُّسْتَقِيماً}، وهو الصراط الذي يبدأ بتوحيد الله، ويمتد بشريعته التي تجعل الإنسان مسؤولاً في كل أقواله وأفعاله، ولينتهي بين يدي الله في اليوم الآخر إبان موقف الحساب. وهذا هو الهدف الذي تحركت المسيرة إليه، وهذا ما هدى الله النبي إليه في وحيه ليعيش الهداية في حركته مع الناس الذين جعلهم الله حركة مسؤوليته، {وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً} يؤكد القوّة التي تنحني أمامها كل مواقع التحدي الموجهة ضدك، حيث يبسط الإسلام سلطته ليكون هو القوّة الوحيدة في الجزيرة، التي تخضع لها القوة كلها هناك.
وهكذا، كان الفتح المعنوي في الحديبية، ثم الواقعي في مكة، مفتاحاً للرضوان وللنعمة التامة، وللهداية الكاملة، وللنصر العزيز الذي يمتد بالإسلام إلى الحياة كلها.
* * *
إنزال السكينة في قلوب المؤمنين
{هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ} بما تعنيه كلمة السكينة من طمأنينة وصفاء روحي يدفع النفس إلى التأمّل العميق، فإن النفس إذا عاشت الصفاء، انطلقت في أجواء التأمّل بعيداً من دون تكلّفٍ ولا تعقيدٍ. وتلك هي ألطاف الله التي يفيض بها على عباده المؤمنين الذين أخلصوا له العقيدة، وعاشوا الروحانية بين يديه، وحرّكوا العمل الصالح في خط رضاه، {لِيَزْدَادُواْ إِيمَاناً مَّعَ إِيمَانِهِمْ} لأن الإيمان يتأتى عن وضوح الرؤية الذي يفتح للفكر آفاق الاعتقاد به، وعن صفاء الروح الذي يملأ الوجدان بالمعاني الروحية. وبذلك كان ازدياد الوضوح في حركة التأمّل الفكري، وامتداد الصفاء في آفاق الروح، يزيدان في الإيمان ويعمّقانه، عبر ما يحدثانه من تفاعل بين الفكر والشعور، وهذا ما يدركه الوجدان، في ما يحسّه الإنسان في نفسه من تنامي الإيمان، بتنامي المعرفة والشعور الداخلي من جهة، والمعاناة الداخلية في الممارسة من جهةٍ ثانيةٍ.
{وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَواتِ وَالأرْضِ} سواء تمثلوا في الأمور المعنوية من أسباب وقوانين طبيعية أودعها الله في الأرض والسماء، وحرَّكها من أجل إقامة نظام الحياة كلها، أو بمخلوقات حيّة متحركة في السماوات والأرض، التي جعلها الله خليفة عنه في مباشرة الأمور بأسبابها العادية، وبذلك كان إنزال السكينة في قلوب المؤمنين متأتياً عن تحريك جنوده للموضع بشكلٍ دقيق.
{وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً} فهو القويّ في عزته، الحكيم في تدبيره، الذي يحتوي الكون من مواقع العزة والحكمة، ليسير في خط الثبات والإحكام، {لّيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا} لأن ذلك هو الغاية التي ينتهي إليها خط الإيمان في الجانب الفكري والروحي والعملي، في حركة المؤمنين والمؤمنات، لما يشتمل عليه من انفتاح على آفاق رضى الله ومواقع رحمته التي تطل على رحاب جنته، {وَيُكَفّرَ عَنْهُمْ سَيّئَاتِهِمْ} بالغفران الذي يزيل الخطايا وكأنها لم تكن، لأن الله ينظر إلى عمق الإيمان في الذات ويجعله أساساً لمغفرته {وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ اللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً}، لأن ذلك يعني السعادة الأبدية، فلا موقع للشقاء بعدها.
{وَيُعَذّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ} من الذين يبطنون الكفر ويظهرون الإيمان، ليحوّلوا المجتمع الإسلامي إلى مجتمعٍ قلقٍ مرتبكٍ، {وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ} الذين رفضوا وحدة العبادة ووحدة الألوهية وساروا في خط الشرك الذي يضع الأصنام الحجرية والبشرية في موقع يقرّبها من موقع الألوهية بطريقةٍ أو بأخرى، {الظَّانّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْء} فلا ينظرون إلى قضية الإيمان بالله نظرة معرفة بكونه ينصر عباده ويلطف بهم ويرحمهم ويفتح لهم أكثر من نافذة للنصر والتوفيق والتسديد، بل ينظرون إليه نظرة سلبية ويرون فيه معنى الخذلان الذي يفكرون بوقوعه على المؤمنين.
{عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ السَّوْء} التي تقع عليهم، وتحيط بهم، وتدفعهم إلى أن يعيشوا القبح الروحي في نفوسهم في الداخل، والقبح المادي في ما يتخبطون به من خبائث الأقوال والأفعال والأوضاع العامة والخاصة.
{وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} لأنهم مارسوا الخطيئة والجريمة التي تستتبع غضبه، {وَلَعَنَهُمُ} فأبعدهم عن رحمته لأنهم ابتعدوا عن ساحاتها، {وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ} وهي المكان الطبيعي للمنافقين والمشركين، {وَسَآءتْ مَصِيراً} لأنها مصير سيّىء للساكنين فيها بما فيها من جحيم النار والعذاب.
{وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَواتِ وَالأرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً} وهذا هو التأكيد الثاني لهذه الحقيقة الكونية التي إذا تمثلها الإنسان، فإنه يتمثل التدبير الإلهي الشامل للكون كله في مواقع العزّة والحكمة.
ــــــــــــــــــــ
(1) مجمع البيان، ج:9، ص:141.
(2) انظر: تفسير الميزان، ج:18، ص:275.
(3) انظر: مجمع البيان، ج:9، ص:142 ـ 143.
(4) مجمع البيان، ج/9، ص:143.
(5) البحار، م:6، ج:17، باب:15، ص:601.
تفسير القرآن