من الآية 11 الى الآية 14
الآيــات
{سيقول لك المخلّفون من الأعراب شغَلَتْنا أموالُنا وأهلونا فاستغفِر لنا يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم قل فمن يملِكُ لكم من الله شيئاً إن أراد بكم ضراً أو أراد بكم نفعاً بل كان الله بما تعملون خبيراً* بل ظننتُم أن لن ينقلِبَ الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبداً وزُيّن ذلك في قلوبكم وظنَنْتُم ظنّ السوء وكنتم قوماً بوراً* ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنّا أعتدنا للكافرين سعيراً* ولله ملك السموات والأرض يغفر لمن يشاء ويُعذّب من يشاء وكان الله غفوراً رحيماً} (11ـ14).
* * *
معاني المفردات
{الْمُخَلَّفُونَ}: المخلَّف: هو المتروك في المكان خلف الخارجين من البلد.
{الأعْرَابِ}: الجماعة من عرب البادية.
{بُوراً}: البور: هو الفاسد الهالك.
{سَعِيراً}: ناراً حارقة.
* * *
الأعراب يبررون تخلّفهم عن الفتح
كانت واقعة الحديبية تجربةً مريرةً في المجتمع الإسلامي، ذلك أن بعض أفراده لم يستوعبوا فكر الرسالة وحركتها وتطلعاتها وأهدافها بروحية الإيمان الصادق، لأنهم دخلوه بصفته الشكلية دون امتلاك عمق المضمون الروحي المنفتح على الله، ولهذا كانوا يأخذون من انتمائهم إلى الإسلام المكاسب التي تمنحهم إياها هذه الصفة، ويبتعدون عن المسؤوليات الصعبة في مواقع الجهاد والتضحية والعطاء، كما هو شأن كثير ممن يندمجون في المجتمعات القائمة على المبادىء التغييرية، ويتجمَّدون في داخل شؤونهم الخاصة فيها، ويعملون على تجميد الحياة من حولهم، وتعطيل المبادرات الحركية في ساحتهم، ويثيرون المشاكل في الساحة العامة.
فقد تخلّف هؤلاء عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) عندما استنفرهم، فلم يستجيبوا لندائه، بل حاولوا الابتعاد عن المسيرة، وكان ممّا قالوه: إن محمداً ومن معه، يذهبون إلى قوم غزوهم بالأمس في عقر دارهم فقتلوهم قتلاً ذريعاً، وأنهم لن يرجعوا من هذه السفرة، ولن ينقلبوا إلى ديارهم وأهلهم أبداً.
وفي هذه الآيات، حديثٌ عن هؤلاء المخلَّفين من الأعراب الذين قيل إنهم من الأعراب المقيمين حول المدينة من قبائل جهينة ومزينة وغفار وأشجع وأسلم ودِئْل.. وعن منطقهم التبريري في تخلّفهم عن الخروج مع النبيّ، بعد رجوعه إلى المدينة وظهور الخلل في موقفهم والضعف في إيمانهم.
{سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الاْعْرَابِ شَغَلَتْنَآ أَمْوالُنَا وَأَهْلُونَا} فقد كانت لنا علاقات ماليّة معقدة، فلنا مع الناس أموال وللناس معنا أموال، وطبيعة الأوضاع التجارية المعقدة تلك جعلتنا نخاف على أموالنا من الضياع، كما أن شؤون أهلنا كانت تتطلب منا المحافظة عليهم، والرعاية لأمورهم، لوجود الصغير والعاجز والمريض والمرأة فيهم، ممن يحتاجون إلى أولياء قادرين يدبرون أمورهم، ويحرّكون مصالحهم في خدمة حياتهم، فقد شغلنا ذلك كله عنك وعن الخروج معك، وإذا كان ذلك ذنباً يؤاخذنا الله عليه، لأن طاعتك واجبة بالمستوى الذي تتقدم فيه على كل شؤون الأهل والأموال، فإننا نعتذر إليك من ذلك، {فَاسْتَغْفِرْ لَنَا} ليغفر الله لنا.
ويأتي التعليق القرآني على هذا القول ليكشف واقعهم النفاقي: {يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} فهم يختزنون في داخلهم التمرد على النبي وعلى أوامره في حركة الجهاد، ويفكرون بالمعصية في المستقبل، بالطريقة التي مارسوها في الماضي، ما يجعل من كلامهم كذباً ونفاقاً، فلم يكن الانشغال بالأهل والمال هو ما منعهم من إجابة نداء النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم)، ولم يكن الاستغفار مطلباً حقيقياً لهم، لأنهم لا يحسّون بعقدة الذنب تجاه ما فعلوه.
* * *
الرسول يردّ أعذار المنافقين
{قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُمْ مّنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً}، فإنّ اللعبة النفاقية التي تلعبونها في مواجهة الرسول، وتصرفاتكم معه، ليست دائرتها الناس، بل ساحة الله في أوامره ونواهيه، وفي رسالة الرسول وحركته الرسالية، ما يجعل منها مسألةً خطرةً على مستوى حياتكم كلها، لأن الله هو الذي يملك الأمر كله، فماذا تفعلون إذا أراد أن ينزل بكم الضرّ في أهلكم وأموالكم وأنفسكم، ومن ذا الذي يملك دفع ذلك عنكم؟ هل يستطيع الآخرون منع النفع الإلهي عنكم إذا أراد أن ينفعكم بنعمه وعطاياه؟ إن هذا يفرض عليكم أن تفكروا بمراقبة الله الدائمة لكم، والخوف من سطوته، والرغبة في ثوابه في الدنيا والآخرة، لتتوازن مواقفكم، ولتتركوا أمر الأعذار التي لا معنى لها، لأن الله يعلم منكم ما لا تعلمونه من أنفسكم، ويملك منكم ما لا تملكون منها {بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} فلا تستطيعون إخفاء السرّ عنه، ولا الهروب من عقابه..
{بَلْ ظَنَنْتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَداً} لأنكم مهزومون في داخلكم أمام قوّة قريش في مواقعها، بالمستوى الذي كنتم تتصوّرون أنها سوف تقضي على النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) والمؤمنين، فلا يعود أحدٌ منهم إلى أهله أبداً، وهذا ما دفعكم إلى التخلف عن الخروج مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم)، لأنكم أيقنتم بالهلاك في هذا السير.
{وَزُيّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ} من خلال التهاويل التي أثارها الشيطان في أوهامكم، حتى خيّل إليكم أن هذه الفكرة الخائفة، تمثل مستوى الحقيقة التي ترتاحون إليها، {وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْء} أن لن تنتهي المواجهة إلى نصر الله ورسوله، {وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً} أي قوماً لا حياة فيهم ولا خير، تماماً كما هي الأرض البور التي لا نبات فيها ولا خضرة ولا ثمار، لأنهم لا يعيشون حسن الظن بالله الذي يفتح القلب على مواقع القوّة وآفاق النور التي تجدد الأمل في الروح واليقظة في العقل والحركة في الواقع. وهذا هو الفرق بين المؤمن الذي يملأ الإيمان بالله قلبه، فينطلق إلى الحياة بروح واثقةٍ به، مطمئنةٍ إلى النصر، وبين المنافق الذي يعيش الاهتزاز الإيماني في روحه، فيعيش القلق والحيرة والخوف والاهتزاز في الموقف.
* * *
السعير جزاء الكافرين
{وَمَن لَّمْ يُؤْمِن بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} فيتحرك عقله وقلبه ووجدانه بالكفر {فَإِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيراً} وهو جزاء الكافرين الذين تشتعل النار في أجسادهم، كاشتعال الكفر في قلوبهم.
{وَللَّهِ مُلْكُ السَّمَواتِ وَالأرْضِ} فهو المهيمن على ساحة الجزاء {يَغْفِرُ لِمَن يَشَآء وَيُعَذّبُ مَن يَشَآء وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} فقد سبقت رحمته غضبه، فلا يعذب إلا أولئك الذين لا يتعلقون من الله بشيء.
تفسير القرآن