من الآية 15 الى الآية 16
الآيتـان
{سيقول المخلَّفون إذا انطلقتم إلى مغانِم لتأخذوها ذرونا نتّبعكم يريدون أن يُبدّلوا كلام الله قل لن تتّبعونا كذلكم قال الله من قبل فسيقولون بل تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلاً* قل للمخلّفين من الأعراب ستُدعون إلى قومٍ أولي بأسٍ شديدٍ تقاتلونهم أو يُسلمون فإن تطيعوا يؤتِكُم الله أجراً حسناً وإن تتولّوا كما توليتم من قبل يُعذّبكم عذاباً أليماً} (15ـ16).
* * *
معاني المفردات
{ذَرُونَا}: اتركونا.
{بَأْسٍ}: قوة.
* * *
منطق الطمع في كلام المخلَّفين
هذه صورة أخرى من صور هؤلاء المخلّفين، عندما توحي مسيرة النبي وأصحابه في بعض معارك الحق والباطل أن هناك نصراً وغنيمةً دون أيّ خطرٍ أو خوفٍ، فنراهم، عند ذلك، متحمّسين للخروج إلى المعركة يطالبون بالانضمام إلى المجاهدين، ولكن النبيّ يرفض ذلك، لأنهم قد يُربكون الموقف بالنوايا السيئة التي تختفي وراء الكلمات، أو بالمشاعر القلقة التي يعيشونها.
{سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ} من الأعراب {إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا} عندما تكون المعارك معارك فتح، يرزقون فيها المغانم الكثيرة التي يحصل عليها المقاتلون، {ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ} طمعاً في الحصول على الغنيمة. وقيل: إنها إشارة إلى غزوة خيبر التي شارك فيها المؤمنون الذين كانوا مع النبيّ في سفرة الحديبية، ولم يشارك فيها غيرهم، وهي الأولى بعد صلح الحديبية.
{يُرِيدُونَ أَن يُبَدّلُواْ كَلامَ اللَّهِ} الذي وعد أهل الحديبية أن يخصهم بغنائم خيبر بعد فتحها، كما سيجيء في قوله: {وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ} (الفتح: 20). فكأنهم يريدون أن يبدِّلوا كلام الله، ويظهروا أنه ليس دقيقاً في تحديد المستقبل، بالقول إنهم قد شاركوا في ما قال الله إن أحداً لن يشارك فيه.
{قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ} فقد أراد الله للنبي أن يرفض ذلك قبل أن يسألوه الخروج معه، {فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا} لأنكم لا تريدون أن نشارككم في الغنيمة، تماماً كما هي عقلية الحاسد الذي يرى في المحسود فضلاً ليعمل على إزالته، أو يتمنى زواله، فالمسألة ليست مسألة أمر الله ونهيه، كما تقولون، بل هي مسألة حسد يبغي فيه الحاسد على المحسود.
{بَلْ كَانُواْ لاَ يَفْقَهُونَ إِلاَّ قَلِيلاً} فهم لا ينطلقون في حديثهم وموقفهم من منطلق تفكير، ولو فكروا لرأوا أن النبي الذي يتميز بالوعي والعصمة، لا يمكن أن يمنع أحداً من الخروج معه ـ وهو صاحب الأمر في ذلك ـ بهدف منعه من الغنيمة، فالغنيمة حق المجاهدين، وهو بحاجةٍ إلى كثير منهم كي يربح المعركة، فكيف يمنع من يريدون الخروج إلى الجهاد معه، لو لم يكن هناك ضرورة في ذلك، أو خوفٌ من إساءتهم للحرب، أو أمرٌ من الله لاختصاص غيرهم بالجهاد في هذه المعركة؟
* * *
إن تطيعوا اللَّه يؤتكم أجراً حسناً
{قُل لّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأعْرَابِ} لمن يريدون تأكيد موقفهم المخلص للَّه ولرسوله في خط الجهاد، إن هناك فرصةً أخرى لإثبات إيمانهم بالمشاركة في ساحة الصراع بين الشرك والإسلام، وذلك في مواقع القتال العنيف الذي يواجه الآخرين بقوة، {سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ} في ما يملكونه من الشجاعة والقوّة {تقاتلونهم أو يسلمون}، بحيث يكون إعلانهم الإسلام وسيلةً من وسائل تحييدهم عن دائرة الشرك، وإخضاعهم لسلطة الإسلام، وليفتح لهم ذلك الإسلام الشكلي باب معرفة الإسلام والاطّلاع على ما في الحياة الإسلامية من انفتاح على الحرية، ومن عدالة وغنى في التجربة، ليسلموا عن قناعةٍ وإخلاص.
{فَإِن تُطِيعُواْ} الله ورسوله في ذلك كله بالخروج مع المجاهدين، وبالقتال في تلك الساحة، {يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً} جزاءً لطاعتكم وإخلاصكم، {وَإِن تَتَوَلَّوْاْ كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مّن قَبْلُ} وتتخاذلوا وتبرّروا الامتناع بأعذارٍ واهيةٍ كما فعلتم في سفرة الحديبية، {يُعَذّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} في الدنيا والآخرة، كما يعذّب كلّ المعاندين من المنافقين والكافرين.
تفسير القرآن