من الآية 18 الى الآية 24
الآيــات
{لقد رضِي الله عن المؤمنين إذ يُبايعونك تحت الشجرة فعلِم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريباً* ومغانِمَ كثيرةً يأخذونها وكان الله عزيزاً حكيماً* وعدكُم الله مغانم كثيرةً تأخذونها فعجّل لكم هذه وكفّ أيديَ الناس عنكم ولتكون آيةً للمؤمنين ويهديَكُم صراطاً مستقيماً* وأخرى لم تقدِروا عليها قد أحاط الله بها وكان الله على كل شيءٍ قديراً* ولو قاتلكُم الذين كفروا لولّوا الأدبار ثم لا يجدون وليّاً ولا نصيراً* سنّة الله التي قد خلَتْ من قبل ولن تجِد لسنّة الله تبديلاً* وهو الذي كفّ أيديَهم عنكم وأيديَكُم عنهم ببطنِ مكّة من بعدِ أن أظفَرَكم عليهم وكان الله بما تعملون بصيراً} (18ـ24).
* * *
بيعة الشجرة ورضى الله
وهذا فصلٌ جديد من السورة يتحدث عن بيعة الرضوان، وعن رضى الله عن الذين قاموا بها وكيف عاشوا السكينة الروحية في داخلهم وحصلوا على الثواب الإلهي، بالفتح القريب الذي كانوا يتمنونه وينتظرونه، وكيف وصل المسلمون إلى مستوى من القوة كانوا فيه قادرين على هزيمة المشركين، لولا إرادة الله التي لم تجد حكمة في القتال في تلك الفترة.
{لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} لأن البيعة كانت موقفاً صارخاً في وجه المشركين الذين كانوا يستغلون قدراتهم الذاتية وتحالفاتهم مع القوى الأخرى، لمنع الدعوة من التحرك بحريةٍ في ساحة الصراع، كي يبقى موقف المسلمين موقفاً خائفاً قلقاً، خاصة إذا تعلّق الأمر بمهاجمة قريش داخل مكة، التي تسيطر على كل مواقع القوّة فيها.
لهذا كان موقف البيعة محطّ رضى الله، لأن المسلمين فيه تمرّدوا على كل عوامل الضعف، وواجهوا مواقف التحدي بروحية التضحية والشهادة، {فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ} من الإخلاص والتضحية، {فَأنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ} بما أودعه فيهم من طمأنينة روحية تستمد الثقة من الله، وتنفتح على مواقع لطفه ورحمته، فلم يعيشوا الشعور بالخوف والقلق، بل انطلقوا في مسيرتهم كما لو لم يكن هناك عدوٌّ أو مشكلة، {وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً}، والظاهر أن المراد به فتح خيبر الذي جاء بعد الحديبية، {وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا} وهي غنائم خيبر، كما قيل، {وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً} فإذا أراد شيئاً كان، وإذا خطَّط لشيءٍ فإن حكمته متقنة في أكثر من جانب.
* * *
وعد اللَّه يتحقق
{وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا} مما تحصلون عليه في معارك الإسلام المقبلة، {فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ} المغانم بحصولكم عليها في خيبر، وقد جاء التعبير بها من باب تنزيل المستقبل منزلة الحاضر لقرب وقوعه وتحققه، إذا كانت الآية قد نزلت مع الآيات السابقة، أمَّا إذا كانت قد نزلت بعد معركة خيبر فلا إشكال، {وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ} من أهل مكة، فلم يقاتلوكم، ذلك أن النبي عندما قصد خيبر، همّت بعض القبائل أن تُغِير على أموال المسلمين وعيالهم بالمدينة، فقذف الله في قلوبهم الرعب.
{وَلِتَكُونَ آيَةً لّلْمُؤْمِنِينَ} إذ في ما يحققه الله من وعده بالغنيمة والفتح والنصر علامة من علامات الإيمان التي تقوّي ثقتهم بالله وبوعده، {وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُّسْتَقِيماً} في الخط الذي تسيرون عليه، بالانقياد إلى الله فيه، والطاعة لأوامر الرسول ونواهيه، والجهاد في سبيل الله.
{وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا} من الغنائم التي لا تملكون وسائل الحصول عليها، لعدم وجودها تحت متناول أيديكم، {وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلّ شَىْء قَدِيراً} فلا يُنال شيءٌ إلا بقدرته التي تحتوي الأمر كله.
* * *
نصر المؤمنين سنة اللَّه تعالى
{وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كفَرُواْ لَوَلَّوُ الأدْبَارَ} فقد كانوا في موقع الضعف الروحي والمادي بسبب الخوف الذي دبّ في قلوبهم، والتعب الذي سيطر عليهم، لذا قبلوا بالصلح لأول مرّةٍ، ولولا ضعفهم ذاك لاستمروا في القتال، لأن دوافعهم للقتال لا تزال موجودة، فالمسيرة النبوية بالنسبة لهم تمثل تحدياً وهجوماً، {ثُمَّ لاَ يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً}، لأن الله إذا أراد نصرة المؤمنين عليهم، لأنه وليهم، فلن يستطيع أحدٌ أن يدفع عنهم الضرر الذي أراد لهم أن يخضعوا له.
{سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ} في نصرة أنبيائه والمؤمنين معهم إذا أخذوا بأسباب النصر، واعتمدوا وسائله، وتحركوا في اتجاهه من موقع الإخلاص له، والطاعة لرسوله في مواقع القيادة أو في مواقع النبوّة، {وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً} لأن السنن الكونية الإلهية التي تحكم حركة المجتمعات وبقاءها، ليست خاضعة للظروف الطارئة والتغيرات التي تحدث للزمان والمكان، بل هي ثابتة من ثوابت التقدير الإلهي في نظام الكون كله.
{وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ}، فقد استطاع المسلمون السيطرة على مكة عسكرياً وفرض قوّتهم على كل مواقعها، وكانت قريش وأحلافها في موقف المواجهة للنبي ومن معه، ما جعل وقوع الحرب أمراً وارداً في أيّة لحظة، ليسقط المزيد من القتلى والجرحى هنا وهناك. ولكن الله أراد أن يكفَّ كل طرفٍ عن الآخر في هذه المرحلة، التي قد لا تكون للحرب فيها مصلحة لأي من الطرفين، لا سيّما بالنسبة للمسلمين، الذين كانوا يتطلعون إلى فتح مكة دون قتالٍ.
{وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً} فجعلكم في موضع رعايته وعنايته، وأعطاكم من فضله الكثير، ممّا هيّأ لكم أمره، ومهّد لكم فعله.
تفسير القرآن