تفسير القرآن
الفتح / من الآية 25 إلى الآية 26

 من الآية 25 الى الآية 26
 

الآيتـان

{هُمُ الذين كفروا وصدّوكم عن المسجد الحرام والهدْيَ معكوفاً أن يبلُغ محلّه ولولا رجالٌ مؤمنون ونساءٌ مؤمناتٌ لم تعلموهم أن تطؤوهم فتُصيبَكُم منهم معرًّة بغير علمٍ ليُدخِلَ الله في رحمته من يشاء لو تزيَّلوا لعذّبنا الذين كفروا منهم عذاباً أليماً* إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحميّة حميّة الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحقّ بها وأهلها وكان الله بكلّ شيءٍ عليماً} (25ـ26).

* * *

معاني المفردات

{تَطَؤوهُمْ}: الوطء: الدوس.

{مَّعَرَّةٌ}: إثم وجناية وأذى.

{تَزَيَّلُواْ}: تميزوا وتفرقوا.

{الْحَمِيَّةَ}: الأنفة والاستكبار.

* * *

صدّ المسلمين عن المسجد الحرام

{هُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ} بالرسول والرسالة، وهم مشركو مكة الذين أصرّوا على البقاء في دائرة الوثنية بعيداً عن التوحيد، {وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} حيث أصدروا قرارهم بمنع المسلمين من دخول مكة والحج إليها، لأنهم يخافون من امتدادهم فيها، ومن تحولها إلى مركز من مراكز النفوذ الإسلامي الذي يعني ترسيخ التوحيد في العبادة، وطرد الأصنام من وعي الناس ومن تقاليدهم، بعد طردها من حياتهم، {وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً} أي ممنوعاً من الذهاب إلى جهةٍ، بالإقامة في مكانه، فحبسوه عن السير {أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ} وهو الموضع الذي ينحر فيه أو يذبح، وهو مكة في هدي العمرة، ومنى في هدي الحج... وقد كان النبي وأصحابه محرمين بالعمرة آنذاك، وساقوا الهدي معهم إلى مكة.

{وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ} من المسلمين المقيمين بمكة الذين لا تعرفونهم بأعيانهم، {أَن تَطَؤوهُمْ} أي أن تدوسوهم وتسحقوهم في هجومكم على قريش، {فَتُصِيبَكمْ مّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ} أي يحدث لكم مكروه من قتلهم إذا قتلتموهم {بِغَيْرِ عِلْمٍ} منكم، لما كفَّ الله أيديكم عنهم، لأن الظروف كانت سانحة لتحقيق النصر، ولكنه أراد حفظ الأقلية المؤمنة في مكة ليومٍ آخر، ليحقق الفتح بالقوّة الشاملة دون قتلٍ أو قتال.

{لّيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاء} من المؤمنين والمؤمنات الذين لا تعرفونهم أو الذين أسلموا بعد الصلح، كما قيل، ليحفظ لهم سلامتهم إلى وقتٍ ما، وليدخلكم في رحمته بحيث لا تقعون في قتل هؤلاء، {لو تزيّلوا} أي تفرقوا عن بعضهم البعض وامتاز المسلمون عن المشركين بحيث أمكن الفصل بينهم {لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} بإيقاع القتل عليهم، ولكن الحفاظ على سلامة المؤمنين كان مشكلة تفرض نفسها على الساحة، {إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي قلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ} التي يحركها الانفعال والعصبية ومشاعر الإخلاص للعشيرة، دون أي وعي فكري يربط المشاعر الإنسانية والعلاقات بالقضايا الفكرية والروحية والمعاني الإنسانية...

وهذا ما جعلهم يصرّون على عدم التنازل عن امتيازاتهم العصبية، ولا ينفتحون على منطق العقل والحوار باعتباره سبيل الوصول إلى نتائج إيجابية في ما يختلف فيه الناس، لكن هذه الحميّة الجاهلية، لم تخلُق لدى المؤمنين ردّ فعلٍ انفعالي لمواجهة الحمية بحميةٍ مماثلةٍ، بل حافظوا على هدوئهم النفسي، وطمأنينتهم الروحية، {فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ} ليحافظوا على التوازن في دراسة الأمور، ويتحركوا في خطِّ التقوى الذي يضع المسألة في نصابها الصحيح، من الوقوف مع التوجيه الإلهي الذي يحدد لهم مواقعهم في الساحة من خلال الحلال والحرام، {وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى} وهي كلمة التوحيد التي تربط الناس بالله في العبادة والطاعة في كل قضاياهم العامة والخاصة، ليقفوا حيث يريد منهم الوقوف، وليتحركوا حيث يريد منهم التحرك، {وَكَانُواْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا} لأن المؤمنين هم الحاملون لها، المنفتحون عليها، العاملون بمضمونها في كل أمورهم، ما يجعلها كلمةً لاصقةً بكل حياتهم، مرتبطةً بكل واقعهم الفكري والعملي، فهم أحقّ بها من غيرهم، وهم أهل التوحيد في كل مواقع الحياة، {وَكَانَ اللَّهُ بِكُلّ شَيء عَلِيماً} في ما يحيط به من سرّهم وعلانيتهم في الأمور كلّها.