تفسير القرآن
ق / المقدمة + من الآية 1 إلى الآية 15

 المقدمة + من الآية 1 الى الآية 15
 

سـورة ق
ـ مكية ـ وآياتها خمس وأربعون

في أجواء السورة

هذه السورة من سور الدعوة التي تطل على مجتمعها الوثني الذي وقف بوجهها معلناً تعجّبه من مجيء النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) بالنبوّة، وهو جزءٌ من هذا المجتمع الذي لا يرى نفسه جديراً بأن يكون أحد أفراده رسولاً لله، كما أنه يثير استغرابهم من مقولة المعاد التي يرونها شيئاً غير معقول، لرفضهم إعادة الحياة بعد الموت، ولكنهم يغفلون في ذلك عن قدرة الله التي لا تقف عند حدّ، أفلا ينظرون إلى السماء من فوقهم وإلى الأرض من تحتهم وإلى إحياء الأرض الميتة بالمطر النازل من السماء؟ فكيف يستغربون عودة الحياة إلى الإنسان الميت بقدرة الله؟

وهكذا ينطلق الحديث عن بداية خلق الإنسان من موقع القدرة، وعن إحاطة الله بكل وسوسات نفسه، فهو أقرب إليه من حبل الوريد، وهناك ملكان يحيطان به من اليمين والشمال، ويحصيان عليه كل أقواله وأفعاله، وسيقف غداً في يوم الحساب لتأتي كل نفس ومعها سائق وشهيد، وسيرتفع عنه غطاء الغفلة الذي كان يغطي روحه وقلبه، فلا يدع الوعي ينفذ إليهما لينفتح على آفاق المسؤولية في اليوم الآخر.

ويقف الجميع أمام المصير المحتوم، فيلقى في جهنم كل كفّار عنيد مناع للخير معتد مريب مشرك بالله، وتُقرَّبُ الجنةُ لكل أوّاب حفيظ ممن خشي الله بالغيب.

ويلتفت، من ثم، الله سبحانه وتعالى إلى النبي، ليدعوه إلى الصبر وإلى الثقة به وبانتصار الرسالة إن عاجلاً أو آجلاً، فقد أهلك الله جبابرة العصور السالفة، فهل يعجزه إهلاك هؤلاء؟ فلينتظر يوم القيامة، يوم ينادي المنادي من مكانٍ قريب ليوم الخروج، كما يدعوه إلى مواصلة دعوته القرآنية ليذكّر من يفتحون قلوبهم خوفاً من يوم الوعيد، فتلك هي مهمته الرسالية التي تفتح العقول على الله، وليس هو الجبار المسيطر بالقوّة التي تقهر الآخرين بالتعسف والقسوة والشدّة غير العقلانية.

وفي ضوء ذلك، فإن هذه السورة تطرق بدقائقها المتواصلة، وبأسلوبها المثير، وبإيقاعها المتوازن الهادر القلوب والأرواح، وتثير المشاعر، ليتذكر من خلالها من يتذكر، وليتحرك فيها الرساليون.

ــــــــــــــــــــ

الآيــات

{ق والقرآن المجيد* بل عجبوا أن جاءهم منذرٌ فقال الكافرون هذا شيءٌ عجيب* أئذا متنا وكنا تراباً ذلك رجعٌ بعيد* قد علمنا ما تنقُصُ الأرض منهم وعندنا كتابٌ حفيظ* بل كذّبوا بالحقّ لما جاءهم فهم في أمرٍ مريج* أفلَم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيّنّاها وما لها من فروج* والأرض مددناها وألقينا فيها رواسِيَ وأنبتنا فيها من كلّ زوجٍ بهيج* تبصِرةً وذكرى لكلّ عبدٍ منيب* ونزّلنا من السماء ماءً مباركاً فأنبتنا به جناتٍ وحبّ الحصيد* والنّخل باسقاتٍ لها طلعٌ نضيد* رزقاً للعباد وأحيينا به بلدةً ميتاً كذلك الخروج* كذّبَت قبلهم قوم نوحٍ وأصحاب الرسّ وثمُود* وعادٌ وفرعون وإخوان لوطٍ* وأصحاب الأيْكَة وقوم تُبّعٍ كلٌ كذّب الرّسل فحقّ وعيد} (1ـ14).

* * *

معاني المفردات

{رَجْعُ}: رجوع.

{مَّرِيجٍ}: المرج: الاختلاط والالتباس.

{فُرُوجٍ}: جمع فرجة؛ الشقوق والفتوق.

{رَوَاسِيَ}: جبال رواسخ.

{بَهِيجٍ}: من البهجة، وهي الحسن الذي له روعة عند الرؤية.

{مُّنِيبٍ}: راجع إلى الله.

{الْحَصِيدِ}: ما حصد من الزرع.

{بَاسِقَاتٍ}: جمع باسقة وهي الطويلة العالية.

{طَلْعٌ}: أول ما يطلع من ثمر النخل.

{نَّضِيدٌ}: مضموم بعضه إلى بعض.

* * *

إثباتات البعث وتكذيب الناس له

{ق والقُرْآنِ الْمَجِيدِ} أي أقسم بالقرآن، أن ما توحي به الآيات من حديثٍ عن البعث والحساب الذي يقف فيه المؤمنون وجهاً لوجهٍ أمام المسؤولية بين يدي الله، هو حقٌّ لا ريب فيه، لأنه يمثل صفاء الحقيقة الواضحة التي تفرض نفسها على العقول والقلوب.

{بَلْ عَجِبُواْ أَن جَآءهُمْ مُّنذِرٌ مّنْهُمْ} ولكن هؤلاء القوم يعجبون ويظهرون الدهشة والاستغراب من مجيء رسول منذر من بينهم، في وقت يتصورون فيه أن الرسول لا يمكن أن يكون بشراً، بل لا بد من أن يكون من الملائكة، {فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْء عَجِيبٌ} فلم يكفه أن جاء بالرسالة، فقد جاء بدعوة مثيرة للعجب، في غرابتها وابتعادها عن الوجدان المتّزن الذي يقيس الأمور بمقياس العقل، {أَئذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعُ بَعِيدٌ} أي رجوع يستبعده العقل، فكيف يتحدث بذلك من يدّعي سلامة العقل ويوحي بأنه قد جاءنا ليرفع من شأن العقل لدينا، ويطوّر وعينا الفكري؟

ولكن الله يردّ عليهم كل ذلك بمنطق عقلي يضعهم وجهاً لوجهٍ أمام المعادلة العقلية التي تقيس الأشياء بأمثالها، ليقف الجميع على القاعدة التي تحكم كل هذه الأمور: {قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الأرْضَ مِنْهُمْ} فيسموتون وتتلاشى أبدانهم وتتحول إلى تراب تتشابه أجزاؤه، فلا يتمايز جزء منها عن جزءٍ بالنسبة للناظر العادي الذي يتأمل عناصرها الذاتية، ولكن الله يعرف كل دقائق تلك الأبدان ومواقعها، بحيث لا يعجزه تركيبها من جديد، دون أن يختلط شيء منها، {وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ} يحفظ دقائق الأشياء، فلا يسقط منه أيّ شيء يحتاج إلى حفظه، وهو اللوح المحفوظ، كما قيل، أو أنه كنايةٌ عن علمه الذي لا يغيب عنه شيء.

{بَلْ كَذَّبُواْ بِالْحَقّ لَمَّا جَآءهُمْ} فليست مشكلتهم أنهم لا يجدون أساساً لمعرفة الحق، بل المشكلة أنهم يبادرون إلى تكذيب الدعوة دون أن يتوقفوا أمامها ليفكروا ويحاوروا ويتعرفوا وجه الحق فيها، {فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَّرِيجٍ} محتارون، هل يقبلون الدعوة التي تفرض نفسها عليهم بالحجة والبرهان، أم يرفضونها لخروجها عما ألفوه في دائرة الحسّ لعدم وجود نموذج قريب من الدعوة في هذه الدائرة الحسية؟

* * *

السماء والأرض وإمكانية البعث

{أَفَلَمْ يَنظُرُواْ إِلَى السَّمَآء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا} وأقمناها بغير عمد، {وَزَينّاهَا} بالكواكب المتلألئة في إشراقتها الهادئة التي تشير إلى معنى النور في داخل الظلام، {وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ} وثغرات وشقوق مما قد يحدثه ضغط امتداد الأفق على هذا السقف الكوني؟ أفلا يكون هذا كله دليلاً على القدرة التي تصغر أمامها عودة الحياة إلى الميت؟

{وَالأرْضَ مَدَدْنَاهَا} وبسطناها بالطريقة التي يتمكن الإنسان أن يعيش عليها ويتحرك فيها، {وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَواسِيَ} وهي الجبال التي تمثل قوّة الثبات في سطحها وشموخ القدرة في علوّها، {وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} في ما يتنوع به النبات من الخضرة والفاكهة وغيرهما مما يخضع لقانون الزوجية في خلق الله، وينفتح على الكثير مما تستلذه النفس وتشتهيه الحواس وتتنوع فيه الخصائص، وتتمثل فيه روعة الخلق وحسن المنظر وتناسق الألوان، ونحو ذلك مما يدل على عظمة القدرة الإلهية التي تطل على آفاق القدرة في غيرها، وذلك {تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ} أي راجع إلى الله، فإن الرجوع إليه يبعد الإنسان عن العصبية التي تربطه بالباطل، وعن التعقيد الذي يمنعه من الانفتاح على الحق، فيتبصر بكل المواقع التي تفتح النوافذ على النور، ويتذكر كل الكلمات والمشاهد والتأملات التي تحرك تفكيره نحو الله.

{وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَآء مَآء مُّبَارَكاً فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ} متنوعة الخضرة والثمار والأشجار، {وَحَبَّ الْحَصِيدِ} الذي يزرعه الناس فيتحوّل إلى سنابل يحصدونها ويجدون فيه الغذاء الذي يبني أجسادهم، {وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ} أي عالياتٍ {لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ} وهو أول ما يطلع من ثمر النخل بطريقة منضودة تربط بعضه ببعض، {رّزْقاً لّلْعِبَادِ} في ما يأكلونه ويقيمون به حياتهم، {وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً كَذلِكَ الْخُرُوجُ} في يوم البعث، عندما تتحرك قدرة الله، لتمنح الحياة للتراب الذي تحولت إليه أجزاء الجسد الإنساني، أو للعظام التي يكسوها الله لحماً ويبعث فيها الحياة، تماماً كما يمنح الحياة للأرض الميتة من خلال الماء الذي ينزله عليها، فيتفاعل مع البذور المتناثرة فيها.

لكن القوم يستمرون بتكذيب الرسول، ويصرون على الشرك، ولكنهم ليسوا أوّل الكافرين، وليسوا أوّل المكذبين {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسّ وَثَمُودُ* َوَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوانُ لُوطٍ* َوَأَصْحَابُ الأيْكَةِ وَقَوْمُ تُّبَّعٍ} وقد تقدم الحديث عنهم في السور السابقة، {كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ} أي ثبت الوعيد الإلهي، فاستحقوا العذاب كنتيجة طبيعيةٍ للترابط بين التكذيب ودخول النار في ما توعد الله عباده الكافرين.