من الآية 15 الى الآية 22
الآيــات
{أفعَيِينا بالخَلْقِ الأوّل بل هم في لبْسٍ من خلْقٍ جديد* ولقد خلقنا الإنسان ونعلمُ ما توسوس به نفسُهُ ونحن أقرب إليه من حبل الوريد* إذ يتلقّى المتلقّيان عن اليمين وعن الشّمال قعيد* ما يلفِظُ من قولٍ إلا لديه رقيبٌ عتيد* وجآءت سكرةُ الموت بالحقّ ذلك ما كنت منه تحيد* ونُفِخَ في الصّور ذلك يوم الوعيد* وجآءت كلّ نفسٍ معها سآئقٌ وشهيد* لقد كنت في غفلةٍ من هذا فكشفنا عنك غطآءك فبصرُك اليوم حديد} (15ـ22).
* * *
معاني المفردات
{أَفَعَيِينَا}: أفعجزنا.
{لَبْسٍ}: شكّ.
{تُوَسْوِسُ}: الوسوسة: حديث النفس بشرّ.
{حَبْلِ الْوَرِيدِ}: عرق متفرق في البدن يخالط الإنسان في جميع أعضائه.
{الْمُتَلَقّيَانِ}: الملكان.
{قَعِيدٌ}: المقصود هنا: ملازم لا يبرح.
{رَقِيبٌ}: حافظ.
{عَتِيدٌ}: المعد المهيّأ للزوم الأمر.
{تَحِيدُ}: تعدل وتميل.
{سَآئِقٌ}: السَّوْق: الحثّ على السير.
{حَدِيدٌ}: حادّ.
* * *
اللَّه أقرب إلى الإنسان من حبل الوريد
{أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الاْوَّلِ} في بداية خلق الإنسان، وخلق الكون كله في نظام متقن وتدبير حكيم، فهل هناك عجزٌ في حركة القدرة لإعادته من جديد؟ ولكن مشلكة هؤلاء أنهم لا يفكرون بالأمر تفكير وعيٍ وانفتاحٍ يزن الأمور بميزان العلم الذي يربط بين الأشياء على أساس القاعدة التي ترتكز عليها مظاهرها، {بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ} إذ دفعتهم الغفلة إلى التخبط في أوهامهم وأفكارهم المعقدة ضد فكرة المعاد والخلق الجديد الذي يعقب الخلق الأول، هذه الفكرة التي من شأنها، فيما لو تحكّمت في قلب الإنسان ووعيه، أن تحرك نشاطه في الاتجاه المستقيم في الدنيا، وتدفعه إلى مواجهة النتائج في الآخرة، وبالتالي من شأنها أن تعمق من شعوره بالمسؤولية اتجاه نفسه واتجاه محيطه الإنساني وغير الإنساني. إلا أنّ هؤلاء السادرين في غياهب الشدة واللبس، يتحركون كما لو أن الأمر ملتبس عليهم في الدوائر التي لا تسمح بأي التباس من أي نوع كان، لأن عقلانية المنطق في المسألة، لا توحي إلاّ بالوضوح لمصلحة الفكرة الرسالية، {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ} وهذه هي الحقيقة الإيمانية التي تؤكدها الآية، فالإنسان مخلوقٌ لله وحده، فهو لم يخلق نفسه، ولم يخلقه أحدٌ من المخلوقات الأخرى، وإذا كان الله هو الخالق له، فمن الطبيعي أن يكون مطّلعاً على كل شيءٍ في داخله، حتى الهمسات الروحية، والوسوسات الفكرية، والنبضات الشعورية، والخطورات الخيالية، فهو مكشوفٌ لله بكل ما يتحرك في الفكر والشعور والخيال، فلا يملك الإنسان أن يحمي نفسه من علم الله بما في نفسه، وبالتالي فإنه لا يستطيع الدفاع عن انحرافه بما قد يتعلل به من عدم القناعة في القضايا المثارة أمامه.
{وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} وهو عرقٌ متفرِّق في البدن فيه مجاري الدم، كما قيل، أو هو العرق الذي في الحلق، كما قيل، وهو تعبير كنائي عن القرب الإلهي من الإنسان بالمستوى الذي لا يدنو فيه إليه أقرب أعضائه الممتزج بمجاري دمه، ما يجعل معرفة الله بالإنسان في داخله الفكري والشعوري، أمراً في الدرجة العليا من الوضوح.
وربما كانت المسألة تطل في الإيحاء التعبيري على الآية التي تتحدث عن {أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْء وَقَلْبِهِ} (الأنفال: 24)، وهو نوع من التخييل الغني الذي يثير في الوعي الإنساني الشعور بالهيمنة الإلهية على مجاري فكره، كما هي الهيمنة التي تنفذ إلى ما هو أقرب إليه من مجاري دمه.
* * *
الملكان الحافظان لأعمال الإنسان
{إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقّيَانِ} وهما الملكان اللذان يحفظان أعمال الإنسان وأقواله ويتلقيانها من خلال ما يملكانه من وسائل، {عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشّمَالِ قَعِيدٌ} أي هناك ملك قاعد عن يمينه وملك قاعد عن شماله، كناية عن الاستقرار والإحاطة. وهكذا يخضع الإنسان إلى رقابةٍ ملائكيةٍ من قبل الله بالإضافة إلى الرقابة الإلهية المباشرة، ويقال: إن اليمين والشمال كناية عن جانبي الخير والشر اللذين تنتسب إليهما الحسنة والسيّئة. {مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} أي حاضرٌ مستعدّ لتلقِّي كل أمر.
{وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقّ} لتنقلك إلى عالم آخر، يختلف عن العالم الذي أنت فيه، فتفارق كل مواقع شغلك، وكل ملاعب لهوك وفرحك، {ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ} فتهرب من ذكره، وتبتعد عن مواقعه وإيحاءاته، وتعمل على إلهاء نفسك عنه بأيّ شيءٍ، مما يجلب الغفلة إلى وعيك وشعورك، لأنك كنت مشدوداً إلى الدنيا بكل غرائزك وشهواتك وعلاقاتك، وبكل ما ألفته من أوضاع وأشياءٍ وأعمال.. وها أنت تواجه الحق في القضاء الإلهي، فتنشغل به في ما يشبه السكرة عن كل مَن حولك مِن الناس، وما حولك من الأمور.
* * *
يوم الوعيد
{وَنُفِخَ فِي الصُّورِ}. وتعبير النفخ هنا وارد على سبيل الحقيقة، باعتبار أنه يحصل فعلاً بوسائل لا نملك أمر معرفتها بالتحديد، أو أنه وارد على سبيل الكناية باعتبار أنه صوت يوقظ النائمين بدويّه، ليوحي بما يوقظ الموتى بقوّته، وهو علامة على دخول عالم الخلود، {ذَلِكَ يَوْمَ الْوَعِيدِ} الذي توعّد الله به عباده من الكافرين والمجرمين.
{وَجَآءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ} تماماً كما يأتي أي مجرم يقوده شخص ما إلى ساحة المحكمة ليواجه الحكم العادل، وهناك شاهدٌ يشهد له أو عليه في ما اكتسبه من أعمال تجاه الله، ويمكن أن يكون التعبير بذلك وارداً مورد الإيحاء بعدالة المحاكمة التي يتلقاها الإنسان يوم القيامة من خلال تصوير الطابع الذي تأخذه.
{لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مّنْ هَذَا} باستغراقك في لهو الدنيا وعبثها وشهواتها ولذائذها، وكانت هناك أكثر من غشاوة على بصرك القلبي، فلم ينفتح قلبك على مواقع المسؤولية في آفاق الله، {فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءكَ} فانكشفت لك الحقيقة الإيمانية بكل وضوحها وإشراقها، {فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} لا يخفى عليك أيّ شيء تحتاج إلى رؤيته، لأن الوضوح في قضايا الآخرة لجهة حساب الثواب والعقاب، ولجهة المصير في رضوان الله وسخطه، يفرض نفسه بحيث لا يترك مجالاً للتعلّل بأيّ خفاءٍ في الحقيقة، في ما يعتذر به الشاكّون أو الجاحدون من عدم الوضوح.
تفسير القرآن