من الآية 23 الى الآية 35
الآيــات
{وقال قرينُهُ هذا ما لديَّ عتيدٌ* ألقِيَا في جهنّم كلّ كفارٍ عنيدٍ* منّاعٍ للخير معتَدٍ مريب* الذي جعَل مع الله إلهاً آخر فألقِياهُ في العذاب الشديد* قال قرينُه ربّنا ما أطغيْتُهُ ولكن كان في ضلالٍ بعيد* قال لا تختصِمُوا لديّ وقد قدَّمْتُ إليكم بالوعيد* ما يُبدَّل القولُ لديّ وما أنا بظلاّمٍ للعبيد* يوم نقول لجهنّمَ هل امتلأتِ وتقول هل من مزيدٍ* وأُزْلِفَت الجنّة للمتقين غير بعيدٍ* هذا ما تُوعدون لكلّ أوّابٍ حفيظٍ* من خشِيَ الرحمن بالغيبِ وجآء بقلبٍ منيبٍ* ادخُلُوها بسلامٍ ذلك يومُ الخلود* لهم مّا يشآؤون فيها ولدينا مزيد} (23ـ35).
* * *
معاني المفردات
{عَتِيدٌ}: حاضر ومهيأ.
{عَنِيدٍ}: المعنى هنا: الذاهب عن الحق.
{أَطْغَيْتُهُ}: أجبرته على الطغيان.
{وَأُزْلِفَتِ}: قرّبت وأدنيت.
{أَوَّابٍ}: من الأوب، بمعنى: التوّاب الراجع إلى الطاعة.
{مُّنِيبٍ}: راجع إلى الله.
* * *
حوار الإنسان مع قرينه يوم القيامة
وتبقى السورة على تحركها في أجواء القيامة التي يقف فيها الإنسان الكافر العنيد، والمتقي المؤمن، ليواجه كل منهما الموقف الحاسم الذي يحدّد مصيره النداء الإلهي الذي يأمر بالعذاب أو الثواب بشكل مباشرٍ.
{وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ} ما المراد بالقرين هنا؟ هل هو الملك الذي يسوق الإنسان ليقدّمه إلى الله في مقام الحساب، باعتبار أن الملك هو الذي كان يرافقه بحكم وظيفته في تسجيل أعماله؟ أم هو الشهيد الذي يشهد عليه بما عمله ويقدِّم أعماله بين يدي الله؟ أم هو الشيطان الذي يصاحبه ويزيّن له معاصيه، لتكون المسألة كناية عن النهاية التي يوصل الشيطان صاحبه إليها في نار جهنم؟
وربما كان الأقرب إلى السياق هو الاحتمال الأول، باعتبار أنه هو من يقدم هذا الشخص إلى الله معه بعد انتهاء مسؤوليته؛ والله العالم.
وينطلق النداء من الله سبحانه ليصدر الأمر بدخوله إلى نار جهنم {أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ} ينطلق كفره من موقع العناد لا من موقع الفكر القائم على الحجة، {مَّنَّاعٍ لّلْخَيْرِ} لأنه لا يختزن الروحية الإيمانية التي تدفع الإنسان طواعيةً إلى فعل الخير والتشجيع عليه، بل يعيش الأنانية التي تتعقد من الخير الذي يفعله الآخرون، لأنه يثير في ذاته عقداً تمنعه عن العطاء وتجعله يرفض فعله من الغير، حتى لا يكون حجةً عليه أمام الناس، {مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ} لأن أنانيته تحركه نحو احتواء كل شيءٍ لنفسه، ما يجعله مستعداً للاعتداء على حقوق الناس بكل الأساليب التي تنطلق من شخصيته المريبة المختنقة بكل مشاعر الحسد والريب {الّذي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ}.
{قَالَ قرِينُهُ} الشيطاني الذي يقف موقف المسؤول عن ضلال صاحبه، لأنه كان يحركه نحو الغواية ويدفعه إلى ساحات الضلال، وهو الآن يعتذر عن موقعه ذاك، ليبعد نفسه عن المسؤولية بعنوان أن الضلال يخضع لإرادة صاحبه الذاتية: {رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُ} في طغيانه عليك وتجاوزه لحدودك، {وَلَـكِن كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ} فقد كان ضلاله خاضعاً لروحية الضلال فيه، فلم يكن موقفه هذا ناشئاً عن إغواءٍ خارجي، بل هو ناشىء من الانحراف الداخلي الذي يختزنه في شخصيته.
ونستوحي من هذا المنطق الدفاعي، أن هذا الكافر العنيد كان يحاول التهرب من مسؤولية كفره ليضعها على عاتق هذا القرين أمام الله، ما جعل القرين يدافع عن نفسه بهذه الطريقة في موقع التخاصم، ولهذا جاء الجواب الزاجر من الله سبحانه لهما معاً:
{قَالَ لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَيَّ} سواء كنتم من الظالمين أو من المضلّلين، فليس هناك فرقٌ بين أن يكون هذا الكافر خاضعاً لضلال قرينه أو غير خاضع له، لأن ذلك ليس عذراً له بعد أن أقام الله عليه الحجة القاطعة بالأسس التي يرتكز عليها الهدى في قاعدته الفكرية وخطّه العملي، {وَقَدْ قَدَّمْتُ إِليْكُم بِالْوَعِيدِ} والتحذير من يوم القيامة، وتلك هي الكلمة الفاصلة التي يرتبط فيها المصير بالعمل، ليكون الجزاء من نوع العمل {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَىَّ} في ما حددته من الكلمة الحاسمة في يوم الفصل، {وَمَآ أَنَاْ بِظَلاّمٍ لّلْعَبِيدِ} فقد جاء الحكم منسجماً مع سلوكهم المنحرف عن الخط المستقيم..
* * *
المصير النهائي في جهنم أو في الجنة
وهكذا يندفع كل هؤلاء المجرمين إلى نار جهنم التي تنتظر القادمين إليها من قاعدة كفرهم وإجرامهم، {يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلاَتِ} بالناس الذين كفروا بالله وتمردوا عليه فلم يبق هناك مجال للزيادة؟ ولكنها تستزيد {وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ} فلا يزال هناك أكثر من مكان لأكثر من قادمٍ جديد، وربما كان هذا السؤال والجواب كناية عن اتساعها لكل الكافرين والمجرمين الذين فرضت إرادة الله دخولهم جهنم التي لا تضيق بهم ولا عنهم، بل تسعهم جميعاً.
{وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ} أي أدنيت إليهم وقرّبت إلى مواقعهم كأنها تُقدّم إليهم دون حاجةٍ إلى أن يبذلوا أيّ جهدٍ للوصول إليها، كرامةً لهم، وكنايةً عن الرغبة في بذل الراحة لهم بكل الوسائل، {هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ* مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن َ بِالْغَيْبِ} لأنهم لم يحتاجوا في الإيمان والالتزام به إلى الحسّ المباشر، بل عاشوا الإحساس بوجوده وتوحيده بعمق فطرتهم، حتى كأنه ماثل أمامهم بقوة تفوق قوة ما يراه الحسّ، {وَجَآء بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ} راجع إلى الله في كل أموره وفي كل تطلعاته وتوجهاته في مسألة الإيمان وفي قضايا الحياة.
{ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ} فليس هناك أيّ خوفٍ أو مكروه أو سوء، مما قد يخشاه الإنسان لدى الدخول إلى أيّ مكان لا يعرف ما في داخله. وينطلق النداء بكل رحمةٍ ومحبةٍ ووداعةٍ ليعمِّق في داخلهم السكينة الروحية التي لا مجال للقلق معها، وليبشرهم بالخلود الذي هو عنوان هذا اليوم الذي يبدأون به حياتهم الجديدة: {ذَلِكَ يَوْمُ الُخُلُودِ} الذي لا موت فيه.
{لَهُم مَّا يَشَآءونَ فِيهَا} مما يتمنونه وتشتهيه أنفسهم من اللذائذ والشهوات، وتتطلع إليه نفوسهم من رغبات، {وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} مما لا تبلغه رغباتهم، ولا تصل إليه تصوراتهم، في ما أعدّه الله من النعيم لعباده المتقين.
تفسير القرآن