من الآية 36 الى الآية 45
الآيــات
{وكم أهلكنا قبلهم من قرنٍ هم أشدّ منهم بطشاً فنقّبوا في البلاد هل من محيصٍ* إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلبٌ أو ألقى السمع وهو شهيد* ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة أيامٍ وما مسّنا من لُغوبٍ* فاصبِر على ما يقولون وسبّح بحمد ربّك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب* ومِنَ الليل فسبّحه وأدبار السجود* واستمع يوم ينادِ المنادِ من مكانٍ قريب* يوم يسمعون الصّيحة بالحقّ ذلك يوم الخروج* إنا نحن نحيي ونُميتُ وإلينا المصير* يوم تشقّق الأرض عنهم سراعاً ذلك حشرٌ علينا يسير* نحن أعلَمُ بما يقولون وما أنت عليهم بجبّار فذكِّر بالقرآن من يخاف وعيد} (36ـ45).
* * *
معاني المفردات
{فَنَقَّبُواْ}: فساروا.
{مَّحِيصٍ}: محيد.
{قَلْبٌ}: هنا بمعنى العقل.
{أَلْقَى السَّمْعَ}: استمع.
{شَهِيدٌ}: حاضر وشاهد.
{لُّغُوبٍ}: تعب.
{وَأَدْبَارَ}: الأدبار: جمع دبر، وهو ما ينتهي إليه الشيء وبعده.
{تَشَقَّقُ}: تتشقق: أي تتصدّع.
{سِرَاعاً}: مسارعين.
* * *
كم أهلكنا قبلهم من قرن
{وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مّن قَرْنٍ} من الناس الذين كانوا يمثلون المجتمع البشري في المراحل الزمنية السابقة، {هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشاً} إذ كانوا يملكون القوّة والعدد والحضارة، بالمستوى الذي لا يصل إليه من يكذبونك ويقفون ضد رسالتك، وذلك من خلال سنّة الله الذي جعل للأمم عمراً محدوداً وسبباً للهلاك، {فَنَقَّبُواْ فِي الْبلادِ} وطافوا فيها واستولوا على خيراتها، وبحثوا عن السُبل التي تتيح لهم النجاة من الموت، والهرب من قضاء الله، فلم يجدوا سبيلاً إلى ذلك، ووقفوا أمام الطريق المسدود ليتساءلوا، أو ليفرض الواقع عليهم السؤال في معرض الاستنكار: {هَلْ مِن مَّحِيصٍ} أي هل من مهرب من الموت؟ فهل ينتظر قومك في مصيرهم غير ما حلّ بمن قبلهم من الناس {إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ} أي عقل يفكر فيه، فيقيس الحاضر بالماضي، ويأخذ منه الدرس للمستقبل، {أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ} أي اتجه بسمعه إلى حكاية التاريخ المشتمل على العبر والعظات، {وَهُوَ شَهِيدٌ} حاضرٌ بعقله وسمعه، مستوعبٌ لكل دروس الحياة المتحركة بأمر الله، فلا يغيب عنه شيءٌ مما حوله، أو ممن حوله.
{وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَواتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} بكل ما توحي به من عظمة الخلق، وجلال الصنع، ودقة النظام، وروعة الإبداع، {وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ} لأن الله، في قدرته المطلقة، لا يعرض عليه ما يعرض على المخلوقين من جهد وعناء، فلا يعجزه شيء من مخلوقاته، كما لا يعجزه الخلق نفسه بكل ما فيه من جوانب العظمة والإبداع.
* * *
اصبر على ما يقولون
{فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ} مما يثيرونه حولك من شبهاتٍ وافتراءاتٍ وأكاذيب واتهامات، فإن الرسالة لا تستطيع أن تشق دربها في عقول الناس وفي حياتهم، إلا عبر مواقع الصراع ومقارع التحديات التي تحرّك المشاعر، وتزرع الشكوك، وتثير المشاكل، الأمر الذي يستدعي من الرسل والرساليين الصبر وإعداد خطة ممتدة في الزمن لاحتواء الفكر كله بالحجة والبرهان والسيطرة على الواقع، وتجاوز ضغط الظروف الصعبة والمراحل القاسية، ليكون النصر حليف الرسالة في كل مسيرتها في حياة الناس، لأن الزمن كفيل بتجاوز كل المشاكل الصغيرة في نطاق الحركة في القضايا الكبيرة.
{وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ} فإن التسبيح بحمده يفتح كيانك على الإحساس بعظمته في ما يوحي به ذلك من احتقار كل من عداه، وليكن تسبيحك {قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ} لتبدأ يومك في صلاة الفجر بالانفتاح على الله، ليكون يوماً إلهياً على طريق رضوانه والثقة به، {وَقَبْلَ الْغُرُوبِ} عندما يتوسط النهار في صلاة الظهر والعصر، ليتوقف الإنسان الداعية، من رسول وغيره، أمام كل ما يثيره جو الحركة العامة في حياته وحياة الآخرين من أوضاع وتحديات، ليكون التسبيح مصدر ثقةٍ روحيةٍ للثبات في الموقف، {وَمِنَ اللّيْلِ فَسَبّحْهُ} في صلاتي المغرب والعشاء، {وَأَدْبَارَ السُّجُودِ} في التعقيب الدعائي أو الصلاتي في ما يستحبه الله من ذلك.
{وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ} عندما يحين موعد القيامة، حيث ينطلق النداء الإلهي الذي يسمعه الجميع، تماماً كما يسمعون الصوت القادم من مكان قريب، ليبعث الناس من قبورهم للوقوف بين يدي الله، {يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ} التي يسمعها الناس {بِالْحَقّ} الذي لا ريب فيه، {ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ} من القبور إلى لقاء الله، {إِنَّا نَحْنُ نُحْييِ وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ} لأننا نملك الوجود كله في بدايته ونهايته، كما نملك إبداعه من جديد في قيامة الإنسان أمام قضية المصير.
* * *
تشقّق الأرض يوم القيامة
{يَوْمَ تَشَقَّقُ الأرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعاً} أي تتصدع الأرض التي يرقدون داخلها ليخرجوا منها مسارعين إلى دعوة الداعي في يوم الله، {ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ} لأن الله لا يتعسر عليه شيءٌ من أمور خلقه، {نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ} من كل ما يتآمرون عليه في الخفاء للوقوف ضد الرسالة والرسول، وفي كل ما يلفِّقونه من اتهامات وأكاذيب، ومن أفكار يواجهون بها حقائق الإيمان. {وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ} تتحرك بينهم من موقع السيطرة القاهرة التي تلغي إرادتهم وتفكيرهم لتجبرهم على الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر، لأن الله لا يريد للقناعات أن تخضع للضغط الذي لا يسمح للفكرة أن تنطلق بهدوء، وللفكر أن يتحرك بالحوار، بل أراد للأسلوب العقلاني الهادىء المتوازن القائم على أساس الحوار، أن يذكّر الناس ويخرجهم من أجواء الغفلة، لذلك {فَذَكّرْ بِالْقُرْآنِ} الذي يشتمل على كل حقائق العقيدة ونهج العمل {مَن يَخَافُ وَعِيدِ} ممن يتحرك قلبه فيخشع لكل كلمات التذكر المنطلق من عمق الروح وصفاء العقل.
تفسير القرآن