تفسير القرآن
النجم / المقدمة + من الآية 1 إلى الآية 18

المقدمة + من الآية 1 الى الآية 18

سـورة النّجـم ـ مكيـة ـ
وآياتها اثنتان وستون

في أجواء السورة

هذه السورة من السور المكية التي تتحدث عن الوحدانية التي تطل على الكون كله من موقع الألوهية والربوبية والقدرة والعلم والحكمة، ما يجعل الوثنية بكل مظاهرها، حالةً خرافيةً في وعي هؤلاء المشركين الذين لم ينطلقوا من موقع الوعي، بل انطلقوا من موقع التقليد الأعمى، والتخلّف المعقّد، كما تدعو الناس إلى التأمل والتفكير والإعراض عن هؤلاء الجاهلين.

وتعالج السورة الوحي كأساسٍ من أسس الحقيقة الإيمانية التي لا مجال للريب فيها، ولا تخلو من الإشارة إلى المعاد الذي يشكِّل عمق العقيدة ويوجّه الناس إلى المسؤولية في ما يفعلون أو يتركون، ليواجهوا نتائجها عندما يقفون غداً بين يدي الله. وفي هذا الجو كله نلتقي بالمبادىء الإسلامية التي تلتقي فيها العدالة بالمسؤولية الفردية، حيث يتحمل الإنسان وحده نتائج عمله، فلا يحمل أيُّ إنسانٍ مسؤولية عمل شخصٍ آخر غيره.

ــــــــــــــــــــ

الآيــات

{والنّجم إذا هوى* ما ضلّ صاحِبُكُم وما غَوى* وما ينطِقُ عن الهوى* إن هو إلا وحيٌ يوحى* علَّمَهُ شديدُ القوى* ذو مِرَّةٍ فاستوى* وهُوَ بالأفُقِ الأعلى* ثمّ دنَا فتدلّى* فكانَ قابَ قوسينِ أو أدنى* فأوحى إلى عبدِهِ ما أوحى* ما كذَبَ الفؤادُ ما رأى* أفَتُمَارُونَهُ على ما يَرَى* ولقَدْ رآهُ نزْلةً أخرى* عندَ سِدْرَةٍ المنتهى* عندَها جنّةُ المأوى* إذ يغْشى السّدْرة ما يغشى* ما زاغَ البصرُ وما طغى* لقد رأى من آياتِ ربّه الكبرى}          (1ـ18).

* * *

معاني المفردات

{هَوَى}: سقط.

{ضَلَّ}؛ الضلال: الخروج والانحراف عن الخط المستقيم.

{غَوَى}: ضلَّ وفارق الهدى.

{مِرَّةٍ}: حصافة العقل والرأي، أو هي الشدة والقوة.

{بِالأفُقِ}؛ الأفق: ناحية السماء.

{دَنَا}: قرب.

{فَتَدَلَّى}؛ التدلي: التعلق بالشيء، ويكنى به عن شدة القرب.

{قَابَ}: قدر.

{أَفَتُمَارُونَهُ}: أفتجادلونه.

{زَاغَ الْبَصَرُ}: مال.

{طَغَى}: جاوز القصد والحد.

* * *

القرآن وحي لا هوى

{وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى} والمراد به ـ على الظاهر ـ الكوكب السماوي الذي يضيء في السماء ثم يسقط نحو الغروب، وهناك أقوال أُخر في معناه ولكن من دون دليلٍ على كونها مقصودة في الآية، في حين يحدد المعنى المطلق للنجم ظاهر اللفظ، الذي يتناسب مع الآيات التي أقسم الله فيها ببعض الأجرام السماوية كالشمس والقمر ونحوهما.

{مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى} فليس في دعوته خروج عن الخط المستقيم إلى متاهات الانحراف التي يتحرك فيها الناس يميناً وشمالاً بعيداً عن الهدى المشرق بالحق، وليس في حديثه أيّة غوايةٍ فكريةٍ أو شعوريةٍ مما قد يفرضه الجهل الذي يدفع الناس إلى الاعتقادات الفاسدة البعيدة عن الرشد المنفتح على الله، بل هو خط مستقيم واضح في العقيدة والمنهج والشريعة يكفل للإنسان السعادة في الدنيا والنجاة في الآخرة، ولكن ذلك يحتاج إلى الأخذ بأسباب الفكر العميق الذي يعيش فيه الإنسان الموضوعية والتجرد من الهوى، حتى لا يغرق في أجواء الذاتيات الخاضعة للمؤثرات الحسية والعاطفية.

{وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى} لأن دراسة تاريخه وسمات شخصيته المبنية على العقل والاتزان، تدل على أنه كان يزن كل كلمةٍ يريد أن يتكلم بها لتكون كلمة عقلٍ وحقٍ، ما جعله موضع احترام كل أفراد مجتمعه قبل النبوّة، لأنه كان الصادق في قوله، الأمين على مجتمعه. كما أن دراسة مفاهيم رسالته التي تتحرك في مواقع الغيب من جهةٍ، وفي مواقع الحسّ من جهةٍ أخرى، توحي بالحقيقة التي لا يقترب إليها الباطل من قريبٍ أو من بعيدٍ {إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} أوحى به الله إليه في آياته ليبلّغها لعباده لتدلّهم على الصراط المستقيم.

{عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى} فقد أعطاه علم القرآن ليعيه في صدره وليبلّغه بلسانه.. وربما كان المراد به جبرائيل (عليه السلام) الذي وصفه الله بالقوة في قوله تعالى: {ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ} (التكوير: 20).

وربما كان المراد به الله سبحانه الذي علّم نبيه ذلك بواسطة ملائكته، أو بالطريقة المباشرة في قصة المعراج، كما وردت بذلك بعض الروايات.

{ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى} أي صاحب عقل ورأي، أو شدّة ـ كما جاء في تفسير كلمة المرّة ـ ويقال: إن المقصود به جبرائيل (عليه السلام) الذي يملك هذه الصفة التي تتيح له أن يبلِّغ الرسالة بقوّة وكفاءة، فاستقام في خط المهمّة التي أوكلت إليه، أو سيطر عليها بقوّة ووعي، وقيل: إن المراد بذلك الصورة الملائكية الحقيقية لجبرائيل الذي كان ينزل على النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) بصورة بشر، فأحب أن يراه بصورته التي جُبِل عليها{وَهُوَ بِالأفُقِ الأعْلَى} من السماء حيث ملأ الأفق بهيئته، {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى} بحيث قرب من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} أي مقدار قوسين أو أقل من ذلك، وهو تعبير كنائي عن منتهى القرب.

* * *

الرسول يعاين الوحي حسياً

{فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ} أي عبد الله، وهو محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم)، {مَآ أَوْحَى} من القرآن بالمستوى الذي لا مجال فيه لأيّ شكَ أو شبهةٍ، لأن هذا المستوى من القرب لا يمكن أن يخدع العين، أو يُثير الريب في النفس {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى} لأن الرّؤيا القلبية تتعمَّق كلما دنت الرؤية البصرية من الشيء، فلا وجه لمجادلته في هذه التجربة الحسية وإيحاءاتها الروحية، فإذا كان صادقاً في ما يخبركم عن الحس، فلا بدّ من أن يكون صادقاً في ما يستوحيه من ذلك.

{أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى} فتدخلون معه في جدلٍ يثير الشك في ما لا مجال للشك فيه وهو الرؤية المباشرة؟ {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} أي مرّةً ثانيةً عندما نزل عليه جبرائيل بهذه الصورة في موقع آخر، {عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَى} وذلك ليلة المعراج، كما قيل، ووقع الخلاف في المراد بهذه السدرة، هل هي شجرة في السماء أو غير ذلك؟ إنه أمر لم يشرحه الله لنا، فلنكتف بمعرفته المبهمة على الطريقة القرآنية في ذلك في ما لا مجال للدخول في تفاصيله.

{عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى} التي يأوي إليها المؤمنون {إِذْ يَغْشَى السّدْرَةَ مَا يَغْشَى} مما لا يمكن أن يحيط به الفكر، أو يقترب إليه الخيال، فليترك علمه إلى الله الذي أراد أن يجعل الإنسان يحلّق في هذه الأجواء السماوية، بما يفيض عليه من روحانية العظمة المنفتحة على غيبه، في ما يتصاغر به الإنسان أمامه ـ تعالى ـ، من خلال التصاغر أمام خلقه..

* * *

آيات اللَّه تزيد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) يقيناً

{مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى} بل كانت الرؤية واضحةً دقيقةً، لا مجال فيها لزغللة العين، بحيث تتجاوز الرؤية الحد الحقيقي والواقعي للأشياء، فالبصر هنا يلتزم رؤية الأمور والأشياء كما هي في عالم الواقع والحقيقة من غير أي زيادة أو نقصان، {لَقَدْ رَأَى مِنْ آياتِ رَبّهِ الْكُبْرَى} التي زادته معرفةً ويقيناً، فاتصلت روحه بالحقيقة الإلهية من خلال ذلك، وهكذا كان الوحي الذي يخبر عنه لاتصاله بمصدر الوحي الملائكي أو الإلهام الإلهي، حقيقةً فكريةً لا يرقى إليها الشك، وهي تجربة تقتصر على الأنبياء، ولا يصل إليها غيرهم إلاّ من خلال الشخصية النبوية في صدقها وحكمتها واتّزانها واستقامتها في الرؤية والتفكير.

وهناك اختلاف في تفسير مرجع الضمائر، وهو يستدعي الدخول في تفاصيل لا نجد مجالاً للحديث عنها هنا، ولكن الظاهر أنَّ القضية تعيش في الجو الذي تحدثنا عنه؛ والله العالم.