تفسير القرآن
النجم / من الآية 19 إلى الآية 30

 من الآية 19 الى الآية 30
 

الآيــات

{أفرأيتم اللاتَ والعُزّى* ومَنَاةَ الثالثة الأخرى* ألَكُم الذّكَرُ ولَهُ الأنثى* تلك إذاً قِسْمةٌ ضِيزى* إن هِيَ إلا أسماءٌ سمّيتموها أنتُم وآباؤكم ما أنزَلَ الله بها من سلطانٍ إن يتّبِعون إلا الظنّ وما تَهْوَى الأنفُسُ ولقد جاءهُم من ربّهم الهدى* أم للإنسان ما تَمنّى* فلله الآخرة والأولى* وكَم من ملكٍ في السموات لا تُغني شفاعتُهُم شيئاً إلا من بعد أن يأذن الله لِمَن يشاء ويرضى* إنّ الذين لا يؤمنون بالآخرة ليُسمّون الملائكة تسمية الأنثى* وما لهم به من علمٍ إن يتّبعون إلا الظنّ وإنّ الظنّ لا يُغني من الحقّ شيئاً* فأعرِض عن من تولّى عن ذِكْرِنا ولم يُرِد إلا الحياة الدنيا* ذلك مبلغُهُم من العلم إن ربّك هو أعلم بمَن ضلّ عن سبيله وهو أعلم بمَن اهتدى} (19ـ30).

* * *

معاني المفردات

{ضِيزَى}: جائرة غير عادلة.

* * *

ظنون المشركين

لقد كان للرسالة في وعي محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) وضوح التقت فيه الرؤية البصرية والرؤيا القلبية، بحيث لم تدع مجالاً للشك بكونها حقيقة، ولكن ماذا عن هؤلاء المشركين، وما هو الأساس الذي يرتكز عليه اعتقادهم بهذه الأوثان وعبادتهم لها؟ هل هناك وضوحٌ في الرؤية وصفاءٌ في التفكير، وهل لديهم حجةٌ على خط العقيدة وخط السير، أم أن القضية ترتكز على مجرد أوهام وظنونٍ وتخيلات؟

{أَفَرَأيْتُمُ اللاّتَ وَالْعُزَّى* وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأخْرَى} وهي الأصنام التي كان العرب يعبدونها، فاللات كانت لثقيف بالطائف، والعزى كانت لغطفان، ومناة لهذيل وخزاعة، وقيل: إنها تماثيل للملائكة التي يعتبرها العرب من الإناث، أو أنهم كانوا يعطون هذه التماثيل صفة الأنثى، ويجعلونها من الشفعاء عند الله.

{أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأنثَى} ففي تقاليدهم الجاهلية كانوا يميزون الذكور على الإناث، ويرون في الإناث عاراً عليهم، لأن واقعهم مبنيّ على الغزو والاسترقاق، فكيف ينسبون الإناث إلى الله ويحتفظون لأنفسهم بالذكور؟ {تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى} أي جائرة لا تخضع للعدل في ميزان التقييم بالقياس إلى المفهوم السائد عندهم، أمّا عند الله، فلا فرق بين الذكر والأنثى، فكل واحدٍ منهما مخلوقٌ له، ولا علاقة له بأحدهما دون الآخر، فالجميع متساوون أمامه في العبودية، كما أن هذه الأصنام لا تملك أية قدسية في ذاتها، وليس لها أيّ دور في القرب من الله، لا في الفضل ولا في الشفاعة، بل هي مجرد أشياء جامدة ليس لها من المعنى إلا الاسم، {إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَآء سَمَّيْتُمُوهَآ} في ما أطلقتم عليها من صفة الألوهية، تماماً كما هي الكلمات التي يخترعها الناس لبعض ما يتخيلون، {أَنتُمْ وَآبَآؤكُمُ} الذين درجتم على تتبع ما ساروا عليه دون وعيٍ أو مناقشةٍ أو تأمّلٍ، تقليداً لهم، ولكن {مَّآ أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ} لذا فلا حجة لكم على ما أسبغتموه عليها من صفات، وما تخيلتموه لها من دور، فليس لكم إلا الوهم الآتي من التقليد الموروث المنطلق من مواقع التخلف، {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأنفُسُ} وهو مبنيٌّ على التخيل والرغبة الذاتية والأفكار الطائرة التي لا تستقر على قاعدةٍ ولا تتحرك في آفاق النور. {وَلَقَدْ جَآءهُم مّن رَّبّهِمُ الْهُدَى} بكل حججه القاطعة التي تقنع الفكر والوجدان، وتدفع هؤلاء إلى هدى الله.

{أَمْ لِلإنسَانِ مَا تَمَنَّى} «أم» منقطعة في معرض الاستفهام الإنكاري الذي يرادف النفي، فكأن المسألة هي أن الإنسان لا يحصل على ما يتمناه لمجرد التمني، بل لا بد من أن يكون ذلك منسجماً مع طبيعة الأشياء، فإذا كان هؤلاء يؤلّهون هذه الأصنام عملياً ويعبدونها من دون الله، لتشفع لهم ولتقرّبهم إلى الله زلفى، فليس معنى ذلك أن هذا سيحصل في الواقع، لأن هذه الأصنام لا تمثل، لجهة الأسرار الروحية الخفية ودرجة القرب من الله، أيّ معنى، لأنها ليست شيئاً {فَلِلَّهِ الآخِرَةُ والأولَى} فهو الذي يملك الأمر كله، وليس لأحدٍ معه أيّ شيء أو أيّ امتياز ذاتي من كل الموجودات الحية وغير الحية.

* * *

الشفاعة لمن يشاء اللّه ويرضى

{وَكَمْ مّن مَّلَكٍ فِي السَّمَواتِ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَآء وَيَرْضَى} فالملائكة الذين يتخذهم الجاهليون شفعاء، ويرمزون إليهم بالأصنام التي يعبدونها ليحصلوا بذلك على شفاعتهم، لا يملكون شيئاً، لأنهم عباد الله لا يسبقونه بالقول، وهم يقفون دائماً في انتظار أوامره، وقفة العبيد الخاشعين الخاضعين، وبذلك، فإنهم لا يستطيعون الشفاعة من مواقعهم الذاتية، إلا بعد الحصول على إذنٍ من الله، فهو قد يأذن لبعض عباده من الأنبياء والأولياء بالشفاعة لبعض الخاطئين الذين يريد أن يغفر لهم من موقع الكرامة لأنبيائه أو أوليائه.

* * *

الإعراض عن المتولّين عن ذكر اللَّه

{إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ} فلا ينطلقون في كلامهم من قاعدة الإحساس بالمسؤولية عنه أمام الله، بحيث يحسبون لنتائج الكلمات حساباً دقيقاً على مستوى الموقف أمامه، إنّ عدم إيمان هؤلاء بالآخرة يفسح لهم مجال الكذب في موقع الصدق، وتصديق الخرافة في دائرة الحقيقة {لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأنثَى} دون أساسٍ لذلك، لأنهم لا يملكون أيّة معرفة بحقيقة الملائكة كونهم من عالم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، ومن عرّفهم منه بعض الأمور، {وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ} لأن للعلم وسائله التي لا يملكون قاعدتها، كما أشرنا آنفاً، {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ} المحكوم للاحتمالات المبنية على التمنيات من جهة، وعلى الخيالات والمؤثرات الذاتية من جهةٍ أخرى، مع عدم وصولها إلى مستوى القناعة، بل تظل في دائرة الحدس والتخمين، {وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقّ شَيْئاً} لأن الحق ينطلق من موقع النور الذي يطل على القضية والفكرة والواقع بوضوح لا يترك مجالاً لمواجهته.

{فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا} فلم ينفتح على الفكر العميق في مضمونه تعصّباً للجهل والتقاليد، {وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَياةَ الدُّنْيَا} في ما يتطلبه من شهواتها، التي تحكم علاقاته والتزاماته وأوضاعه، باعتبارها القاعدة التي تحرِّك حياته كلها، لأنّ {ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مّنَ الْعِلْمِ} فهم يتحركون في هذه الدائرة الضيقة دون أية إطلالةٍ على الآفاق الرحبة للإيمان بالله والسير في خط هداه، و{إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ} من هؤلاء، في ما يعلمه من خفايا أمره ومواقع حركته في المستقبل، {وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى} في التزامه بالخط المستقيم في حركة الإيمان بالله، لذلك فليس دورك هو ملاحقة خلفيات هؤلاء وتطلعاتهم المستقبلية، بل القيام بمهمّة الدعوة إلى الله بكل الوسائل، حتى إذا ما واجهت إعراضاً معقَّداً متعنِّتاً منهم، ابتعد عنهم لتواجه تجربةً جديدةً في مواقع أخرى ولتنتظر تطورات جديدة من أحداثٍ أخرى.