من الآية 33 الى الآية 41
الآيــات
{أفرأيتَ الذي تولّى* وأعطى قليلاً وأكدى* أعِنده علمُ الغيب فهو يرى* أم لم يُنبّأ بما في صُحُفِ موسى* وإبراهيم الذي وفّى* ألاّ تزِرُ وازرةٌ وِزْرَ أخرى* وأن ليس للإنسان إلا ما سعى* وأنّ سعيَهُ سوفَ يُرى* ثم يُجزاهُ الجزاء الأوفى} (33ـ41).
* * *
معاني المفردات
{تَوَلَّى}: أعرض.
{وَأَكْدَى}؛ الإكداء: قطع العطاء.
{وَفَّى}: تمّم وأكمل.
{تَزِرُ}: تحمل.
{وِزْرَ}: حمل.
* * *
مناسبة النزول
جاء في الكشاف: «روي أن عثمان رضي الله عنه كان يعطي ماله في الخير، فقال له عبد الله بن سعد بن أبي سرَح ـ وهو أخوه من الرضاعة ـ: يوشك أن لا يبقى لك شيءٌ، فقال عثمان: إن لي ذنوباً وخطايا، وإني أطلب بما أصنع رضى الله تعالى وأرجو عفوه، فقال عبد الله: أعطني ناقتك برحلها، وأنا أتحمَّل عنك ذنوبك كلها، فأعطاه وأشهد عليه. وأمسك عن العطاء فنزلت»[1].
قد تكون هذه الرواية صحيحةً وقد لا تكون، كما يشير إلى ذلك بعض المفسرين تحفّظاً على نسبتها أو لأنها روايةٌ مرسلةٌ لا تثبت أمام موازين صحة الرواية، ولكن أجواءها توحي إلينا بالفكرة التي جسّدها نموذج حيّ في الواقع زمن نزول الآية، ويمكن أن تتجسد في كل وقت، كحالةٍ فرضيةٍ متحركة.
فهذا إنسانٌ كان يعيش حركة العطاء في حياته، ولكنه امتنع عن ذلك وأمسك، بسبب حديثٍ مع أحدهم ادعى أنه سيتحمّل عنه ذنوبه أمام الله في مقابل المال.
وربما كان موضوع الآيات مرتبطاً بشخصٍ كافرٍ أو مشركٍ، أعرض الله عن ذكره، وتحرّك في العطاء بشكلٍ طارىءٍ بحيث كان يعطي تارةً ثم يمتنع، لأنه لم يعش روحيّة العطاء، ولم يحسب حساب المسؤولية المنطلقة من مواقع الإيمان، حيث لا يملك الإنسان في الآخرة إلا سعيه، ولا يتحمل أحدٌ عنه وزره، مهما كان قريباً إليه، أو لصيقاً به.
* * *
لا تزر وازرة وزر أخرى
{أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى* وَأَعْطَى قَلِيلاً وَأَكْدَى} أي قطع عطيته وأمسك {أَعِندَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى} في ما يتطلع إليه من الغيب في عمل نفسه أو ما يخبر به في ما يتعلق بغيره مع ابتعادٍ عن خط الإيمان بالله، {أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى} التي تمثل في مجموعها التوراة، {وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى} وصدق عهده مع الله في رسالته وفي دعوته وفي خطواته العملية في ساحة رضوانه من موقع الإسلام المطلق له.
{أَلاَّ تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} فلا تحمل نفس مسؤولية نفس أخرى، {وَأَن لَّيْسَ لِلإنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى} فله عمله الذي قام به بجهده، {وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى} أمام الله يوم القيامة، {ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَآء الاوْفَى} الكامل، لأن الله لا يضيع عمل عاملٍ منكم من ذكر أو أنثى.
وذلك هو خطّ العدل الذي تؤكده كل الرسالات في علاقات الناس ببعضهم البعض، وتحصر نتائج العمل على أنه يحكم السلبية أو الإيجابية في دائرة خاصة، وهي الشخص الذي قام به، ليواجه الناس جميعاً مواقف الحياة على هذا الأساس في الدنيا والآخرة.
* * *
حصول الإنسان على ثواب ما لم يقم به بعد مماته
تناولت بعض الأحاديث المأثورة الثواب الذي يحصل عليه الإنسان بعد مماته، على ما لم يقم به بنفسه بشكلٍ مباشرٍ، وذلك كما ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) أنه قال: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: علم ينتفع به أو صدقة تجري له أو ولد صالح يدعو له»[2]. وفي ما رواه الصدوق في الخصال عن أبي عبد الله جعفر الصادق (عليه السلام) قال: ليس يتبع الرجل بعد موته من الأجر إلا ثلاث خصال: صدقةٌ أجراها في حياته فهي تجري بعد موته، وصدقةٌ مبثولة لا تورث، وسنةُ هدىً يعمل بها بعده، أو ولد صالح يدعو له[3].
والظاهر أن هذه الأمور لا تمثل استثناءً من الآية، بل هي نوعٌ من السعي الممتد بامتداد أثره، باعتبار أن البداية كانت من الإنسان بالطريقة التي تكفل له الاستمرار في العطاء.
وقد وقع الخلاف بين العلماء في غير ذلك من الأعمال التي يقوم بها الأحياء عن الأموات، إمَّا بطريق النيابة، وإمّا بطريق إهداء الثواب، فذهب الشافعي إلى عدم وصول الثواب إلى الميت استنباطاً من هذه الآية، لأنه ليس من عمله ولا من كسبه، ولهذا لم يندب إليه رسول الله(ص) أمته ولا حثّهم عليه، ولا أرشدهم إليه بنصٍ ولا إيماء، ولم ينقل ذلك عن أحدٍ من الصحابة.
ولكن هناك روايات متفرقة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) في ما روي عنه من طريق أهل البيت (عليهم السلام)، دلّت على مشروعية ذلك ووصول الثواب إليهم مما لا يتسع المجال لبحثه هنا، بل يُترك للأبحاث الفقهية التي تبيح تخصيص العام بما ثبت صحته عن رسول الله، وقد قيل في القاعدة الأصولية: «ما من عامٍ إلا وقد خص»، ما يجعل البحث يتجه إلى الحديث عن مدى صحة السند.
ــــــــــــــــــــ
(1) تفسير الكشاف، ج:4، ص:33.
(2) البحار، م:1، ج:2، باب:8، ص:350، رواية:70.
(3) الكافي، ج:7، ص:56، رواية:2.
تفسير القرآن