من الآية 42 الى الآية 62
الآيــات
{وأنّ إلى ربّك المنتهى* وأنّه هو أضحك وأبكى* وأنّه هو أمات وأحيا* وأنّه خلق الزوجين الذكر والأنثى* من نطفةٍ إذا تُمْنَى* وأنّ عليه النشأة الأخرى* وأنّه هو أغنى وأقنى* وأنّه هو ربّ الشِعرى* وأنّه أهلك عاداً الأولى* وثمودا فما أبقى* وقومَ نوحٍ من قبل إنّهم كانوا هم أظلَمَ وأطغى* والمؤتفِكَة أهوى* فغشّاها ما غشّى* فبأيّ آلاءِ ربّك تتمارى* هذا نذيرٌ من النُّذُر الأولى* أزِفَتِ الآزِفَةُ* ليس لها من دون الله كاشفة* أفمِن هذا الحديث تعجبُون* وتضحكون ولا تبكون* وأنتم سامدون* فاسجدوا لله واعبدوا} (42ـ62).
* * *
معاني المفردات
{تُمْنَى}: أي تراق في الرحم.
{وَأَقْنَى}: من القنية: وهي أصل المال وما يقتنى.
{وَالْمُؤْتَفِكَةَ}؛ الائتفاك: الانقلاب.
{آلآء}؛ الآلاء: جمع إلى بمعنى النعمة.
{تَتَمَارَى}: تشكك.
{أَزِفَتِ}: اقتربت.
{الآزِفَةُ}: القيامة.
{سَامِدُونَ}: لاهون.
* * *
من مظاهر قدرة اللَّه في خلقه
{وَأَنَّ إِلَى رَبّكَ الْمُنتَهَى} فهو سبب كل شيءٍ، وأساسه ومدبّره ومحرّكه، فليس هناك في الوجود شيء إلاَّ وينتهي أمره إليه في كل جوانبه، سواء كان ذلك بشكلٍ مباشرٍ أو غير مباشر. وقد يكون المراد بالآية أن الخلق يرجعون إلى الله يوم القيامة، ولعل المعنى الأول أوفق بسياق الآيات الأخرى، {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى} فهو الذي أودع في الإنسان قابلية الضحك والبكاء حسياً ونفسياً، وهو الذي أوجد العوامل التي تحوِّل هذه القابلية إلى حركةٍ فعليةٍ في أوضاعه وممارساته، وذلك من خلال الأسباب التي أودعها لذلك، وهي أسباب لا تلغي اختيار الإنسان بحيث ينسب الفعل إليه، تماماً كما هي كل الأمور التي ترتبط في العمق بالله، وبالإنسان بشكل مباشر، {وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا} فهو الذي خلق الموت والحياة من خلال أسبابهما المباشرة وغير المباشرة.
{وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأنثَى* مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى} أي تراق في الرحم فيبدع الخلق من خلالها بأشكاله المتنوّعة وطبيعته المختلفة، وهكذا تحفظ الزوجية الامتداد للوجود في كل خصائصه الذاتية، ما يدفع المتأمل إلى التفكير بهذه النطفة وكيفية تحوّلها إلى حياة كاملة تنمو وتبدع في كل مرحلةٍ من مراحل النموّ شيئاً جديداً يتكامل بعد ذلك فيكون الإنسان السويّ.
{وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأخْرَى} التي يخلق فيها الناس خلقاً جديداً ليجمعهم إليه ويحاسبهم على ما عملوه من خير أو شر، {وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى} فمنه العطاء في ما وهبه للإنسان من أنواع المال والمعاش، الذي يحقق له الغنى في كل حاجاته، ويؤمّن له اقتناء ما يحلو له مما ينتفع به من حيوانٍ وبستانٍ ودارٍ ونحوها.
{وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشّعْرَى} الذي كان بعض العرب يعبدونه، وهو نجم أثقل من الشمس بعشرين مرّة، ونوره خمسون ضعف نور الشمس، وهو أبعد من الشمس بمليون ضعف بُعد الشمس عنَّا، كما يقال.
إنها مظاهر قدرته في خلقه، في أسرار إبداعه، فما هي مظاهر قوته في مصارع الأقوياء من الطغاة الذين واجهوا الأنبياء بالتكذيب والجحود والتعسف؟
{وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الأولَى* وَثَمُودَاً فَمَآ أَبْقَى* وَقَوْمَ نُوحٍ مّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُواْ هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى* وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى} وهي قرى قوم لوط، فقد أهواها أي ألقاها في الهاوية، {فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى} من العذاب والدمار والخسف والتنكيل، بما لا يعرف الناس مداه. {فَبِأَيّ آلآء رَبّكَ تَتَمَارَى} أي تشكك وترتاب، في عظمة خلقه، وفي قوّة عقابه؟
إنّ الوجه المقابل لما تقدم يؤكد مصيرية الحقيقة الحاسمة التي تنفتح على عظمة الله لتعبده في وحدانيته كما تشكره في نعمه، وتلتزم بأوامره ونواهيه.
* * *
السجود حقيقة عبادية عملية
{هَذَا نَذِيرٌ مّنَ النُّذُرِ الأوْلَى} التي تطلّ على أجواء القيامة لتثير في النفس الشعور بالهول أمام حقيقة الآخرة.
{أَزِفَتِ الآزِفَةُ} أي اقتربت القيامة القريبة التي يراها الناس بعيدةً، {لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ} فهو ـ وحده ـ الذي يملك كشف أهوالها ومخاوفها، لأنه الذي يهيمن على أمر الدنيا والآخرة.
{أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ} وتستنكرون حقائقه، {وَتَضْحَكُونَ وَلاَ تَبْكُونَ* وَأَنتُمْ سَامِدُونَ} فتسخرون من الرسول والرسالة والدار الآخرة، ويثير فيكم ذلك الضحك استخفافاً بما تسمعون، بدلاً من أن يحثكم على الالتجاء إلى الله، والرجوع إليه، والخضوع لعظمته، والانفتاح على مواقع القرب منه في عبادته، عندما تعرفون أنه ـ وحده ـ الإله المعبود.
{فَاسْجُدُواْ لِلَّهِ وَاعْبُدُواْ} فهذه هي الحقيقة العبادية التي تلتقي بالحقيقة الإيمانية الإلهية، لتكون الحياة كلها سجوداً لله في الفكر والعمل، وعبادةً له في كل جوانب الحياة.
تفسير القرآن