تفسير القرآن
القمر / من الآية 9 إلى الآية 17

 من الاية 9 الى الاية 17

الآيــات

{كذّبَت قبلهم قومُ نوحٍ فكذّبوا عبدنا وقالوا مجنونٌ وازدُجِر* فدعا ربّه أنّي مغلوبٌ فانتَصِر* ففتحنا أبواب السماء بماءٍ منهمرٍ* وفجّرنا الأرض عيوناً فالتقى المآء على أمرٍ قد قُدِر* وحملناه على ذاتِ ألواحٍ ودُسُر* تجري بأعيُننا جزآءً لِمَن كان كُفِر* ولقد تركناها آيةً فهل من مدّكرٍ* فكيف كان عذابي ونُذُر* ولقد يسّرنا القرآن للذّكر فهل من مدّكرٍ} (9ـ17).

* * *

معاني المفردات

{مُّنْهَمِرٍ}: منصبّ انصباباً شديداً.

{وَفَجَّرْنَا}؛ التفجير: تشقيق الأرض عن الماء.

{عُيُوناً}؛ العيون: جمع عين الماء، وهو ما يفور من الأرض مستديراً كاستدارة عين الحيوان.

{أَلْواحٍ}: جمع لوح، وهو الخشبة.

{وَدُسُرٍ}: جمع دسار، وهو المسمار.

* * *

مع نوح وقومه في خطِّ الذكرى

هذه جولة قرآنيةٌ في تاريخ الأمم السابقة، التي كذبت رسلها فنالت عذابها من الله جزاءً على ذلك.

{كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا} نوحاً في ما جاءهم به من رسالة الله الداعية إلى توحيده وإلى الاستقامة على خط التقوى، فتمردوا عليه، وواجهوه بمختلف الأساليب المتعسفة اللاّمعقولة، {وَقَالُواْ مَجْنُونٌ} فاتهموه في عقله، لأنه دعاهم إلى ما لم يألفوه، أو أنكر عليهم ما ألفوه من عبادة الأصنام، ليبطلوا تأثيره في النفوس، وهذا ما يفعله المترفون في كل زمان ومكانٍ عندما تواجههم الدعوات التغييرية والإصلاحية، لاختصار الرد بذلك، باعتبار أن المعقول لديهم هو ما يلتزمونه ويتبنونه، {وَازْدُجِرَ} أي ازدجره القوم وردعوه عن الانطلاق في رسالته، فلم يتمكن من الوصول إلى النتيجة الحاسمة. وقيل: إن الكلمة من تتمة التهمة بالجنون، أي أنه ازدجر من قبل الجن فلا يتكلم إلا عن زجر منهم بشكل غير إرادي[1].

{فَدَعَا رَبَّهُ أَنّى مَغْلُوبٌ} بعد أن استنفد كل تجاربه في دعوتهم إلى رسالته، فلم يزدادوا إلا عناداً وإصراراً على الكفر، إلى درجة أن شيئاً لم يبق لديه ليقوله، وبالتالي أصبحت تجربة الحديث معهم مجدداً تجربة عبثية، لذا نادى ربه بأني مغلوب، في ما أملكه من قدرات استنفدتها في حياتي معهم، وفي ما واجهوني به من قهر وغلبة وتعسف وإنذار، {فَانتَصِرْ} لي فإنك ناصر من لا ناصر له، لا سيّما إذا كان المغلوب المستضعف من رسلك.

* * *

اللَّه يجيب رسوله وينتصر له

{فَفَتَحْنَآ أَبْوابَ السَّمَآء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ} متدفّقٍ بغزارة، {وَفَجَّرْنَا الأرْضَ عُيُوناً} فتدفقت الينابيع حتى تحوّلت إلى أنهار، {فَالْتَقَى المَآء عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ} وهكذا اجتمع الماء المنهمر من السماء والماء المتدفق من ينابيع الأرض، فكان الطوفان الذي أغرق الأرض كلها حتى بلغ الجبال، وهذا ما قدّره الله من أمر أراد فيه الانتصار لرسوله، بإغراق هؤلاء المكذبين بالطوفان.

{وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ} وهي السفينة التي صنعت من ألواح الخشب، والدسر التي هي المسامير التي تربط الخشب ببعضه البعض.. ونجا نوحٌ ومن معه من هذا الطوفان، حيث إن الفلك التي حملتهم كانت {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا} في رعاية الله وعنايته، وكان الطوفان {جَزَآء لّمَن كَانَ كُفِرَ} عقاباً لهؤلاء الكافرين، {وَلَقَدْ تَّرَكْنَاهَا آيَةً} لمن يأتي من بعدهم ليتذكروا ويعتبروا، {فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} أي من متذكر {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ} فهل يعرف الكافرون من قومك أو من غيرهم كيف يعاقب الله الناس، وكيف ينذرهم بما ينتظرهم في المستقبل؟

{وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذّكْرِ} بما نقصُّ فيه من أخبار الماضين، وما نثيره من آيات العبرة، وما نحركه من المفاهيم العامة الحكيمة التي تبني لهم عقولهم، وتدير لهم حياتهم، ليخرجوا من أجواء الغفلة واللامبالاة، ليكون ذكرى لكل حياتهم، {فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} إنه السؤال الذي يطرح نفسه على كل فكر وشعورٍ ليهتز وليتذكر ولينفتح على الحقيقة الإلهية في كل مواقعها، وليطرح التحدي في خط المعرفة المسؤولة في كل زمانٍ ومكان..

ـــــــــــــــــــ

(1) انظر: تفسير الميزان، ج:19، ص:70.