سورة القمر الآيات 18-32
الآيــات
{كذّبَت عادٌ فكيف كان عذابي ونّذُر* إنا أرسلنا عليهم ريحاً صرصراً في يومِ نحسٍ مستمرّ* تنـزِع الناس كأنّهم أعجازُ نخلٍ منقعِر* فكيف كان عذابي ونُذُر* ولقد يسّرنا القرآن للذّكر فهل من مدّكِر* كذّبت ثمودُ بالنّذُر* فقالوا أبشراً منّا واحداً نتّبِعُهُ إنا إذاً لفي ضلالٍ وسُعُر* أأُلْقِيَ الذّكر عليه من بيننا بل هو كذّابٌ أشِر*سيعلمون غداً من الكذّاب الأشِر* إنا مرسِلو الناقةِ فتنةً لهم فارتَقِبْهم واصطبِر* ونبِّئهم أنّ الماء قِسمةٌ بينهم كلّ شِربٍ محتَضَرٌ* فنادَوا صاحِبَهُم فتعاطى فَعَقَر* فكيف كان عذابي ونّذُر* إنا أرسلنا عليهم صيحةً واحدةً فكانوا كهشيمٍ المُحتظِر* ولقد يسّرنا القرآن للذكر فهل من مدّكِر} (18ـ32).
* * *
معاني المفردات
{صَرْصَراً}؛ الصرصر: الريح الشديدة الهبوب.
{نَحْسٍ}: شؤم.
{أَعْجَازُ نَخْلٍ}: أسافله.
{مُّنقَعِرٍ}: مقلوع من أصله.
{وَسُعُرٍ}: جنون.
{أَشِرٌ}: شديد البطر، متكبر.
{شِرْبٍ}: نصيب من شرب الماء.
{فَتَعَاطَى}: تناول.
{كَهَشِيمِ}: كحطام الشجر المنقطع بالكسر.
{الْمُحْتَظِرِ}: صاحب الحظيرة.
* * *
عاد في خط الذكرى والعبرة
ويتكرر تناول القرآن لقصة عاد وثمود في أكثر من سورة، وهو في هذه السورة تناولها في معرض الحديث عن العذاب الذي أنزله الله على الأمم التي تمردت على رسالاته، وكذّبت رسله، على الطريقة القرآنية التي تحرّك القصة الواحدة في أكثر من موقعٍ للاستفادة من بعض جوانبها في هذا الموقع أو ذاك، تبعاً لما تشتمل عليه من عناصر في طبيعتها الواقعية.
{كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِيوَنُذُرِ} فهل رأيتموه في وجدان متأمل يستقرىء نتائج الوقائع التاريخية في عناصرها الوعظية التي تثير الاعتبار؟ {إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً} شديدة الهبوب {فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرّ} في ما توحي به كلمة النحس من شؤم يثير الكثير من المخاوف في مشاعر الإنسان الداخلية، ويصنع الحيرة والقلق أمام المستقبل، وقد تكون النحوسة في هذا المورد، تعني البرد الشديد القارس الذي يمثل شؤماً فعلياً على حياة الإنسان من الناحية الواقعية، تماماً كما هو الشؤم في ما يتوقعه الإنسان من غيب المستقبل، لأن القضية في مسألة الشؤم هي قضية النتائج. {تَنزِعُ النَّاسَ} تقتلعهم من الأرض وترميهم في الهواء {كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ} كصورة حيّة للتهشيم والتحطيم الذي يصيب الناس عند انطلاق العاصفة الهوجاء.
{فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ} فهل عرفتم كيف يعذب الله المتمردين على رسالاته بتجنيد الطبيعة الخاضعة لإرادته، في ما تتحرك به الرياح في كل مكان.. {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذّكْرِ} ليتذكر الناس من خلال العبر التاريخية التي تعطي الإنسان دروساً مستقبلية في حياته {فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} يستجيب لذلك، فيتعلم من التجارب التي عاشها الآخرون، لئلا يقع في ما وقعوا فيه؟
* * *
وثمود في خط الذكرى والعبرة
{كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ} وهذه جماعةٌ عاشت في التاريخ القديم، وواجهت الرسول بالموقف المتمرّد الذي يرفض الحوار والتفاهم، ويؤكد الحالة العدوانية التي لا تتكلم إلا بلغة العنف والتهديد، وهكذا تحدثوا بمنطق أهوج ضالَ في العقلانية {فَقَالُواْ أَبَشَراً مّنَّا واحِداً نَّتَّبِعُهُ} فما هي ميزته علينا، وكيف يطلب منا أن نتبع دعوته ونرتبط بقيادته في المجال الفكري والعملي؟
{إِنَّآ إِذاً لَّفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ} إذا صدّقناه، فلا يصدقه إلا ضالٌّ أو مجنون، {أَأُلْقِيَ الذّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا} في ما يدعيه من إنزال الوحي عليه من الله من خلال دعواه الرسالة؟ {بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ} يحركه البطر والتعاظم الذي لا ينطلق من موقع الحقيقة.
ولكن ما قيمة هذا المنطق؟ فلماذا لا يمكن أن يكون الرسول واحداً منهم ما دام يملك الكفاءة الروحية والعملية التي تؤهّله للقيام بهذه المهمّة العظيمة؟ وهل يتصورون أن المميزات التي يحددون على أساسها القيمة الاجتماعية في تقاليدهم، هي المميزات نفسها التي تحكم اصطفاء الله لرسله؟ فقد يترك الغنى والجاه والقوّة ونحوها تأثيراً على عقلية الناس الذين ينبهرون بهذه الأمور، بحيث يخضعون للشخص الذي يملكها.. ولكن كيف نتصور ذلك في الله الذي خلق الناس، وخلق كل ما يملكون من ذلك كله؟ {سَيَعْلَمُونَ غَداً} عندما يقفون جميعاً أمام الله ليواجهوا الحقيقة الحاسمة {مَّنِ الْكَذَّابُ الاْشِرُ} ليكتشفوا أن هذه الصفة تنطبق على كل فردٍ منهم، لا على الرسول.
{إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ} العجيبة بما أودعه الله فيها من خصائص معجزةٍ، لتكون {فِتْنَةً لَّهُمْ} يواجهون فيها الامتحان الكبير الذي يختبر مواقفهم الإيجابية والسلبية ليحاسبهم عليها، {فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ} ليكن لك أيها الرسول دور المنتظر الصابر الذي يتابع المسألة ليعرف نتائجها، {وَنَبّئْهُمْ أَنَّ الْمَآء قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ} وبين الناقة، فلها شرب يوم لا يشاركونها فيه، ولهم شرب يوم يتزودون فيه لليوم الآخر، {كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ} يحضره صاحبه من نوبته دون غيره...
ومر زمن طويل عليهم وهم على هذا الوضع، ولكن المترفين منهم خافوا من سقوط امتيازاتهم في مجتمعهم أمام هذه القوّة العجائبية التي تمثلها الناقة والمنفعة التي ينتفع الناس بها، ما يمنح الرسول قوّةً جديدةً تتجاوزهم، {فَنَادَوْاْ صَاحبَهُمْ} وهو أحد الرهط المفسدين في المدينة، كما أشير إليه في سورة النمل[1]، {فَتَعَاطَى} وأقدم على قتلها بوسائله الخاصة {فَعَقَرَ} أي فقتلها، كوسيلة تحدٍ للرسول، لإبعاد تأثيره في المجتمع، لما تمثله الناقة من معجزة إلهيةٍ تتّصل بالواقع الاقتصادي للناس. {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ} فماذا حدث في مجمل هذا العذاب؟ {إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً} بحجم الصاعقة التي لا تترك أيّ أثر للحياة في الجسد لأنها تجمّد كل شيءٍ في داخله {فَكَانُواْ كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ} أي كالنبات اليابس الذي تذروه الريح، فلم يبق منهم أحد..
وجاء القرآن ليحدثكم عنهم لتتذكروا وتخرجوا من الغفلة المطبقة على حياتكم. {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} وتتحوّل القصة إلى ذكرى تلامس العقل والروح والشعور.
ـــــــــــــــــــ
(1) قال تعالى في سورة النمل: {وكان في المدينة تسعة رهطٍ يفسدون في الأرض ولا يصلحون} [النمل:48].
تفسير القرآن