تفسير القرآن
القمر / من الآية 33 إلى الآية 42

 سورة القمر الآيات 33-42
 

الآيــات

{كذّبَت قومُ لوطٍ بالنّذُر* إنا أرسلنا عليهم حاصِباً إلا آل لوطٍ نجّيناهُم بسَحَرٍ* نِعْمةً من عندِنا كذَلِكَ نجزي مَن شَكَر* ولقد أنذَرَهُم بطْشَتَنا فتمارَوا بالنّذُر* ولقد راودوه عن ضيفِهِ فطمَسْنا أعيُنهم فذُوقوا عذابي ونُذُر* ولقد صبّحَهُم بُكرةً عذابٌ مستقرّ* فذوقوا عذابي ونُذُر* ولقد يسّرنا القرآن للذّكر فهل من مدّكر* ولقد جآء آل فرعون النّذُر* كذّبوا بآياتنا كلّها فأخذناهم أخْذَ عزيزٍ مقتَدِر} (33ـ42).

* * *

معاني المفردات

{حَاصِبًا}؛ الحاصب: الريح التي تأتي بالحجارة والحصباء.

{بَطْشَتَنَا}؛ البطشة: الأخذة الشديدة بالعذاب.

{فَتَمَارَوْاْ}: فأصروا على الجدال وإلقاء الشك.

{فَطَمَسْنَآ أَعْيُنَهُمْ}: محوناها، والمعنى: عميت أبصارهم.

* * *

لوط وقومه وآل فرعون في خطّ الذكرى والعبرة

وهؤلاء قوم لوط الذين جاءهم صاحبهم رسولاً من الله ليدعوهم إلى عبادته، وإلى الامتناع عن الفاحشة التي لم يسبقهم إليها أحدٌ من العالمين، وهي تمثل انحرافاً في طريقة إشباع الغريزة الجنسية لا ينسجم مع المصلحة العليا التي تحكم عنصر التوازن في الحياة، فوقفوا من دعوته موقف المكذِّبين الذين يرفضون الدعوة كلَّها من ناحية الفكر والعمل، فعذَّبهم الله جميعاً، فلم يبق منهم أحد.

{كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ} وبالرسالات منذ أن انطلقت في تاريخ الأنبياء حتى وصلت إلى لوط الذي كانت رسالته صورةً حيّةً لذلك التاريخ كله، فهو فردٌ يمثل مجموعة كبيرة من الرسل {إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِباً} وهي الحصباء التي تحملها الريح لتنطلق كل واحدةٍ منها لتقتل واحداً منهم، {إِلاَّ آلَ لُوطٍ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ} لأنهم آمنوا بالله والتزموا خط هداه، فأخرجناهم في آخر الليل دون أن يشعر بهم أحد، {نّعْمَةً مّنْ عِندِنَا} جزاءً على إيمانهم واستقامتهم، {كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ} سواءٌ كان شكره بالكلمة يقولها، أو بالإيمان يعتقده، أو بالالتزام العملي يلتزمه، لأن للشكر جانباً يتمثل بالقول وجانباً يتمثل بالعمل والموقف عندما يكون ذلك كله منفتحاً على الله، فيبادل الله شكر عباده بالمغفرة والسلامة والرضوان، لأن الله يشكر لعباده إيمانهم وطاعتهم.

{وَلَقَدْ أَنذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا} وقال لهم إن العذاب الدنيويّ ينتظرهم من الله قبل العذاب الأخرويّ، {فَتَمَارَوْاْ بِالنُّذُرِ} وتعاملوا مع الإنذار من موقع الشكّ، والتقوا به في أجواء الجدال العقيم بالباطل، ولم يكتفوا بالرفض، بل اندفعوا ليعتدوا على حرمة ضيوفه، {وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ} عندما سمعوا أن لديه ضيوفاً حسان الوجوه يستثيرون غريزتهم، فحاولوا أن يطلبوا منه تسليمهم إليهم ليعتدوا عليهم بالطريقة الشاذّة. ولكن هؤلاء الضيوف لم يكونوا بشراً، بل كانوا ملائكةً موكَّلين بالعذاب {فَطَمَسْنَآ أَعْيُنَهُمْ} فأعميناها، فلم يستطيعوا الوصول إليهم، وعاقبناهم على ذلك وقلنا لهم: {فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِ} الذي جادلتم فيه، وأثرتم الشكوك حوله.

{وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ} لم يزل عنهم حتى قضى عليهم جميعاً {فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِ} وهذا هو النداء الأخير الذي واجههم في حالة العذاب.. وانطلق القرآن ليثير المسألة من جديد أمام الأجيال القادمة من بعدهم، ليعتبروا في ما يريدون أن يأخذوا به أو يتركوه: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} يستجيب لنداء الذكر في الخط العملي ويبتعد عن نهج هؤلاء في الحياة؟

{وَلَقَدْ جَآء آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ} عندما جاءهم موسى وهارون باسم كل الرسالات والرسل ليعبدوا الله وحده، وليكفّوا عن ظلم المستضعفين {كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا كُلّهَا} التي قدمها إليهم موسى من إلقاء العصا، واليد البيضاء، {فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عِزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ} لا يغلبه أحد، وغرقوا في البحر، فلم يبق منهم أحد، وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً.