تفسير القرآن
القمر / من الآية 43 إلى الآية 55

 من الاية 43 الى الاية 55

الآيــات

{أكُفّارُكُم خيرٌ من أولئكُم أم لكم برآءةٌ في الزّبُر* أم يقولون نحن جميعٌ منتصِر* سيُهزَمُ الجمعُ ويُولّونَ الدّبُر* بلِ السّاعةُ موعِدُهُم والساعة أدهى وأمرّ* إن المجرمين في ضلالٍ وسُعُر* يومَ يُسحبون في النار على وجوهِهِم ذوقوا مسّ سقَر* إنا كلّ شيءٍ خلقناه بقَدَرٍ* وما أمرُنا إلا واحدةٌ كلمحِ بالبصر* ولقد أهلكنا أشياعَكُم فهَل من مدّكِر* وكلّ شيء فعلُوهُ في الزّبُر* وكلّ صغيرٍ وكبيرٍ مستطَرٌ* إن المتقين في جناتٍ ونَهَرٍ* في مقعدٍ صدقٍ عند مليكٍ مقتدر} (43ـ55).

* * *

معاني المفردات

{الزُّبُرِ}: الكتب السالفة.

{أَدْهَى}: أعظم.

{وَأَمَرُّ}: أشدّ.

{وَسُعُرٍ}: جمع سعير، وهي النار المستعرة.

{سَقَرَ}: جهنم.

{كَلَمْحٍ}؛ اللمح: النظر بعجلة، وهو خطف البصر.

{أَشْيَاعَكُمْ}: أشباهكم ونظائركم.

* * *

أكفّاركم خيرٌ من أولئكم

{أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مّنْ أُوْلئِكُمْ} ليكون لهم امتيازٌ خاصٌ يبعدهم عن العذاب الذي أصاب مَنْ قبلهم؟ وما هو الأساس في ذلك؟ وما الفرق بين كفرٍ وكفرٍ ما دام ميزان الإيمان يُساوي بين الناس في المسؤولية؟ {أم لكم براءةٌ في الزبر} أي في الكتب السماوية التي أنزلها الله على رسله، فأين هو الكتاب الذي يمنحكم الأمان من العذاب؟

{أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ} لأنهم يرون لأنفسهم القوّة الغالبة على المسلمين لكثرة العديد والعدة التي يملكونها في مقابل المسلمين، {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} فقد انطلق المسلمون مع معركة بدر وامتدت بعدها معارك الإسلام إلى فتح مكة، وهزم الشرك شرّ هزيمةٍ، وانتهى تيار الشرك في منطقة الجزيرة... وكانت هذه النبوءة القرآنية دليلاً على صدق النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) في ما علَّمه الله من غيبه المستقبلي. {بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ} الذي ينتظرهم ليواجهوا العقاب القاسي من الله سبحانه {وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ} فما قيمة عذاب الدنيا إذا قيس بعذاب الآخرة؟

{إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ} عن السبيل الذي يؤدي بهم إلى السعادة في الدنيا والآخرة، {وَسُعُرٍ} تلتهب فيه الأبدان، لأن شركهم وابتعادهم عن مواقع رحمة الله في ساحة طاعته، جريمة أبعدتهم عن خط الهدى والرضوان، {يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ} في عنفٍ وإذلالٍ وتحقيرٍ يتحدى كل تلك العنجهية والقوّة والاستكبار في الدنيا، ويقال لهم في هذا الجوّ اللاّهب الصاخب: {ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ} في ما يصيبكم من أهوال جهنم وعذابها وحرّها ولهيبها.

* * *

إنّا كل شيءٍ خلقناه بقدر

{إِنَّا كُلَّ شَيْء خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} فلكل موجودٍ صغيرٍ وكبيرٍ قانونٌ دقيق يحدّد له خط سيره الماديّ والمعنويّ، ويحكم حركته في أيّ موقع، فليس هناك صدفةٌ طائرةٌ في حركة الوجود، بل هناك نظامٌ يحكم الكون كلّه من خلال السنن الكونية التي أودعها الله فيه، وهذا ما يخلق إحساساً لدى العلماء الذين يلاحقون أسرار الظواهر الكونية، بوجود حكمة وراء كل ظاهرةٍ، وقانونٍ داخل أيّة حركة، ما يجعلهم يتحركون لاكتشاف تلك الحكمة وذلك القانون.

ولا يقتصر القدر على الظواهر الكونية، بل يمتد إلى حركة الوجود الإنساني بكامله، فهناك سننٌ إلهيةٌ تحكم حركة الإنسان الفرد وحركة المجتمعات، في ولادتها وزوالها، ويدخل الاختيار كعنصر في تلك السنن، والإيمان بالقدرة لا يلغي الإرادة الإنسانية، لأن معنى القدرة هو تحديد حركة الوجود وهندسة شروطه، ليكون الاختيار جزءاً من هذا القدر باعتباره دخيلاً في السنّة الإلهية لحركة الوجود.

وقد يحتاج الإنسان إلى كثير من التوفر على الأبحاث العلمية المتعلقة بالإنسان والحيوان والظواهر الكونية والأسرار الخفية المودعة فيها التي تحكم حركة وجودها في دائرة التنوع، ليعطي لكل نوعٍ من الوجود ما يتوافق مع حاجته من خلال الظروف الموضوعية المحيطة به. وعلى ضوء ذلك، فإن العلم يقود إلى الإيمان بشكل تفصيلي دقيقٍ، يدرك الإنسان من خلاله أن الله خلق كل شيءٍ بحكمته، فقدّره تقديراً، وأنه الذي قدّر فهدى، ما يجعل من التقدير تخطيطاً عملياً لهداية الموجودات إلى خط سيرها الطبيعي المعقول.

* * *

وما أمرنا إلا واحدة

{وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ} فليس الله بحاجةٍ إلى مقدّماتٍ وأسباب لإنجاز إرادته للأشياء، لأن إرادته هي السبب في وجود الشيء على حسب الشروط التي يريدها للوجود، فلا تتخلّف إرادته في التكوين عن وجود الأشياء، ولعل التعبير بكلمة {كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ} وارد على سبيل الكناية باعتبار أقرب لحظةٍ زمنيةٍ للوجود، لتقريب الصورة بالصورة الحسيّة. وعلى ضوء ذلك، فإن قيام الساعة لا يحتاج إلى كثير من التعقيدات في ما يتصوره هؤلاء المشركون الذين يجادلون فيها، لأن المسألة هي أن يريد الله قيامها فتقوم دون حاجةٍ إلى وقتٍ طويلٍ أو سببٍ خارجيَ.

{وَلَقَدْ أَهْلَكْنَآ أَشْيَاعَكُمْ} ممن يتفقون معكم في العقلية والأخلاق والسلوك، من الأمم التي سبقتكم، في ما تسيرون عليه تقليداً لهم {فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} يتذكر ما صاروا إليه ليعرف ما يمكن أن يصير إليه؟ {وَكُلُّ شَيْء فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ} في كتاب الله الذي يحفظ فيه حدود الأشياء {وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ} فكل ما يفعله الإنسان من صغائر الأعمال وكبائرها مسجّلٌ عند الله في سعة علمه. فهذه هي الحقيقة التي يجب أن يختزنها الإنسان في عمق وعيه، ليعرف أن الله أحصى كل شيء عدداً، وأن كتاب الإنسان الذي يقدَّم إليه يوم القيامة، لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها، وسيجد كل ما عمله حاضراً ولا يظلم ربك أحداً.

* * *

مصير المتّقين

وإذا كان الحديث كله عن مصير المشركين في هذا التفصيل الطويل، فما هو مصير المؤمنين المتّقين؟

{إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ} والظاهر أن المراد به الجنس لا الفرد انسجاماً مع إيقاع الآيات، بدلاً من كلمة الأنهار التي يتكرر ذكرها في آيات أخرى، {فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرِ} حيث يعيشون القرب من الله لإيمانهم الصادق، وعملهم المتحرك في خط الصدق، فكأنهم يأخذون مواقعهم المميزة في الجنة من خلال مواقع الصدق في الدنيا، وقد نقل صاحب الميزان عن تفسير روح المعاني عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: مدح المكان بالصدق، فلا يقعد فيه إلا أهل الصدق[1]. وربما كان المراد بمقعد الصدق، التأكيد على أنه الحق الذي لا ريب فيه؛ والله العالم.

ــــــــــــــــــ

[1] تفسير الميزان، ج:19، ص:93.