تفسير القرآن
الواقعة / من الآية 1 إلى الآية 26

 من الآية 1 الى الآية 26

{إذا وقَعَت ِالواقعة* ليس لوقعَتِها كاذِبةٌ* خافِضَةٌ رافِعَة* إذا رُجّتِ الأرض رجّا* وبُسّتِ الجِبَالُ بسّاً* فكانَتْ هبآءً مُنْبَثا* وكُنتُم أزواجاً ثلاثَة* فأصحابُ الميْمَنَة مآ أصحابُ المَيْمَنة* وأصحابُ المشأمة ما اصحاب المشأمة* والسّابقون السّابقون* أولئك المقرّبون* في جنّاتِ النّعيم* ثُلةٌ من الأوّلين* وقليلٌ من الآخرين* على سُرُرٍ موضونةٍ* متّكئين عليها متقابلين* يطُوفُ عليهِم وِلدانٌ مخلّدون* بأكوابٍ وأباريق وكأسٍ من معين* لا يُصدّعون عنها ولا يُنْزِفون* وفاكهةٍ ممّا يتخيّرون* ولحمِ طيرٍ ممّا يشتَهون* وحورٌ عين* كأمثالٍ اللؤلؤ المكْنون* جزآءَ بما كانوا يعمَلون* لا يسمعُون فيها لغواً ولا تأثيماً* إلا قيلاً سلاماً سلاماً} (1ـ26).

* * *

معنى المفردات

{الْوَاقِعَةُ}: القيامة.

{رُجَّتِ}؛ الرّجّ: تحريك الشيء تحريكاً شديداً.

{وَبُسَّتِ}: البسّ: الفتّ، وقيل: التسيير.

{هَبَآءً}: غباراً.

{مُّنبَثّاً}: متفرّقاً.

{ثُلَّةٌ}: جماعة كثيرة.

{مَّوْضُونَةٍ}؛ الوضن: النسج، وموضونة: محكمة النسيج.

{مَّعِينٍ}: الخمر المعين، وهو الظاهر للبصر، الجاري.

{يُصَدَّعُونَ عَنْهَا}: أي لا يأخذهم من شربها صداع، أو لا يتفرقون عنها.

{لَغْواً}؛ اللغو من القول: ما لا فائدة فيه.

{تَأْثِيماً}: نسبة إلى الإثم.

{قِِيلاً}؛ القيل: مصدر كالقول.

* * *

إذا وقعت الواقعة

{إذا وَقَعَتِ الواقِعَة} إنها الواقعة، الحقيقة الثابتة الصارخة التي تؤكد حقيقتها الإرادة الإلهية، فقد أراد الله للكون أن ينتقل من حالٍ إلى حالٍ، ليجتمع الناس إلى ربهم في حشرهم في يوم القيامة، وبذلك يمثّل هذا الوصف تأكيداً لوقوعها قبل وقوعها، ليؤمن بها الكافرون الذين يثيرون الشك فيها بأساليبهم التضليلية. فإذا وقعت الواقعة، نظر الجميع إليها نظرتهم إلى الحق الذي لا مجال للريب فيه، {ليس لوقعتها كاذِبةٌ} في ما يظهر من دلائلها التي تتحرك في كل مواقع الصدق، {خافضةٌ رافِعة} فقد تخفض قدر قوم كانت لهم درجات عليا في الدنيا لأعمالهم السيّئة، التي يراها بعض من يلتزمون قيم الباطل باسم الحقّ حسنةً، وقد ترفع قدر قوم كانوا في الدرجة السفلى من السلّم الاجتماعي في عالم يعتمد الطبقية الاجتماعية، لسلوكهم الخطّ المستقيم وطاعتهم لله، مما يرفع درجتهم عنده ويقرّبهم منه عندما تقع الواقعة.

{إِذَا رُجَّتِ الأرْضُ رَجّاً} في ما يمثله الزلزال الذي تتحرك به الأرض، فتهتز بشدّة اهتزازاً لا يعرف مداه إلا الله {وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسّاً* فَكَانَتْ هَبَآء مُّنبَثّاً} أي بدأت الجبال بالتفتت أو أخذت تتحرك عندما تفقد موقع الصلابة في وجودها، وتتحول بتفتت صخورها وحجارتها إلى ما يشبه الغبار الذي تذروه الرياح، وتبثه في كل مكان، فلا يثبت في أيّ موقعٍ.

* * *

أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة

{وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاثَةً} حيث يتصنف البشر في ذلك اليوم إلى ثلاثة أنواع:

{فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ} وهم الذين يحملون كتابهم بيمينهم، لينطلقوا في أجواء اليمن والسعادة من خلال أعمالهم الصالحة التي تقرّبهم إلى الله.. {وَأَصْحَابُ الْمَشْـأَمَةِ مَآ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ} وهم الذين يحملون كتابهم بشمالهم، ليواجهوا الشؤم والشقاء في مصيرهم المشؤوم بسبب أعمالهم السيّئة التي تبعدهم عن الله. وفي استخدام الاستفهام عن كلا الجماعتين بهذه الطريقة المبهمة، نوعٌ من الإيحاء بخطورة مواقعهم.

{وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ} الذين لم يكتفوا بالتزام أوامر الله ونواهيه بطريقةٍ عاديةٍ، بل تطلعوا إلى الحصول على رضاه، وعملوا على السبق إلى طاعته حتى في ما لم يلزمهم به، مما عرفوا فيه عمق محبته له لقيمته الروحية الكبيرة التي يريد للحياة أن تلتزمها كخطَ للسلوك الإنساني في حركة الإيمان.. وهكذا كانوا يعيشون روحية العمل من خلال روحية الإخلاص لله، وحركة الطاعة في ساحات السبق إلى الحصول على رضاه سبحانه، فلا يريدون لأحدٍ أن يسبقهم في ذلك، ولا ينتظرون الإلزام ليعملوا، بل يبادرون إلى القيام بما يعرفون أن فيه رضى الله، انطلاقاً من محبتهم له وإخلاصهم لربوبيته، وبذلك وصلوا إلى مواقع القرب منه.

{أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ} الذين قربهم الله إليه لقرب أرواحهم إليه وأعمالهم بين يديه، وأدخلهم {فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ} التي أعدّها للمخلصين من عباده، وهؤلاء ليسوا كثرة في تاريخ حركة الإنسان، لأن الإيمان الأعلى، والالتزام الأفضل، والسبق المميز، يحتاج إلى روحية عالية تتجاوز الوضع العاديّ، ما يفرض كثيراً من المعاناة والجهد والتضحية داخل النفس وخارجها، ولذلك فإن حجم هؤلاء العدديّ يختلف بين التاريخ القديم وبين الحاضر الجديد، فهم {ثُلَّةٌ مّنَ الأوَّلِينَ}، ولعل ذلك ناشىءٌ من قلّة التعقيدات، في ما يمكن أن يزحف إلى الذات من مشاغل ومشاكل وأوضاع تشغل الإنسان عن ربه، وتبعد الصفاء عن روحه، وتثير فيه النوازع المادية التي توجهه إلى شهواته وملذاته وأطماعه، وتنطلق به في ساحات الأنانية الذاتية، ولذلك فإن فرص الوصول إلى الانفتاح على الله كثيرة، {وَقَلِيلٌ مّنَ الآخِرِينَ} الذين يعيشون كثيراً من التعقيدات التي يفرضها تقدم الحياة، ذلك أن المفردات التي تعبث بحياة الإنسان في جزئياتها الصغيرة وعناوينها المختلفة كثيرة، ما يجعله يخلد إلى الأرض بشكلٍ كبيرٍ في العمق والامتداد..

{عَلَى سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ* مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ} في جلسة استرخاءٍ حافلةٍ بالمشاعر الأخوية في جوٍّ من الاندماج الروحيّ في مجتمع الجنة الجديد، انطلاقاً مما كانوا يعيشونه من محبة أخوية في الدنيا، {يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُّخَلَّدُونَ} في إشراقة الروح وجمال الوجه ودوام الحيوية، فلا يهرمون، ولا يموتون ولا يضعفون، وتبقى مهمتهم الطواف على هؤلاء المتّقِين السابقين إلى الخيرات، في ما يريده الله لهم من الكرامة، {بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مّن مَّعِينٍ* لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنـزِفُونَ} أي لا يأخذهم صداع الخمر الذي يحصل من خمر الدنيا، {وَلاَ يُنزِفُونَ} أي لا يزول عقلهم بالسكر الحاصل منها. وبذلك نعرف أنَّ مشكلة الخمر ليست في اسمها، بل في تأثيراتها السلبية على عقل الإنسان وحياته، فإذا زالت هذه النتائج، واستُبدِل بها نتائج طيبة، ولم يبق منها إلا النشوة الهادئة التي تفرح القلب، وتسعد الروح، فلا مشكلة في شربها، كما هو الحال في خمر الجنة التي ليس فيها شيء ممّا يضرّ الإنسان ويؤذيه.

{وَفَاكِهَةٍ مّمَّا يَتَخَيَّرُونَ} تبعاً لما يختارونه منها ممّا يتوافق مع مشتهياتهم، {وَلَحْمِ طَيْرٍ مّمَّا يَشْتَهُونَ} في ما يريدونه من الغذاء القوي الذي يبني الجسم، {وَحُورٌ عِينٌ* كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ} أي اللؤلؤ المصون المخزون في الصدف الذي لم تمسّه الأيدي، بما يوحيه ذلك من صفاء وإشراق فيه، {جَزَآء بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} فليس ذلك مجرد عطيَّةٍ سببها كرم الله دون مناسبة، بل هو جزاءٌ على آمالهم الصالحة المنطلقة من روحية الإيمان بالله.

{لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً} فلا يخاطب أحدٌ صاحبه بما لا فائدة فيه من القول، لأنهم لا يعيشون حالة فراغ روحيّ تستثير اللّغو، بل يعيشون حالة امتلاء روحيّ بالله وبكل المعاني التي تقرب منه، ما يجعل كلامهم غنيّاً بالمعاني النافعة لكل ما حول الإنسان ومن حوله.

وإذا كانوا لا يتخاطبون باللّغو من القول، ولا يتحدّثون بالكلام الآثم الذي يتضمّن الكذب والفحش والخيانة والنميمة ونحوها مما يخوض الناس فيه أو يسمعونه في الدنيا بعيداً عن الأخلاق الإسلامية... فكيف يفعلون ذلك في الجنة وهي دار المتقين الذين عاشوا روحية الطاعة لله في أقوالهم وأفعالهم؟

{إِلاَّ قِيلاً سَلاماً سَلاماً} فهذا هو الكلام الذي يسمعونه في الجنة التي هي دار السلام، ما يجعل السلام في كل معاني الروح والصفاء والنقاء في العقل والقلب والروح والواقع، هو الطابع الذي يطبع حياة أهل الجنة في علاقاتهم الأخوية، فهم يسمعونه من الله الذي ينزل عليهم السلام ليوحي لهم بسلام رضوانه ولطفه ورحمته، ويسمعونه من الملائكة الذين يتحدثون معهم بالسلام في إيحاءٍ بالجوّ الجديد الذي يستقبلونه في الجنة، ويتخاطبون به فيما بينهم في نطاق التحية والعلاقة والممارسة، لأنهم لا يحملون في قلوبهم أيّ معنى من معاني الحقد والأنانية والبغضاء، ولا يعيشون أساساً أيّ صراعٍ في أي جانب من الجوانب المتصلة بحياتهم، حتى يتحول الصراع إلى نزاع وخلافٍ وقتال، مما كان يعيشه الناس في الدنيا من خلال المشاكل المتنافرة التي كانوا يواجهونها في علاقاتهم الخاصة والعامة. ومن هنا، كانت الحياة في الجنة سلاماً بكل معانيها، فهي، وحدها، دار السلام بالمعنى المطلق للكلمة، وهكذا يتحول الإيحاء إلى الدنيا، ليتعلم المؤمنون روح السلام فيها ويتعرفوا كيف ينطلقون بهذه الروحية إلى السلام في الآخرة.