تفسير القرآن
الواقعة / من الآية 27 إلى الآية 56

 من الآية 27 الى الآية 56
 

الآيــات

{وأصحاب اليمين ما أصحآب اليمين* في سِدْرٍ مخضُودٍ* وطَلْحٍ منضودٍ* وظِلٍ ممدود* ومآءٍ مسْكُوبٍ* وفاكهةٍ كثيرةٍ* لا مقطوعةٍ ولا ممنوعةٍ* وفُرُشٍ مرفوعةٍ* إنآ أنشأناهنّ إنشاءً* فجعلناهنّ أبكاراً* عُرُبًا أترابًا* لأصحابِ اليمين* ثُلّةٌ من الأوّلين* وثُلّةٌ من الآخرين* وأصحابُ الشِمال ما أصحابُ الشمال* في سَمُومٍ وحميمٍ* وظِلٍ من يحْمُومٍ* لا بَارِدٍ ولا كريمٍ* إنّهُم كانوا قَبْلَ ذلك مُترفين* وكانوا يُصِرّون على الحِنْثِ العظيم* وكانوا يقولون أئِذا متْنا وكُنّا تُراباً وعِظاماً أئنا لمبعوثون* أوآباؤنا الأوّلون* قل إنّ الأوّلين والآخرين* لمجموعون إلى ميقاتٍ يوم معلومٍ* ثم إنّكُم أيها الضالّون المُكذّبون* لآكلون من شجَرٍ من زقّوم* فمالئون منها البطون* فشاربُون عليه من الحميم* فشاربون شُرْبَ الهِيم* هذا نُزُلُهم يوم الدّين} (27ـ56).

* * *

معاني المفردات

{سِدْرٍ}: شجر النبق.

{مَّخْضُودٍ}: ما قطع شوكه، فلا شوك له.

{وَطَلْحٍ}؛ الطلح: شجر الموز.

{عُرُباً}؛ العرب: جمع عروب، وهي المتحننة إلى زوجها، أو الغنجة أو العاشقة لزوجها.

{أَتْرَاباً}: جمع ترب، بمعنى المثل.

{حَمِيمٍ}: ماء شديد الحرارة.

{يَحْمُومٍ}: الدخان الأسود.

{الْحِنثِ}: نقض العهد المؤكد بالحلف.

{الْهِيمِ}: الإبل العطاش التي لا تروى من الماء لداءٍ يصيبها.

* * *

بين أصحاب اليمين وأصحاب الشمال

{وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَآ أَصْحَابُ الْيَمِينِ} هذا هو الصنف الثاني من الناس يوم القيامة، هل تعرف هؤلاء الذين آمنوا بالله، والتزموا بخطه المستقيم في هدوءِ الإيمان وسلامة العمل، دون أن يبلغوا السبق في الدرجة العليا؟ وهل تعرف جزاءهم عند الله، ومكانهم في جنة الرضوان عنده؟ إنهم {فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ* وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ} وهو شجر الموز الذي نُضِّد ثمره بتراكب بعضه فوق بعض، {وَظِلّ مَّمْدُودٍ} لا تزيله الشمس، على سبيل الكناية، لكثافة الشجر، {وَمَآء مَّسْكُوبٍ} يجري بلا انقطاع، {وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ} في عددها وتنوّع أشكالها وخصائصها، {لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ} فليس لها فصلٌ معيّنٌ لتنقطع في فصلٍ آخر، وليس هناك ما يمنع أحداً في الجنة من تناولها، لأن فاكهة الدنيا تختلف عن فاكهة الآخرة، فإذا كانت تنقطع في زمان وتأتي في زمان، فإن فاكهة الآخرة لا تنقطع أبداً. {وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ} عالية وثيرة، وقيل: إن المراد بالفرش: النساء المرتفعات قدراً في عقولهنّ وجمالهنّ وكمالهنّ، كما ورد التعبير الشائع عن المرأة بأنها فراش الرجل، ولعل الحديث في الآية التالية يقرّب ذلك.

* * *

{إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآء وَلاَ فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً* عُرُباً أَتْرَاباً} فقد أوجد الله لهؤلاء المؤمنين في الجنة نساءً عذارى متحنِّناتٍ إلى أزواجهنَّ أو مغنّجات أو عاشقات لهم، حسب اختلاف الأقوال في معنى العروب، مساويات لأزواجهنَّ في السنّ {لأصْحَابِ الْيَمِينِ* ثُلَّةٌ مّنَ الأوَّلِينَ* وَثُلَّةٌ مّنَ الآخِرِينَ} فهم كثرةٌ في الجيل الماضي ممن عاش مع الأنبياء وثبت في إيمانه معهم ومن بعدهم، وهم كثرةٌ في الأجيال اللاحقة التي التزمت الإسلام وسارت في خطه المستقيم...

{وَأَصْحَابُ الشّمَالِ مَآ أَصْحَابُ الشّمَالِ} وهم الذين انحرفوا عن خط الإيمان، وتمرّدوا على الله ورسله، وانحرفوا عن نهج الاستقامة، وعاشوا في أجواء المعصية اللاهية العابثة، وارتكبوا الجرائم الوحشية، أين هم في يوم القيامة؟ إنهم {فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ} فهم في الأجواء التي تتحرك فيها الريح الساخنة المحرقة اللاهبة التي تنفذ إلى داخل الجسم، فإذا ظمئوا، فهناك الماء الشديد الحرارة الذي يغلي في البطون، {وَظِلّ مّن يَحْمُومٍ} فليس هو الظل الذي يبعث الانتعاش في الجسم، بل هو ظلٌّ من الدخان الأسود الذي يخنق الأنفاس، {لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ} كما هو الظل الظليل المنعش الذي يخفف حرارة الجسد، بل إنه لا يدفع حراً ولا برداً، إنما يكون صاحبه كالمستجير من الرمضاء بالنار.

{إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ} ممن يعيشون بطر النعمة وطغيانها، فلا يشكرون الله عليها، ولا يتحملون مسؤوليتها في ما يجب أن يوجهوها إليه من مواقع رضى الله سبحانه، ولذلك فقد نسوا الله من خلالها، وشغلوا بلذاتها وشهواتها عما عند الله من النعيم الباقي.

وإذا كان بعض أصحاب الشمال غير مترفين، فإنهم كانوا ضحية المترفين في اتّباعهم وتقليدهم لهم في كل عاداتهم وتقاليدهم وأوضاعهم التي تشبه أوضاع المترفين في ما توحي به من الغفلة عن الله وعن أوامره ونواهيه، والإخلاد إلى الأرض في شهواتها وأطماعها.

{وكانوا يصرّونَ على الحِنْثِ العظيم} المراد بالإصرار عليه الإقامة على نقض العهد وعدم الإقلاع عنه، وربما كان المراد به الاستكبار عن عبودية الله التي عاهدوه عليها من خلال فطرتهم، في ما يمثله ذلك من ميثاق طبيعيّ في شخصية الإنسان. وقيل: إن المراد به: الذنب العظيم، أو الأيمان الكاذبة التي تنفي البعث والجزاء.

{وَكَانُواْ يِقُولُونَ أَئذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئنَّا لَمَبْعُوثُونَ*َ أَوَ آبَآؤُنَا الأوَّلُونَ} قالوا ذلك، كما قال أمثالهم، في مقام الاستغراب الذي يوحي بالسخرية والإنكار، لكن لا من موقع الشبهة الفكرية، بل من موقع استبعاد ما ليس مألوفاً، لأن العقل لا ينفي إمكان البعث، والوحي يثبت وقوعه، ولذلك كان الحديث حول تأكيده، كحقيقةٍ حاسمةٍ مطلقة.

{قُلْ إِنَّ الأوَّلِينَ وَالآخِرِينَ* لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ} ليقفوا أمام الله فيحاسبهم على أعمالهم التي مارسوها في الدنيا من خيرٍ أو شرٍ، {ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّآلُّونَ الْمُكَذّبُونَ} الذين لم ينطلق ضلالكم من موقع وعي لما أنتم عليه، بل من موقع تكذيب متعمّد للحقيقة الفطرية التي تفرض نفسها عليكم، {لاَكِلُونَ مِن شَجَرٍ مّن زَقُّومٍ* فَمَالِئَونَ مِنْهَا الْبُطُونَ} وقد لا تكون هذه الشجرة واضحة المعنى في طبيعتها، ولكنها توحي بما تشتمل عليه من ثمر سيىء يتحوّل إلى عذاب شديد في جوف الإنسان، {فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ} الذي يغلي فيحرق الجوف، {فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ} وهي الإبل التي يصيبها داء العطش فلا يرويها شيء، وقيل: الهيم: الرمال التي لا تروى بالماء.

{هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدّينِ} أي يوم الجزاء، والنزل ـ كما قيل ـ ما يقدّم للضيف النازل من طعام وشراب إكراماً له، وقد أطلق على هؤلاء الذين هم في موقع المهانة والذلّ على سبيل التهكّم.