تفسير القرآن
الواقعة / من الآية 57 إلى الآية 74

 من الآية 57 الى الآية 74

الآيــات

{نحنُ خلقناكم فلولا تصدّقون* أفرأيتُم ما تُمْنُون* أأنتُم تخلُقُونه أم نحن الخالِقُون* نحن قدّرنا بينَكُم الموتَ وما نحنُ بمسبوقين* على أن نُبدِّل أمثالكُم ونُنشِئكُم في ما لا تعلمون* ولقد علِمْتُم النشأةَ الأولى فلَولا تذكّرون* أفرأيتُم ما تحرُثون* أأنتُم تزرعونه أم نحنُ الزارعون* لو نشآء لجعلناه حُطاماً فظَلتُم تفكّهون* إنا لمغْرَمون* بل نحنُ محرومون* أفرأيتُم المآء الذي تشربون* ءأنتُم أنزلتموه من المُزْنِ أم نحن المنزِلون* لو نشاء جعلناه أُجاجاً فلولا تشكُرون* أفرأيتُم النّار التي تُورون* أأنتُم أنشأتم شجرَتَها أم نحنُ المنشئون* نحن جعلناها تذكرةً ومتاعاً للمُقوين* فسبّح باسم ربّك العظيم} (57ـ74).

* * *

معاني المفردات

{تُمْنُونَ}؛ الإمناء: قذف المني وصبُّه في الرحم.

{تَحْرُثُونَ}؛ الحرث: العمل في الأرض، وإلقاء البذر فيها.

{فَظَلْتُمْ}: فظللتم وصرتم.

{تَفَكَّهُونَ}: تتعجبون.

{لَمُغْرَمُونَ}؛ المغرم: الذي ذهب ماله بغير عوض.

{الْمُزْنِ}: السحاب.

{أُجَاجاً}؛ الأجاج: الماء الذي اشتدت ملوحته.

{تُورُونَ}؛ الإيراء: إظهار النار بالقدح.

{لّلْمُقْوِينَ}؛ المقوي: النازل بالقواء من الأرض ليس بها أحد.

* * *

جولةٌ مع نعم اللَّه على الإنسان

وهذه جولةٌ قرآنية في رحلة وجود الإنسان، بدءاً بتشكل النطفة وتطور نموها التي تحمل سرّ خلقه، مروراً بشروط الحياة التي يمتد بها وجوده، من الماء الذي يشربه، ومن غذاء يتغذَّى به، ونار يتدفّأ عليها ويستخدمها في كثير من حاجاته الخاصة والعامة، ليثير تفكير الإنسان بقدرة الله في الوجود وفي أسبابه، وفي حكمته في تدبيره، وفي حاجة الخلق إليه في كل شيء، ليأخذ من ذلك فكرة الإيمان بالآخرة من خلال فكرة الإيمان بالمبدأ على أساس التلازم بينهما فيما هو الإيمان بالقدرة الإلهية التي لا يعجزها شيء وإن عظم، وأن القدرة على البداية أكثر أهميّةً من القدرة على الإعادة.

{نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ} وكنتم عدماً، فهل تنكرون تلك الحقيقة الثابتة التي تفرض نفسها عليكم؟ {فَلَوْلاَ تُصَدّقُونَ} أي فلا بد لكم من أن تصدقوا بذلك وتؤمنوا به، فالله هو الذي يملك القدرة كلها، وهو الذي يخبركم بالحقيقة التي لا بد من أن تصدقوا بها، لأنه المهيمن على الأمر كله والمطّلع على الخلق كلهم.

* * *

قدرة اللّه في خلق النطفة

{أَفَرَأيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ} هذه النطفة التي يقذفها الرجل في رحم المرأة، هل تعرفون طبيعة خصائصها وقدرتها على النموّ المتنوّع الذي تتحول فيه إلى علقةٍ، ثم إلى مضغةٍ، ثم تتحول إلى عظامٍ، ثم يكسو الله العظام لحماً، وهكذا تتنوع خصائص هذا المخلوق داخل خلاياه، فهذه خلايا عظام، وهذه خلايا عضلات، وهذه خلايا جلد، وهذه خلايا أعصاب... ثم خلايا لعمل عين وأذنٍ وغدد، وكل واحدةٍ منها تعرف كيف تقوم بالمهمّة الموكولة إليها، فلا تتداخل في مواقعها، ولا تضيع عن طريقها. وينطلق السؤال: كيف حدث هذا؟ وما هو سرّ وجود هذه الخلايا وحركتها وتجدّدها وطبيعتها في استمرار الحياة؟ وكيف يتجلى فيها سرّ القدرة، وعظمة الإبداع؟ وهل أدركتم من خلال ذلك من هو الخالق لها، ومن هو الذي أودع فيها كل فاعلية الحياة وحركيَّة السرّ الكامن فيها الذي يختزنها؟ {أَأنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ الْخَالِقُونَ} والترديد ليس في مقام الاستفهام، لأن كل واحد من الناس يعرف أن دوره هو قذف المني في الرحم، دون أن يكون له أيّ دخلٍ في تكوينه، بل كل ما هناك أنه حرّك الجوّ الذي أطلق المني من جسده، ولكن مهمته تنتهي عند هذا الحدّ لتبدأ النطفة رحلةً كاملةً في صنع إنسان بقدرة الله...

وهكذا يبدأ الإنسان رحلة الحياة، وتمتد به هذه الرحلة إلى أمد، مهما طال به، فإنه يبقى محدوداً بالموت الذي لا بدّ من أن يطاله مهما امتد به العمر، ومهما تحركت في داخله القوّة، فمن هو الذي قدّر ذلك؟ ومن هو الذي دبّره؟ {نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ} فلن يملك أحد أن يسبقنا في تقديره، ولن يستطيع أحد أن يسبقنا بالإفلات من ذاك التقدير، لأننا إذا أردنا شيئاً فلا يملك أيّ مخلوق أن ينال من إرادتنا في عمقها التكويني وفي حركتها.

وتمضي السنَّة الإلهية التكوينية، لتجعل من الموت سنَّة الحياة التي تؤمّن للحياة التنوع، فلا تموت الحياة بموت جيل وأفوله، بل تتجدد مع جيل جديد يأتي فيطوّر حركة الفكر فيها. {عَلَى أَن نُّبَدّلَ أَمْثَالَكُمْ} ليعمروا الأرض كما عمرتموها، وليديروها كما أدرتموها حتى ينتهي الأجل، {وَنُنشِئَكُمْ فِى مَا لاَ تَعْلَمُونَ} في عالم الغيب الذي لا يدرك كنهه أحد، فلا طريق إلى معرفته إلا من خلال الله، ولن يستطيع الإنسان أن يتعرف إلى طبيعته، لأن معرفة الإنسان الذهنية تقوم غالباً على التجربة الحسية.

{وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأولَى فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ} فهل فكرتم كيف يمكن لوعي البداية أن يفسح المجال لوعي النشأة الأخرى؟ إن المسألة لا تحتاج إلى جهد من التفكير الفلسفيّ ليقتنع الإنسان بها، بل إن طبيعة الفطرة وإحساس الوجدان، يفرضان القناعة لمن تذكّر، لذلك كان من المهمّ أن لا يغفل عن ذلك، ولا ينسى، بل تنطلق الذكرى لتكون النور الذي ينفتح على الحق كله.

* * *

أفرأيتم ما تحرثون.. مَنْ زرعه؟

{أَفَرَأيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ} من هذا الزرع الذي ينبت تحت بصركم، هل تعرفون طبيعة البذرة الأولى التي بعثت الحياة، وكيف تنوَّعت في طبيعتها، لتتنوع في خصائصها، وفي طريقة نموّها وفي تفاعلها مع التراب والشمس والهواء والماء والعناصر المتنوعة المبثوثة في الجو من حولها وفي داخلها؟ ثم في كل هذه الأشكال المتنوعة في أحجامها وفي ملامحها، هذه النبتة تتحول إلى نخلةٍ، وتلك تتحول إلى شجرةٍ مخضرّة الأوراق أو محمرة، أو مصفرّة، أو ما إلى ذلك، وهذه تتحول إلى سنبلةٍ، وتلك إلى زهرةٍ، ونحو ذلك؛ من أبدع هذا كله ومن خلقه؟

{أَأنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزارِعُونَ} ما دوركم في إنباته سوى أنكم تحرثون الأرض، وتلقون البذرة فيها، وتجرون الماء عليها؟.. ثم تنتظرون السنّة الإلهية لتبدأ رحلة الحياة في البذرة، وتنمو نمواً كاملاً إلى أن يحين موعد حصاد الحب، وقطف الثمر، ونزع الورق الأخضر... {لَوْ نَشَآء لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً} أي هشيماً تذروه الرياح، فلا تحصلون منه على شيء، بتحريك عوامل تقتله وتمنعه من الاكتمال، {فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ} أي تتعجبون مما حلّ بزرعكم من الآفات وتقولون لبعضكم البعض: {إِنَّا لَمُغْرَمُونَ} أي واقعون تحت ضغط الغرامة وهي الديون والمسؤوليات المترتبة عليها، فقد كنا ننتظر نتائج الموسم لنحصل عليها، فإذا بالموسم يتبخّر بسبب العوامل القاسية التي أهلكت الزرع كله، {بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ} من كل المنافع التي كنا نترقّبها منه، ما يجعلنا نواجه الحرمان بأبشع صوره في حياتنا.

* * *

والماء الذي تشربون.. من أنزله؟

{أَفَرأيْتُمُ الْمَآء الَّذِي تَشْرَبُونَ} وتحصلون منه على عنصر الحياة الذي لولاه لما امتدت بكم، ولما استطعتم الحصول على الغذاء الحيواني والنباتي، لأنه الشرط لبقاء كل حيّ... {أَأنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ} فماذا تملكون منه سوى أن تنتظروا تساقطه لتجمعوه في أماكنه التي تعدُّونها، أو لتأخذوه من مواقع الأنهار ومساقط الينابيع، ولكن الله هو الذي يملك تحريكه وإنزاله وتكوين العناصر الطبيعية، لينزله عليكم عذباً سائغاً يروي العطاشى، ويحيى موات الأرض، {لَوْ نَشَآء جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً} أي لولا أن الله أراد لعباده الخير في حياتهم بتحريك نعمه، لجعل الماء ملحاً أجاجاً لا ينتفع به في شرب ولا زرع، بما في ذلك من مشكلة لكم في كل مواقع حياتكم، {فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ} الله على ذلك بالانفتاح على مواقع نعمه.

* * *

والنار التي تورون.. من أنشأ شجرتها؟

{أَفَرَأيْتُمُ النَّارَ الَّتي تُورُونَ} هل تعرفون سرّ ظهور النار عند احتكاك فرع شجرةٍ بفرع شجرةٍ أخرى، كما كان العرب يفعلون عندما يوقدون النار على الطريقة البدائية؟ ما هو دوركم في ذلك سوى أنكم تستخدمون الوسائل التي خلقها الله؟ {أَأنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ} التي تستخرجون منها النار {أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ}؟... وليس هذا السؤال في موقع الترديد، بل هو في موقع إعلان الحقيقة، باعترافهم الذي يفرضه الواقع الذي لا مجال للشكّ فيه، وإذا كانت الآية تتحدث عن خروج النار من الشجرة، فلأنها كانت الطريقة المألوفة لدى العرب في إشعال النار، ولكن الحديث عن النار حديثٌ مطلقٌ يشمل ما يستحدثه الإنسان من وسائل إشعالها من فحم حجريّ وبترول وكهرباء وذرّة وشمس، وغير ذلك مما أودع الله فيه سرّ النار.

{نَحْنُ جَعَلْناهَا تَذْكِرَةً} أي موعظة للناس كونها توحي بالنار الخالدة في الآخرة التي تثير في نفوسهم الخوف والحذر، وتدفعهم إلى طاعة الله في مواقع رضاه، {وَمَتَاعاً لّلْمُقْوِينَ} أي منفعة للمقوين، وهم الذين ينزلون القواء وهو القفر، وقيل: إنهم المسافرون، وقيل: إنهم المستمتعون بها بشكل مطلقٍ، وربما كان هذا أقرب نظراً لشمولية الانتفاع بها.

{فَسَبّحْ بِاسْمِ رَبّكَ الْعَظِيمِ} الذي تؤكد هذه الأمور عظمته في وعي الإنسان المؤمن، وتدفعه إلى التعبير عن ذلك الشعور العميق بطريقة التسبيح.