تفسير القرآن
الواقعة / من الآية 75 إلى الآية 96

 من الآية 75 الى الآية 96
 

الآيــات

{فلا أُقسِمُ بمواقِعِ النجوم* وإنّه لقسَمٌ لو تعْلَمون عظيم* إنّه لقرآنٌ كريم* في كتابٍ مَكْنونٍ* لا يمَسّهُ إلا المطهّرون* تنـزيلٌ من ربّ العالمين* أفبهذا الحديث أنتُم مُدهِنون* وتجعلون رزْقَكُم أنّكُم تُكذّبون* فلولا إذا بلغتِ الحُلْقوم* وأنتُم حينئذٍ تنظُرون* ونحن أقربُ إليه منكُم ولكن لا تبصِرون* فلولا إن كنْتُم غير مدينين* ترجِعونها إن كنتم صادقين* فأما إن كان منَ المقرّبين* فرَوحٌ وريحانٌ وجنّاتُ نعيم* وأما إن كان من أصحاب اليمين* فسلامٌ لك من أصحاب اليمين* وأما إن كان من المكذّبين الضالّين* فنُزُلٌ من حميمٍ* وتصليَةُ جحيم* إنّ هذا لهو حقّ اليقين* فسبّح باسمِ ربّك العظيم} (75ـ96).

* * *

معاني المفردات

{مَّكْنُونٍ}: محفوظ مصون.

{مُّدْهِنُونَ}: مكذّبون.

{مَدِينِينَ}: مجزيِّين، من دان يداني، بمعنى جزى يجزي

{فَرَوْحٌ}: راحة.

* * *

مواقع النجوم، ما هي؟

{فَلاَ أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ}، ذكر المفسرون أن «لا» زائدة مؤكدة، مثلها في قوله تعالى: {لّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ} (الحديد: 29) ومعناه «أقسم»[1]. وهناك احتمالٌ آخر، وهو إبقاء الكلمة على طبيعتها كجزءٍ من الكلام، ليكون المعنى هو أن المسألة واضحة جداً بحيث لا تحتاج إلى أيّ قسمٍ مهما كان عظيماً، ولكن ربما كان الاحتمال الأول أقرب، لأن التأكيد على عظمة القسم في الآية التالية يوحي بأن المقصود هو تأكيد الفكرة عن القرآن بالقسم العظيم؛ والله العالم.

ولكن ما هو المراد بمواقع النجوم، فقد جاء عن مجموعة من المفسرين منهم صاحب الكشاف، أن المراد بمواقع النجوم مساقطها ومغاربها[2]، أي محالّ وقوعها وسقوطها، ويشير به إلى سقوط الكواكب يوم القيامة أو وقع الشهب على الشياطين، أو مساقط الكواكب في مغاربها، ويرى صاحب تفسير الميزان أن الاحتمال الأول هو السابق إلى الذهن[3]، وربما كان ذلك من جهة أن أجواء الآيات التالية تدور في فلك الآخرة التي أريد لها أن تعيش في وعي الناس، ليتذكروها في ما يتذكرونه من مقدمات يوم القيامة من انتثار النجوم. وقد جاء في بعض التفاسير ـ كما في ظلال القرآن ـ أن المراد بمواقع النجوم أماكنها ومداراتها في السماء، فقد جاء فيه: «لم يكن المخاطبون يعرفون عن مواقع النجوم إلا القليل، الذي يدركونه بعيونهم المجرّدة، ومن ثمَّ قال لهم: {وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ}... فأمّا نحن اليوم، فندرك من عظمة هذا القسم المتعلقة بالمقسم به، نصيباً أكبر بكثير مما كانوا يعلمون. وإن كنا نحن ـ أيضاً ـ لا نعلم إلا القليل عن عظمة مواقع النجوم.

وهذا القليل الذي وصلنا إليه بمراصدنا الصغيرة المحدودة المناظير، يقول لنا: إن مجموعةً واحدةً من مجموعات النجوم التي لا تحصى في الفضاء الهائل الذي لا نعرف له حدوداً، تشكّل المجرّة التي تنتسب إليها أسرتنا الشمسية ويبلغ تعدادها ألف مليون نجم

ويقول الفلكيون إن من هذه النجوم والكواكب التي تزيد على عدة بلايين نجم، ما يمكن رؤيته بالعين المجردة، وما لا يرى إلا بالمجاهر والأجهزة، وما يمكن أن تحس به الأجهزة دون أن تراه. هذه كلها تسبح في الفلك الغامض، ولا يوجد أيّ احتمال أن يقترب مجال مغناطيسيّ لنجم من مجال نجم آخر، أو يصطدم بكوكبٍ آخر، إلاّ كما يحتمل تصادم مركب في البحر الأبيض المتوسط بآخر في المحيط الهادي، يسيران في اتجاهٍ واحدٍ وبسرعةٍ واحدةٍ، وهو احتمال بعيد، إن لم يكن مستحيلاً»[4].

ولكن قد نلاحظ على هذا الاحتمال، أن مواقع النجوم ذاتها لا تحمل أيّة خصوصية تدلّ على العظمة، بعيداً عن النجوم نفسها في حركتها وأوضاعها، ما يجعل الاحتمال الأول الذي يتحدث عن مساقط النجوم أو مغاربها ظاهرة كونية إلهيّة عجائبية تثير الانتباه، والله العالم.

{وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} في ما يعبر به عن مواقع العظمة في طبيعة هذه الظاهرة الكبيرة، ليلتفت الناس إليها، ليتعرفوا من خلال ذلك على أسرارها ولينطلقوا فيها إلى معرفة الله سبحانه.

{إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ} هذا الكتاب الذي أنزله الله على رسوله ليبين للناس حقائق العقيدة في توحيد الله وعظمته وفي رسالة رسوله، وفي الإيمان باليوم الآخر، فهو الحقيقة المشرقة التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، {فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ} مصونٍ من التحريف، أو مصون من اطلاع غير الملائكة المقرّبين عليه، إذا أريد بالكتاب اللوح المحفوظ، {لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ} من الأدناس أو من الذنوب.

وقد جاء في بعض الروايات، أن الآية تشير إلى أن غير المتطهِّر من الحدث الذي يستتبع الوضوء والغسل، لا يجوز له مسّ كتابة القرآن، فلا يجوز للجنب والحائض والمحدث مسّ المصحف، وجاء في الدر المنثور في ما روي عن كتاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) لعمرو بن حزم: «ولا تمس القرآن إلاّ على طهور»[5].

وهناك قولٌ بأن المراد بالمسّ، المسّ التفسيري، فلا يجوز لأحد تفسيره إلا المطهّرون الذين يملكون العصمة عن الخطأ. وقد جاء في بعض التفاسير أن الآية جاءت رداً على ما قاله المشركون عن القرآن: إن الشياطين تنزّلت به، فكان الرد أنه لا يقبل مسّ الشيطان له لأنه في علم الله وحفظه، وقد تنزل به الملائكة المطهرون، وبذلك تكون الآية نافية لا ناهية.

{تَنزِيلٌ مّن رَّبّ الْعَالَمِينَ} فهو كلام الله الذي أنزله وحياً على نبيه ليكون هدًى للعالمين، يأخذون به في عقيدتهم وفي حياتهم العملية على كل صعيد، فلا مجال للشّكّ فيه، كما يقول المشركون الذين قالوا إنه مفترى، أو إنه {أَسَـاطيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} (الفرقان: 5).

{أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ} استعير الإدهان هنا للتهاون، كمن يدهن في الأمر، أي يلين جانبه ولا يتصلب به، والظاهر أن المراد به حالة اللامبالاة أو التشكيك التي يمارسونها ضد القرآن أو اليوم الآخر، فلا يلقون إليه بالاً، ولا يواجهونه بالاهتمام الذي يوحي بالتفكير وبالحوار فيه وفي مفاهيمه، {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذّبُونَ} أي تعملون على أن يكون التكذيب هو الخير الذي تتمثلونه في حياتكم في مواقفكم التي تقفونها ضد الرسول والرسالة، ليكون ذلك هو خطكم الذي تعتبرونه خيراً تلتزمونه في حياتكم كموقف طبيعيّ.

* * *

فلولا إذا بلغت الحلقوم

{فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ} كيف تواجهون هذا الموقف، وماذا أنتم فاعلون عندما تصل الروح إلى الحلقوم في حشرجات الصدور، وفي انقباض الملامح، وفي حالة اليأس التي تتمثل في الفزع الذي يطلّ من عيونكم؟ {وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ} إلى هذا المحتضر وهو يسلم الروح، {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لاَّ تُبْصِرُونَ} إنه الحضور الإلهي الذي يسيطر على الكيان كله، ويحيط بالإنسان من بين يديه ومن خلفه، ويأخذ عليه كل حياته، فتنسلّ الروح من جسده بشكل خفيّ، بقدرة الله التي لا يستطيع الجميع الوقوف أمامها بالرغم من كل محاولاتهم، ولا ينتبهون إليها ولا يعرفون وقتها، إنه العجز الإنساني الذي يقف موقف التسليم المطلق أمام الله.

{فَلَوْلاَ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ} فلو كان الأمر كما تقولون في نفي الحساب والجزاء، أو في الغفلة عن قدرة الله عليكم وربوبيته لكم، {تَرْجِعُونَهَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} في ما قد تتحسّسون في موقفكم المتمرّد على الله الذي توحون به إلى أنفسكم بالقدرة المطلقة انطلاقاً من الغفلة المطبقة على عقولكم، فحاولوا إرجاع الروح إلى الجسد عندما تبلغ الحلقوم، ولكنكم لا تملكون شيئاً من ذلك لأنفسكم ولغيركم، لأنكم خاضعون لله في وجودكم وفي نهايتكم.

{فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ} فإذا خرجت الروح من البدن، ووقف هذا الإنسان أمام الله في موقف الحساب الأخير، فإن كان من الذين عاشوا القرب لله في حياتهم في ما اعتقدوه أو عملوا به، فسيكون جزاؤه في مواقع القرب من الله، {فرَوحٌ وريحانٌ وجنّات نعيم} وهي الدرجة العليا التي يحس فيها هؤلاء السابقون المقرّبون بالراحة اللذيذة الحلوة التي تلامس الروح حتى تنفتح بها على كل مشاعر السعادة الفيّاضة بالهدوء والطمأنينة النفسية، والاسترخاء الروحيّ في نعمة الله، واللذة الحسية التي تتمثل في الريحان الذي يملأ الجو عطراً كأروع ما يكون، والنعيم الذي يتمثل في الجنة التي تشتمل على كل ما تشتهيه الأنفس وتلذُّ به الأعين.

* * *

إنّ هذا لهو حقّ اليقين

{وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ} وهم الفئة الأخرى التي تقف في الدرجة الثانية من مواقع القرب من الله، {فَسَلامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ} حيث يتلقاه إخوانه الذين سبقوه في خط الإيمان والتقوى، ليوحي السلام إليه بالبشرى والطمأنينة والنعيم الإلهيّ الذي يجعل حياته كلها خيراً وسروراً وسلاماً، وما أحلى السلام في ذلك الموقف، وما أندى التحية الموحية بالطمأنينة في العمق النفسي للإنسان المؤمن، بعد الوحشة الطويلة التي عاشها في أجواء المحشر وما قبله.

{وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذّبِينَ الضَّآلّينَ} وهم أصحاب الشمال الذين كذّبوا بالرسالة وعاشوا مع الأهواء وضلّوا في متاهات الانحراف، وابتعدوا عن الله في أفكارهم وفي كل حياتهم العامة والخاصة. {فَنُزُلٌ مّنْ حَمِيمٍ} فهو المنزل الذي ينزلون به، {وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ} حيث يتصاعد اللهب إلى كل وجودهم هناك ليحرقهم من الداخل والخارج.

{إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ} الذي لا مجال فيه للشك لأنه يمثِّل عمق الحق الذي يشرق في داخل النفس لتعيش اليقين الذي لا تهتز فيه القناعات، ولا تزحف إليه الاحتمالات.

{فَسَبّحْ بِاسْمِ رَبّكَ الْعَظِيمِ} الذي تتجلّى عظمته في روحك وفي قلبك وفي كل حياتك من خلال قدرته ورحمته ونعمته وعدله ولطفه...

والحمد لله ربّ العالمين

ـــــــــــــــ

(1) انظر: تفسير الكشاف، ج:4، ص:58.

(2) انظر: (م.ن)، ج:4، ص:58.

(3) انظر: تفسير الميزان، ج:19، ص:141.

(4) في ظلال القرآن، م:7، ج:27، ص:705 ـ 706.

(5) الدرّ المنثور، ج:8، ص:27.