المقدمة
سورة الحشر
مدنية وآياتها أربع وعشرون
في أجواء السورة
هذه السورة من السور المدنية التي عالجت موقعةً مهمةً من مواقع الأمن الإسلامي في المدينة، في نطاق الأوضاع القلقة التي كان يتحرك فيها اليهود ضد المسلمين في كيدهم الخفي للإسلام، بالرغم من المعاهدة التي كانت تربطهم بالنبي(ص) في علاقة السلم المتبادل المبني على الاحترام العملي في حركة الواقع، وفي اعتراف الإسلام بالكتاب كله، كرمزٍ للعلاقات المميزة مع أهل الكتاب، ولذلك كان الوضع حذراً في ما كان المسلمون يتحسسونه من أوضاعهم المريبة وحركاتهم المشبوهة، التي ترتكز على الكيد والتآمر على حركة الإسلام كله.
وهذا هو ما تمثّله موقعة بني النضير الذين هم أحد فصائل المجتمع اليهودي في المدينة، إلى جانب بني قريظة وبني قينقاع. وقد صدر منهم ما يؤكِّد نقض عهدهم مع النبي محمد(ص)، وكان سبب ذلك في ما نقله رواة السيرة، أنّ أبا براء عامر بن مالك بن جعفر ملاعب الأسنة سيد بني عامر بن صعصعة، قدم على رسول الله(ص)، فأهدى له هديةً، فأبى أن يقبلها حتى يسلم، فلم يُسلم ولم يبعد، وأعجبه الإسلام وطلب من النبي(ص) أن يرسل جماعةً إلى أهل نجد في جواره يدعوهم إلى الإسلام، فأرسل معه سبعين راكباً، فقتلهم عامر بن الطفيل ببئر معونة، استصرخ عليهم القبائل، ونجا منهم عمرو بن أمية الضمري، أطلقه بعدما جزّ ناصيته، فخرج عمرو ونزل معه رجلان من بني عامر في ظل شجرةٍ، وكان معهما عقدٌ وجوارٌ من رسول الله(ص) لم يعلم به عمرو، فلما ناما، قتلهما بمن قتله بنو عامر عند بئر معونة، فلما بلغ ذلك رسول الله 1 عزم على أن يديهما، فانطلق إلى بني النضير يستلفهم في ديتهما ومعه نفرٌ من أصحابه، فقالوا: نعم يا أبا القاسم، وجلس إلى جدار من بيوتهم وتآمروا على قتله، فقالوا: من يعلو هذا البيت فيلقي عليه صخرةً يقتله بها ويريحنا منه، ونهاهم سلام بن مشكم، وقال: ليخبرن بما هممتم به، وأنه نقض للعهد، فلم يقبلوا، فانتُدب لذلك رجل وصعد ليلقي الصخرة، فجاءه(ص) الوحي بذلك، فنهض سريعاً كأنه يريد حاجةً، فتوجّه إلى المدينة ولحقه أصحابه فقالوا: قمت ولم نشعر، قال: همّت يهود بالغدر وأخبرني الله بذلك فقمت، وأرسل إليهم محمد بن مسلمة فقال: اذهب إلى يهود فقل لهم: اخرجوا من بلدي فلا تساكنوني، وقد هممتم بما هممتم به من الغدر وقد أجَّلتكم عشراً فمن رئي بعد ذلك ضربت عنقه، فقالوا: نتحمل، فأرسل إليهم عبد الله بن أبيّ بن سلول: لا تفعلوا، فإن معي من العرب ومن قومي ألفين يدخلون معكم وقريظة وحلفاؤكم من غطفان يدخلون معكم، فطمع حيي بن أخطب سيد بني النضير في ذلك، ونهاه سلام بن مشكم أحد رؤسائهم، وقال: إن ابن أبيّ يريد أن يورِّطكم في الهلكة، ويجلس في بيته، ألا تراه وعد بني قينقاع مثل ما وعدكم، وهم حلفاؤه، فلم يف لهم، فكيف يفي لنا ونحن حلفاء الأوس؟ فلم يقبل حيي وأرسل إلى رسول الله(ص): إنا لا نخرج من ديارنا فاصنع ما بدا لك، فكبَّر(ص) وكبّر المسلمون وقال: حاربت يهود، وتجهز لحربهم واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم، وكان أعمى، وأعطى رايته علي بن أبي طالب(ع)، واعتزلتهم قريظة، فلم تعنهم، وخذلهم ابن أبيّ وحلفاؤهم من غطفان، وسار(ص) بالناس، حتى نزل فصلى بهم العصر بفنائهم وقد تحصنوا، وقاموا على حصنهم يرمون بالنبل والحجارة[1].
قال صاحب السيرة الحلبية: «وأمر بلالاً فضرب القبة، وهي من خشب عليها مسوح، وكان رجل من يهود اسمه عزّوز أو غزول، وكان أعسر رامياً يبلغ نبله ما لا يبلغه نبل غيره، فوصل نبله تلك القبة فأمر بها فحوّلت. وفُقد علي قرب العشاء، فقال الناس: يا رسول الله ما نرى علياً، فقال: دعوه، فإنه في بعض شأنكم، فعن قليل جاء برأس غزول، كمن له عليّ حين خرج يطلب غرّة من المسلمين ومعه جماعة، فشد عليه فقتله وفر من كان معه، فأرسل رسول الله مع علي أبا دجانة وسهل بن حنيف في عشرة فأدركوهم وقتلوهم.
وحاصرهم(ص) خمسة عشر يوماً، وقيل: أكثر، وكان سعد بن عبادة في تلك المدة يبعث بالتمر إلى المسلمين، وقطع نخلهم وحرق لهم نخلاً بالبويرة، فنادوه: يا محمد، كنت تنهى عن الفساد وتعيبه، فما بال قطع النخل؟ وقذف الله في قلوبهم الرعب، فقالوا: نخرج من بلادك، فقال: لا أقبله اليوم ولكن اخرجوا ولكم دماؤكم وما حملت الإبل من أموالكم إلا الحلقة (أي آلة الحرب)، فنزلوا على ذلك، فكانوا يخربون بيوتهم بأيديهم، فيهدم الرجل بيته عما استحسن به من باب ونجافٍ وغيرهما لئلا ينتفع بها المسلمون، وكان المسلمون يخرّبون مما يليهم، فخرجوا إلى خيبر، ومنهم من خرج إلى الشام»[2].
وقد أثارت السورة مسألة النتائج للنصر الإسلامي عليهم، في ما أفاء الله به على المسلمين من أموالهم، فحددت كيفية توزيعه بالطريقة التي تمثل الشمول للجميع بحيث لا يختص به أحد.
وانطلق النداء الإلهي في السورة للمؤمنين في الدعوة إلى التفكير بالمستقبل الأخروي، كيف يعدّون العدّة له، وكيف يواجهون المسألة بمنطق التقوى في دراسة حسابات الماضي للمستقبل، وفي الانضباط أمام الخطوات العملية في ما يقومون به من خطوات في خط الطاعة، ليحصلوا على الجنة التي يدخلها الفائزون برحمة الله ورضوانه. وتختم الحديث بالتأكيد على القرآن في إيحاءاته الفكرية والروحية في وعي الإنسان، في خشوعه لله، لأنه لو أنزل على جبلٍ لكان خاشعاً متصدعاً من خشية الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة، له الأسماء الحسنى، فليتوجه الناس إليه ويسبّحوه مع المسبِّحين.
* * *
اسم السورة
وجاء اسم الحشر ليكون عنواناً للسورة باعتبار الحديث فيها عن أول الحشر في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ} والمراد به، في رأي ابن عباس والأكثرين من المفسِّرين، أنّ أهل الكتاب أخرجوا من جزيرة العرب للمرة الأولى، وكانوا من قبل في عزةٍ ومنعة، وقيل في أول حشرهم للقتال، أو للجلاء إلى الشام.
تفسير القرآن