تفسير القرآن
الحشر / من الآية 1 إلى الآية 5

 من الآية 1 الى الآية 5

الآيــات

{سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ* هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُواْ يا أُوْلِي الأبْصَارِ* وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاَءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخرةِ عَذَابُ النَّارِ* ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَآقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ* مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ}     (1ـ5).

* * *

واقعة بني النضير

{سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} فهذه هي الوظيفة الإيمانية التي تمثِّل دور الكون في ما يحتويه من موجودات حية أو جامدة، في وجوده التكويني المنفتح على إعلان عظمة الله بوسائله التعبيرية المتنوعة، ليكون ذلك منطلقاً للإنسان ليستوحي ذلك في إقباله على الله، وفي خضوعه له، وفي انفتاحه على كل مشاريعه العملية من خلال الإحساس بذلك، ليكون مرتكزاً على أساس الشعور بالموقف القوي من خلال الشعور بعظمة الله في كل مواقع القوة {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} الذي لا يقترب أحد من مواقع عزته بأي موقع قوة، كما أنه يدبر الحياة في كل حركتها بحكمته.

{هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لاَِوَّلِ الْحَشْرِ} بتدبيره الذي ألهمه رسوله، وبنصره الذي نصره به، في نطاق العقيدة الإيمانية التي ترجع فيها كل أفعال الإنسان إلى الله، في ما توحي به من أن الله هو الذي يملك عمق الأسباب التي تبدو مرتبطةً بالإنسان في ظواهرها، ليبقى الإنسان مشدوداً إلى الله في شعوره بالحاجة المطلقة إليه، لأن كل طاقاته الذاتية مستمدة من الله في أصل وجودها وفي استمرارها في الحركة.

وهكذا كانت الآية تؤكِّد أن الله هو الذي أخرج الكافرين برسوله من أهل الكتاب، وهم بنو النضير، من ديارهم، بفعل الخطة الحكيمة المتحركة بقوة الموقف الإسلامي الذي وقفه النبي(ص) والمسلمون معه في مواجهتهم للتمرد اليهودي على المعاهدة المعقودة بينهم وبين النبي(ص)، وقد أسلفنا الكلام عما هو المراد من أول الحشر الذي يوحي بالبداية لإخراج اليهود عن الجزيرة العربية.

وقد كان هذا الإخراج وليدَ نظرةٍ إسلاميةٍ للعقلية اليهودية العنصرية التي تختزن في داخلها العقدة الخبيثة ضد الإسلام والمسلمين في ما كانت تثيره من حقدٍ متأصِّلٍ في الذات، وشعورٍ مرضيٍّ بالتفوق، ما يجعل المجتمع اليهودي ـ بحسب طبيعته ـ مجتمعاً معقّداً مثيراً للقلق والإرباك في محيطه الإسلامي، بالمستوى الذي يشكِّل فيه خطراً مستقبلياً على سلامة الدين الإسلامي الوليد، هذا من جهةٍ. ومن جهةٍ أخرى، فإن التجربة المريرة التي عاشها المسلمون معهم، في نطاق المعاهدة المعقودة فيما بينهم، كانت تجربةً قاسيةً، لا سيما في الحلف العدواني بين اليهود والمنافقين، بحيث استطاع اليهود أن يستغلوا مجتمع النفاق، للتدخل في قضايا المسلمين باسم الإسلام الذي كان يتستر به المنافقون الذين كانوا يبطنون الكفر في داخلهم. ولكن الله أراد لنبِّيه أن لا يعرض لهم بسوء التزاماً بالعهد، حتى يكونوا هم الذين ينقضونه بأنفسهم، فلما نقضوه وكان بنو النضير أول الناقضين وقف المسلمون موقفاً حازماً منهم، وكان الجلاء هو الحل الطبيعي الواقعي للمشكلة، بالرغم من قسوته في ذاته، ولكننا عندما ندرسه من ناحية الامتناع عن قتل الذكور وسبي النساء والأطفال، فإننا نجده حلاَّ لا يبتعد عن الرحمة بالمعنى العسكري للكلمة، وهكذا أخرجهم الله بتدبيره.

{مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ} لأنهم كانوا يملكون القوة والمنعة والمال الكثير، بالمستوى الذي يرفضون معه أن يسلِّموا أمرهم للقرار الإسلامي في إخراجهم بطريقة سلمية {وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ} في ما كان يخيّل إليهم من مناعة الحصون التي يتحصنون بها ويضغطون من خلالها على أعدائهم، على أساس ما تمنحه لهم من مواقع الأمان، وكانوا يتعلقون بالأسباب المادية في ما يستغرقون فيه من عقدة القوّة المستعلية، من دون انفتاحٍ على الأسباب الغيبية المخزونة في علم الله، ودراسة لعناصر القوّة الروحية الخفية الكامنة في المجتمع الإسلامي بقيادة رسول الله(ص)، ما جعلهم يعيشون الغفلة المطبقة على عقولهم ومشاعرهم {فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ} لأنهم لم يفكِّروا في الانهيار الكبير الذي امتد إلى كل مواقعهم ومواقفهم، فكانت المفاجأة الكبيرة أنّ مجتمعهم لم يكن مرتكزاً على أساس القوة الحقيقية، بل كانت المسألة مسألةً وهميةً خاضعةً لغرور العظمة الكاذبة، فكان الواقع الذي تحداهم هو واقع الهزيمة النفسية، {وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ} عندما واجهوا القوة الإسلامية المتماسكة الواثقة بربها وبقيادتها وبالمؤمنين في مواقعها، فرأوا فيها الموقف القوي الذي يواجه العدو بثقةٍ وقوة حاسمةٍ. وهكذا كانت الحرب النفسية في ما يمكن أن تحركه من نقاط الضعف في نفوس الناس، هي الوسيلة الفضلى للنجاح في الحرب السياسية والعسكرية، لأنها تحطّم الإرادة الإنسانية التي تحرك السلاح، وتثبت الموقف. وهذا هو الذي يجب أن يراقبه المسلمون في ما يخططون له من معارك الإسلام في مواجهة الكفر والطغيان، كما ينبغي لهم أن ينتبهوا إليه في ما يخططه الأعداء وما يعملون على إثارته في مواجهة المسلمين، من الحرب النفسية التي يحركون فيها نقاط الضعف لدينا أمام نقاط القوة عندهم، بالكلمة والفعل والإيحاء والموقف.

{يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ} فقد كانوا يدمرون بيوتهم، أو يعيثون ببنائها، لئلا يغنمها المسلمون فيسكنوا فيها، وهي على حال جيدةٍ صالحةٍ للسكن، وكان المؤمنون يخربونها من أجل أن يصلوا إليهم ويسيطروا عليهم.

وقيل: إن التعبير جارٍ مجرى الكناية في ما يوحي به تخريب البيوت من إفساد أوضاعهم الحياتية واستقرارهم الأمني، وذلك بنقضهم لعهدهم مع الرسول(ص) وبتأليب المؤمنين عليهم، كنتيجةٍ لذلك، وهو خلاف الظاهر.

{فَاعْتَبِرُواْ يا أُوْلِي الأبْصَارِ} وخذوا من هؤلاء درساً في خطّ السير، وفي طريقة المواجهة للأوضاع والظروف المحيطة بكم، في ما تقبلون عليه من مواقف ومشاريع في ساحات الصراع بين الحق والباطل، لتتخذوا الموقف الحق بحكمةٍ وقوة وعزيمة، ولتقدّروا النتائج السلبية أو الإيجابية من خلال الدراسة الموضوعية الواعية.

{وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاَءَ} في ما أراده لهم من حفظ نفوسهم، بالإبقاء عليهم، للمصلحة التي يعلمها في ذلك، فقد كان لا يريد أن يبدأ معركة الإسلام معهم بمذبحة كبيرةٍ، قد تثير اليهود الآخرين الذين كانوا لا يزالون على العهد محافظين على السلام، بالرغم من أن هؤلاء قد قاموا بمحاولة اغتيال النبي محمد(ص)، ولهذا اكتفى بالحكم بالجلاء عن ديارهم في البداية، ليكون ذلك بمثابة الدرس لكل الذين يحاولون القيام بنقض العهد مع النبي(ص)، ولولا ذلك {لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا} بالقتل والاستئصال، كما فعل ذلك مع بني قريظة عندما نقضوا العهد، لأن المصلحة كانت تفرض ذلك على أساس الخيانة الكبيرة في التحالف مع المشركين للهجوم على المدينة، للقضاء على الإسلام والمسلمين في واقعة الأحزاب.

{وَلَهُمْ فِي الآخرةِ عَذَابُ النَّارِ} لتمردهم على الله ورسوله وخيانتهم للعهد. {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} أي خالفوا أوامرهما ونواهيهما وعهدهم معهما، {وَمَن يُشَآقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} لأن هذا الموقف المضاد يعبر عن حالةٍ خبيثةٍ تنمّ عن الشعور العدواني ضد العظمة الإلهية، ما يعرّض السائرين في هذا الاتجاه للعقاب الشديد.

{مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ} وهي النخلة {أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَى أُصُولِهَا} في ما كان المسلمون يمارسونه من قطع النخيل في مواقع بني النضير لبعض الضرورات الحربية، على أساس إيجاد حالةٍ نفسيةٍ صعبةٍ لديهم، أو إزالة بعض الحواجز التي كانت تتمثل في النخيل الذي يمنع من حرية الحركة، وذلك بأمرٍ من النبي(ص)، مما كان مثيراً لاعتراض بني النضير، لأنه يمثّل نوعاً من التخريب أو الإفساد الذي لا يفيد المسلمين في شيء، باعتبار أن ذلك يمثل نوعاً من الخسارة، على تقدير انتقال الأرض إليهم. ولكن الله يقول إن ذلك لم يكن حالةً مزاجيةً اعتباطية، بل كل ما أمر به النبي(ص) وقام به المسلمون {فَبِإِذْنِ اللَّهِ} من خلال الحكمة التي أرادها في ساحة الصراع بين المسلمين واليهود، {وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ} ويدفعهم إلى السقوط تحت تأثير الهزيمة والخزي والعار والانهيار النفسي والعملي.

وهكذا نجد أن حركة المحاربين في ما يتعلق بقطع الأشجار أو إبقائها، لا تنطلق من مبدأ الانفعال بالأجواء العسكرية، بل تخضع للضرورات العامة في طبيعة الموقف من الأعداء في ما يحقِّق المصلحة العليا للإسلام وللمسلمين، وللحياة من جهةٍ عامة.

ــــــــــــــــــــــــــ

(1) نقلاً عن السيرة الحلبية، راجع أعيان الشيعة، م:1، ص:359 ـ 360، دار التعارف.

(2) (م.ن).