تفسير القرآن
الحشر / من الآية 11 إلى الآية 14

 من الآية 11 الى الآية 14
 

الآيــات

{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلاَ نُطِيعُ فيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ* لَئِنْ أُخْرِجُواْ لاَ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُواْ لاَ يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الاَْدْبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ * لأنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ* لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَآءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ}(11ـ14).

* * *

معاني المفردات

{رَهْبَةً}: الرهبة، الخشية.

* * *

المنافقون في صورة قرآنية

كانت الصورة الوضيئة هي صورة المؤمنين من المهاجرين والأنصار والذين جاؤوا من بعدهم، في ما تتميز به من الروح المخلصة المتحركة في خط الإيمان الصادق، والتضحية الصادقة، والموقف الثابت على الحق.

وهذه هي صورة المنافقين الذين تتجلى صورتهم القلقة المخادعة المظلمة في انتهازيتهم التي تتحرك في دائرة منافعهم الذاتية بعيداً عن علاقتهم بالآخرين في نطاق القرب والبعد، فهم لا يخلصون للمؤمنين ولا للكافرين، وإن كانت مصلحتهم تلتقي غالباً بالكافرين دون المؤمنين، فإذا كانت مصلحتهم في سقوط الكافرين أسقطوهم. وهذا ما نلاحظه في الصورة النفاقية المتحركة في قصة بني النضير الذين تحالفوا مع المنافقين في المدينة، ولكن المنافقين خذلوهم عندما خافوا على أنفسهم من سيطرة المسلمين، ورأوا أن المطلوب منهم من قبل اليهود أن يدخلوا معهم في قتالٍ ضد المسلمين، وهم لا يطيقون الدخول مع أحدٍ في مسألة القتال، لأن سياستهم أن يكونوا من الجالسين على التل، الذين يتربصون بالجميع الدوائر، لتكون النتائج النهائية لحسابهم مع حسابات هذا الفريق أو ذاك أو ضد حسابات الجميع.

{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُواْ} في المدينة ممن أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر، {يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ} في ما هي الأخوّة المعقودة بينهم في الموقف ضد الإسلام والمسلمين، من هؤلاء {الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} عندما طرح الموقف عليهم من قبل النبي(ص) أن يخرجوا من ديارهم: {لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلاَ نُطِيعُ فيكُمْ أَحَداً أَبَداً} فإذا كنا قد أخفينا ملامحنا الحقيقية طيلة المدة السابقة للحفاظ على المصلحة المشتركة بيننا، فسنقف الآن وقفةً واضحةً حاسمةً تؤكد المصير المشترك، وتدعم موقفكم، حتى يعرف المسلمون أنكم لستم وحدكم في ساحة الصراع، وأننا سنذهب معكم ولن نسمع لأحدٍ من أهلنا أو من غيرهم إذا أرادوا أن ينصحونا بمفارقتكم وبالابتعاد عن هذه الوقفة الحاسمة المؤيّدة لكم، لأنّ المسألة مسألة مبدأ وليست مسألة وضعٍ طارىء في مفردات المواقف، ليكون هذا احتجاجاً صارخاً ضد الموقف الإسلامي الذي سوف يرتبك ويهتز أمام المشاكل الداخلية التي يثيرها خروجنا معكم، باعتبار علاقاتنا العضوية بالمجتمع المسلم في المدينة، في ما نملكه من علاقاتٍ اجتماعيةٍ واقتصاديةٍ ومواقع عشائرية، الأمر الذي قد يدفع النبي(ص) إلى التراجع عن موقفه هذا {وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ} ونقاتل معكم، حتى يكون الموقف في النهاية لمصلحتكم، لأننا نملك القوة في مواقعنا الاجتماعية.

وهكذا استطاع المنافقون أن يثبّتوا الموقف اليهودي الذي كان يرى ضرورة المواجهة للنبي، وعدم الخضوع لقرار الجلاء، في مقابل الموقف اليهودي الآخر الذي يرى ضرورة الانسجام مع القرار، لأن شروطه في البداية قد تكون أخفّ من شروطه في المرحلة الثانية، ولأنهم لا يستطيعون الانتصار في المواجهة ما داموا وحدهم في القتال، لأن اليهود الآخرين لم يكونوا معهم.

{وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} لأن منطقهم ليس منطق الحقيقة المعبرة عن الموقف، بل هو موقف النفاق المعبر عن الحالة النفسية المتعاطفة مع هذا الموقف، في الوقت الذي تنتظر النتائج في مراقبةٍ دائمةٍ للمتغيرات على مستوى مراكز القوة، حتى إذا رأت القوة في جانب المسلمين، تركت كل عهودها مع اليهود لتنضم إلى المسلمين في ما تخافه من سطوتهم عليهم.

وبهذا كانوا كاذبين في العهد الذي قطعوه على أنفسهم لليهود، لأنهم لم يكونوا جادّين فيه في حسابات المطلق، في ما هو الموقف الحاسم الذي يتحرك في خط التضحية، {لَئِنْ أُخْرِجُواْ لاَ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ} لأن ذلك سوف يبعدهم عن ديارهم، ويفصلهم عن مصالحهم، ويعقد علاقاتهم بالمسلمين من أهلهم، من دون أن يحصلوا على شيء من اليهود في دار هجرتهم، ما يجعل صفقتهم خاسرةً على جميع المستويات.

{وَلَئِن قُوتِلُواْ لاَ يَنصُرُونَهُمْ} لأنهم لا يؤمنون بالمسألة اليهودية، لا في العقيدة ولا في المصلحة، فلا قضية لديهم ليقاتلوا من أجلها على صعيد الإيمان، {وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ} في الحالات التي تفرض عليهم الأوضاع أن ينصروهم ويدخلوا معهم في المعركة، في ما يشبه المأزق الحرج {لَيُوَلُّنَّ الأدبارَ} في عملية الفرار من المعركة، لينقذوا أنفسهم من الهلاك، لأنهم ليسوا في وارد الرغبة في الموت لحساب أيّ أحدٍ، باعتبار أن شعار النفاق هو سلامة الذات والموت للجميع، {ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ } لأنهم لا يملكون أسباب النصر في موازين القوة هناك.

{لأنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِّنَ اللَّهِ} فتلك هي الحقيقة النفسية للمنافقين ولإخوانهم من الذين كفروا من أهل الكتاب، فهم لا يعيشون في أعماقهم الشعور بعظمة الله المطلقة التي يشعر بها المؤمنون بالله، ولا يتحسسون الخوف منه لتكون مواقع حركتهم متجهةً إلى الابتعاد عن مواقع غضب الله وسخطه، فيكونون الأقوياء بالله في مواجهة أعدائه، بل يعيشون الشعور بمواقع القوة المادية من حولهم، في ما يملكه الناس من قوة البطش والقهر، ما يجعل قلوبهم فارغةً من خوف الله، مملوءةً بخوف الناس.

ولمّا كان المسلمون في الموقع المميّز للقوة آنذاك، كانت مشاعر الخوف من المسلمين لدى المنافقين واليهود أقوى من مشاعر خوفهم من الله الذي لا يستشعرون الإيمان به، {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ} لأنهم لا يعرفون مدى عظمة الله، وأن القوة بيده، وأن العزة له جميعاً، وأن الكون لا يملك أية قوة إلا منه، فلا قيمة لأي قوة كونيةٍ أو بشرية ليخافها الإنسان أمام قوته. ولهذا فإن المسألة هي مسألة وعيٍ للحقيقة الإلهية في حركة القوة الكونية، مما لا يفهمه إلا المؤمنون.

{لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَآءِ جُدُرٍ} فهم لا يواجهون المسلمين بشكل مباشر، لأنهم لا يملكون الشجاعة التي تفسح المجال للثبات في الموقف، على أساس أنهم لا ينطلقون من عنصر قوةٍ داخلية، في ما تمنحه العقيدة الإيمانية المنفتحة على الله الذي يستمد منه المؤمن القوة في مواجهته للتحديات، ما يجعلهم يشعرون بالخوف من المسلمين الذين انطلقوا من مواقع إيمانهم بالله ليكونوا الثابتين في المواقع الصعبة.

{بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ} بحيث تتحوّل الخلافات الداخلية فيما بينهم إلى نزاعاتٍ عسكريةٍ يشتد فيها البأس بشكلٍ عنيف، فيقتل بعضهم بعضاً، ما يجعل من الصعب الوصول إلى نتيجةٍ إيجابيةٍ لمصلحة الصلح والتسامح، {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى} فهم لا ينطلقون في علاقاتهم ببعضهم البعض من موقع العقيدة الواحدة، والشعور الحميم المنفتح الموحّد، والقضية الواحدة التي تتصل بالمصير الواحد، بل ينطلقون من المصالح الخاصة التي يختلفون عليها بسبب العنصر الذاتي المعقّد الكامن في داخلهم، ولهذا فإن وحدتهم تتصل بشكل الصورة لا بعمقها.

{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ} لأنهم لو كانوا يملكون عقلاً واعياً لاستطاعوا أن يهتدوا إلى مواقع الحق التي يلتقون عليها، ويتوحّدون من خلالها في الشكل والمضمون، سيما إذا توفر روح الإخلاص، وهو ما يضمهم جميعاً إلى رحاب الله في مواقع رضوانه.

وإذا كانت المسألة اليهودية في نطاق هذه الصورة القلقة تتمثل في هذا الواقع الداخلي المعقد الذي يوحي بالجبن والفرقة والتنازع، فإنه لا يمثل حالةً خاصةً مختصةً بهم، بل قد يتمثل في جماعاتٍ أخرى تعيش العقلية نفسها وتخضع للظروف والمواقع ذاتها، فتكون النتائج هي النتائج، والصورة هي نفسها، ما يفرض على كل جماعةٍ أن تحصِّن نفسها من ذلك، وأن تعمق كل عناصر القوة والإلفة والوحدة على صعيد الفكر والعمل. وهذا ما يجب أن ينتبه إليه المسلمون في توجههم العام، كما ينتبه إليه العاملون للإسلام في النطاق الحركي، فقد ينفذ إليهم هذا المرض، وقد تمتد إليهم نتائجه السلبية التي تسيء إلى واقعهم السياسي والاجتماعي والأمني والاقتصادي، الأمر الذي يحتاج إلى المزيد من التأمل والدقة والحذر الشديد.