من الآية 22 الى الآية 24
الآيــات
{هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ* هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ* هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِىءُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأسْمَآءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (22ـ24).
* * *
مع أسماء الحسنى لله
وإذا كان الله هو سرّ العقيدة في مضمونها الفكري والروحي والعملي، فلا بد للمؤمن من أن يتمثله بصفاته التي توحي للإنسان بحركة الإيمان في العقل والشعور والحياة، ليعيش الإنسان مع هذه الصفات في رحلة المسيرة الإنسانية الباحثة عن الله، المنطلقة إليه من خلال مواقع طاعته ورضاه. وهذا ما تريد هذه الآيات إشاعته في النفس، لتختم السورة بالتسبيح المنفتح على وعي عظمته، كما بدأته بالتسبيح المتحرك في مواقع عزته وحكمته.
{هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} وهذه هي الحقيقة التوحيدية التي تنزع من شعور الإنسان كلَّ لونٍ من ألوان الشرك في ما يتخذه الناس من آلهةٍ مزعومةٍ على مستوى الحجر أو المخلوق الحي من إنسانٍ وملكٍ وجان. ويبقى الإنسان مع الله وحده، في خط العقيدة الواحدة، والشريعة الواحدة، والنهج الموحّد في حركة الإنسان في الحياة.
{عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} فليس هناك عالمٌ مستور عند الله، لأن الغيب والشهادة يستويان لديه، فالكون الخفي مكشوفٌ له، تماماً كما هو الكون البارز، لأنه الخالق للكون كله، فلا يفكرنَّ أحدٌ بأن يستتر منه في معصيةٍ، من خلال الغفلة عن حضوره في ذلك الموقع.
{هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} الذي يستشعر عباده رحمته في مفردات وجودهم، كما كانوا صدى رحمته في أصل هذا الوجود، ويتصوّرون رحمته في الآخرة التي يرجونها منه، كما يطلبونها في الدنيا ليعيشوها في ساحة نعمه وألطافه. {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} وينطلق الحديث عن التوحيد مرةً أخرى، لأن هذه المسألة هي الأساس في الارتباط به، والانفصال عن غيره في أجواء العقيدة والعمل.
{الْمَلِكُ} الذي يستمد كل مالكٍ منه ملكه، لأنه المالك للأشياء كلها، {الْقُدُّوسُ} الذي يعبر عن القمة في النزاهة والطهارة، مما يوحي للإنسان بالامتداد في هذا الجوّ المشبع بالمعاني الطاهرة في علاقة الإنسان بالحياة، لينفتح على الطهر من خلال الانفتاح على الله في صفة القدس الإلهي، {السَّلامُ} الذي يوحي بالأمن والطمأنينة والاستقرار في علاقة الإنسان بالله، وعلاقة الله بالكون والحياة، فينطلق الإنسان مع وعيه لاتصاف الله بهذه الصفة، ليحتضن السلام في نفسه مع الله ومع الناس ومع الحياة باعتبارها قيمةً روحيةً اجتماعيةً كبيرة.
{الْمُؤْمِنُ} الذي يمنح الأمن من رحمته ولطفه، {الْمُهَيْمِنُ} المسيطر على الأمر كله في ما توحي به الكلمة من شمولية السلطة والتدبير والقدرة، {الْعَزِيزُ} الغالب الذي لا يغلبه شيء، والمالك لما لا يملكه غيره من دون عكس، {الْجَبَّارُ} الذي يتميّز بالجبروت، الذي تنفذ إرادته ويجبر غيره على ما يشاء.. {الْمُتَكَبِّرُ} الذي ارتدى رداء الكبرياء الذي لا يملك أحد أن يرتديه. {سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ} فهو المنزّه عن كل ندٍّ ونظيرٍ وشبيهٍ، لأنه الذي يتميز بالعلوّ عن كل شيء.
{هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ} الذي قدر كل شيء وأبدعه، {الْبَارِىءُ} الذي برأ كل شيء وأخرجه من العدم، فمنه كان الوجود كله، وله الخلق كله، {الْمُصَوِّرُ} الذي أبدع صورة الأشياء في ملامحها المتنوّعة التي تمثل الجمال كله، والإبداع كله، والقدرة العظيمة من خلال التمايز في الملامح والأشكال، بحيث أعطى كلَّ شيءٍ شخصيته الخاصة المميزة، على أساس اختلاف الصورة التي صنعها من غير مثالٍ.
وإذا كانت تلك الصفات متعددةً في مفهومها، فليس معنى ذلك أنها متعددة في حقيقتها، فإن الخلق والبرء والتصوير ينطلقون في طبيعةٍ واحدةٍ تجتمع فيها هذه المعاني في وجودٍ واحدٍ.
{لَهُ الأسْمَآءُ الْحُسْنَى} التي تملك الحسن في ذاتها، بعيداً عن انفعال الآخرين بها، وتضيء للناس الآفاق الطيّبة الطاهرة الجميلة الرائعة التي توحي لهم بكل معنى طيبٍ طاهرٍ جميلٍ رائعٍ، في ما يستوحونه من صفات الله في إيحاءاتهم الروحية والعملية.
{يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ} من المخلوقات الكثيرة التي تحدِّق بكل مظاهر جماله وجلاله وكماله، وتنزهه عن كل شريك، وتعترف له بأنه وحده الإله.
{وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} الذي تلتقي العزة والحكمة في هيمنته على الكون وفي تدبيره له، في النظام البديع المتناسق في حركة الكون والإنسان.
تفسير القرآن